بقلم/ الخضر بن عبد الباقي محمد

شهدت الساحة النيجيرية منذ العقدين الماضيين سلسلة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية جعلت التساؤل عن مدى قدرة هذا البلد الأفريقي الكبير على الصمود والمحافظة على شكل الاتحاد الفدرالي، أمرا مشروعا.

وكم استبشر كثيرون بانتقال السلطة من العسكريين إلى المدنيين عام 1999، لكن هذا الاستبشار ما لبث أن تحول إلى سراب بعدما ازداد الوضع تأزما وتسارعت وتيرة الاضطرابات، حيث لم يمض سوى أيام قلائل على تولي الرئيس أولوسيغون أوباسانجو الحكم حتى بدأت البلاد ترتج من الأعماق بالعديد من الاشتباكات الطائفية والقبلية والسياسية.

هذه الأحداث بدءا من موجة الاشتباكات الدموية التي شهدتها لاغوس في حي إدي أرابا (Idi-araba) بين أبناء قبائل الهوسا واليوروبا عام 2000 وخلفت أكثر من 500 قتيل، وأحداث مدينة كيشي (kishi) الجنوبية عام 2000 بين اليوروبا والفولانيين وأسفرت عن مقتل ما يزيد عن 200 شخص، ومرورا بأعنف وأشرس مواجهة قبلية بين الطرفين في مدينة شاغامو (Shagamu) عام 2001 والتي فاق عدد ضحاياها الألف، والمواجهات الدموية في كادونا إثر اعتراض الأقلية المسيحية على الإعلان عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وحالة الغليان التي تسود منطقة جنوب الدلتا، وصولا إلى مظاهرات الشجب والاحتجاج ضد حكومة أوباسانجو وكادت تصل حد عصيان مدني شامل، وأخيرا فرض حالة الطوارئ على ولاية بلاتو وعسكرة الشارع النيجيري.. هذه الأحداث كلها لا يمكن أن نقرأ فيها إلا مظاهر المأزق الخطير الذي تعيشه البلاد.

دولة المتناقضات الصارخة

"
نيجيريا يمكن أن يطلق عليها بحق "دولة المتناقضات الصارخة"

"
عند تناول ظاهرة كهذه يجب أن يؤخذ في الاعتبار والتحليل حجم التناقضات والاختلافات الشديدة والبالغة التعقيد، فالنموذج النيجيري يمكن أن يطلق عليه بحق "دولة المتناقضات الصارخة"، فهو مجتمع يتسم بتنوع هائل في البيئة والإقليم والتنظيم الاجتماعي والوضع الاقتصادي وأسلوب المعيشة والانتماء الطائفي والإثني ومستوى التخلف والمعيشة والنظام السائد والثقافة والمشاكل والقضايا والأزياء الخاصة. ولعل التركيبة القبائلية تشهد بذلك، حيث يعيش على أرض نيجيريا مجموعات قبائلية وعرقية تزيد عن 250 جماعة قومية.

ودون شك فإن الاضطرابات المتلاحقة نتيجة طبيعية لتلك التناقضات، غير أنه لا يمكن أن نتجاهل عوامل أخرى ومتغيرات جديدة كان لها انعكاساتها ومضاعفاتها على تفاقم الوضع واستمرار الاحتقان السياسي في البلاد.

وفي نظرة تحليلية لوضع التعددية في نيجيريا وفي البحث عن أسباب الاضطرابات السياسية المتكررة، نلاحظ أنه على مستوى الدولة المركزية نجد أن المجتمع يتألف من جماعات تغلب هوياتها الخاصة على الهوية العامة، وتتصف العلاقات فيما بينها بالتراوح بين عملية التعايش والنزاع وعدم القدرة على الاتفاق حول الأسس.

ومما يرسخ الانقسامات بين تلك الجماعات ويؤدي إلى التنازع وجود فروقات في الحقوق السياسية والاقتصادية والمدنية وفي المكانة الاجتماعية، بالإضافة إلى الفروقات في الهوية. وندلل على ذلك بوضع الأقاليم الثلاثة الكبرى (الإقليم الشمالي المنطبع بالطابع الهوساوي الفولاني، والإقليم الغربي لقبيلة اليوروبا، والإقليم الشرقي لقبيلة الإيبو). وقد تمكنت كل جماعة من تحقيق قدر من الاندماج الإثني داخل كل إقليم، وجعلها تصنف نفسها باعتبارها "نحن" في مواجهة الجماعات الأخرى. وقد أوجد ذلك حالة من الصراع بين تلك الأقاليم انعكس على خطاب القيادات السياسية.

وانبثق عن هذا الواقع الاجتماعي نظام سياسي إقليمي قبلي عمل بدوره على تعزيز هذا الاتجاه الذي يؤكد أن الفدرالية تقوم على أساس التعايش لا على أساس الانصهار أو الاندماج، الشيء الذي ترك تأثيرات سلبية على واقع المجتمع النيجيري ككل، وهو ما يفسر الكثير من حالات الاضطراب والاشتباك بين قبائل الهوسا/اليوروبا عام 1992 إثر إلغاء الرئيس بابانغبدا الشمالي لنتائج الانتخابات الرئاسية التي ترجح فوز رجل أعمال يوروباوي مسلم هو مسعود أبيولا، وقد جاء ترشيح أوباسانجو من قبل الشماليين لانتخابات الرئاسة عام 1999 استرضاء لرأي عام أبناء قبيلة اليوروبا.

اضطرابات داخل الجماعات الإثنية
وعلى المستوى الإقليمي هناك اضطرابات تأتي من داخل الجماعات الإثنية العرقية المنضوية تحت لواء الإقليم، فرغم تمكن تلك الجماعات من إيجاد صيغة توليفية بين الهوية الخاصة والهوية الإقليمية العامة، ومن التفاهم حول بعض الأسس والعمل على التشديد على ضرورات الاندماج واعتماد نظام تربوي موحد، فإنها لا تتمكن من احتواء أزماتها كلية لأنها تعاني بين فترة وأخرى من أزمات داخلية بسبب تدخلات من الخارج، وبسبب تسلط الأكثرية أو إحدى الأقليات على مراكز القوة والجاه والثراء، وبسبب عدم الإقرار بالتنوع الموجود في أحيان أخرى.

ويعد من بين الأمثلة البارزة الاضطرابات المتكررة بين جماعة إيجو وجماعة إيلاجي بولاية أندو في الإقليم الغربي، والاشتباكات العنيفة بين جماعة إجوس وجماعة إتسكري في ولاية دلتا الإقليم الشرقي. ولعل حالة النزاع بين تيف والهوسا/الفولاني في جوس بولاية بلاتو، تؤكد بالفعل أن هناك حالة استياء وامتعاض في الأوساط القبلية من جراء سيطرة الثقافة الهوساوية على الهويات القبائلية الأخرى في مناطق شمال نيجيريا.

حالة الاستياء هذه ارتبطت بموجة العداء والكراهية من قبل الأقلية غير المسلمة في مناطق الشمال، الأمر الذي وجد صدى وتحمسا كبيرين لدى العناصر والكوادر المسيحية الموجودة في مواقع ومراكز القوة في الدولة والمنظمات الدولية والحقوقية المختلفة، فبدأت دعوات إلى التفريق بين الهوية الثقافية لسكان شمال نيجيريا ممثلة في لغة الهوسا، والانتماءات القبائلية المتعددة لسكانها. وعلى هذا الأساس تم اعتماد مشروع قانون يقضي بتقسيم الدولة إلى ست مناطق جيوسياسية قبلية، يكون الترشح وتولي المناصب الرئاسية والوزارية في الدولة على أساسها.

صراع طائفي بين المسلمين والمسيحيين


المطالب الأساسية للمسلمين النيجيريبن تتمثل في تحقيق وجود فاعل على الخريطة السياسية للدولة تأخذ بعين الاعتبار نسبتهم العددية البالغة 65% من بين 120 مليون نسمة
كما ن هناك اضطرابات تنشأ عن صراع طائفي بين المسلمين والمسيحيين من جهة والمسلمين والوثنيين من جهة أخرى. فحسب الإحصائيات المتاحة من الهيئة الوطنية النيجيرية للإحصائيات فإن 50% من إجمالي سكان نيجيريا يدينون بالإسلام، و40% يدينون بالمسيحية، في حين يدين الباقون (10%) بديانات وثنية طبيعية. ويمثل إقليم الشمال منطقة أكبر كثافة مسلمة حيث يشكل المسلمون فيها 95%. وتشهد منطقة الغرب حالة تجاذب بين الإسلام والمسيحية، إذ يشكل المسلمون 50% والمسيحيون 45%، وإن كانت التجاذبات هذه لا تصل حد الاشتباك والمواجهة كما هو الحال في الشمال. وتنتشر المسيحية في منطقة الحزام الأوسط والمناطق الوسطى إضافة إلى بقايا الوثنية، في حين أن منطقة شرق البلاد تسودها الديانة المسيحية بنسبة 65% بجانب الوثنية بنسبة 43% والإسلام بنسبة 2%.

وإزاء هذا الوضع الطائفي المعقد تسود حالة حراك في المناطق الشديدة المركزية والسيطرة للديانة الأغلبية حيث تتحرك الأقليات الطائفية للفت الأنظار إليها وإعادة الاعتبار لها، كحالة جماعة كاجيس المسيحية في مدينة كادونا الشمالية حينما تحركت ضد إعلان تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الولاية عام 2000.

وتتكرر مشاهد النزاع الطائفي حتى بين أبناء القبيلة الواحدة كما هو الحال بين المسلمين والوثنيين من أبناء اليوروبا وتسجل سنويا ضحايا وجرحى بالعشرات. والحراك من هذا النوع على المستوى الفدرالي ينحصر بين المسلمين والمسيحيين.

المطالب الأساسية للمسلمين
المطالب الأساسية للمواطنين المسلمين في نيجيريا تتمثل في أن يتحقق لهم وجود فعلي معتبر وواضح على الخريطة السياسية للدولة بحكم أغلبيتهم السكانية، ولذا يطالبون الحكومة الاتحادية بوضع الكثافة المسلمة هذه محل اعتبارها عند اتخاذ قرارات تتعلق بالشؤون الداخلية والخارجية على وجه التحديد، ويعولون في ذلك على أنهم يشكلون 65% من بين 120 مليون نسمة.

وقد تحرك المسلمون في عدة مناسبات ومحافل لترجمة هذا المطلب للحكومة النيجيرية، ومنذ تولي الرئيس أوباسانجو الحكم عكست ذلك تحركات المسلمين عبر مناشط مختلفة منها:

  • مظاهرات حاشدة ضد محاولات الضغط على حكومات الولايات الشمالية التي اعتمدت تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لإيقافها عن ذلك.
  • شهدت الشوارع النيجيرية مظاهرات احتجاج ضد تصريحات مثيرة للجدل للرئيس أوباسانجو في واشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، بإعلانه التأييد المطلق من نيجيريا للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب وضرب أفغانستان المسلمة.
  • على خلفية مسابقة ملكات جمال مارس المسلمون على عدة مستويات ضغوطا كثيرة شعبية بوتائر عالية على إدارة أوباسانجو تلخصت في مطالبتها بعدم استضافة الدولة لتلك المسابقة، وفي حالة إصرارها على ذلك تأجيل موعد إقامتها إلى ما بعد شهر رمضان حيث لا يتناسب وقدسية شهر يحظى بتقدير لدى الأغلبية الدينية من سكان البلاد. ثم تفاقم الأمر بالانفجار بعد مقالة مسيئة للإسلام ولشخص الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن ألغيت المسابقة نهائيا في نيجيريا.

خوف المسيحيين من المد الإسلامي

"
هناك حالة رعب بين المسيحيين من الوضع الإسلامي في شمال نيجيريا، سواء من حيث درجة انتشار الإسلام أو نمو المطالب بالعودة إلى تحكيم الشريعة

"

هناك حالة رعب بين المسيحيين من الوضع الإسلامي في شمال نيجيريا، سواء من حيث درجة انتشار الإسلام أو نمو المطالب بالعودة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية، فالمخاوف من توسيع دائرة الشريعة إلى ولايات أخرى في منطقة الجنوب الغربي أو الحزام الأوسط مثلا كانت من أقوى دوافع الحملات الهجومية على الوجود الإسلامي في المنطقة، فتجربة الديمقراطية كانت في صالح الكثافة الإسلامية.

كما أذكت من مخاوف الأقلية المسيحية والعرقية والقبلية التي تتشبث بالأصالة والوطنية والأقدمية في بعض المدن والولايات الشمالية مثل كادونا وولاية نيجر وولاية كوغي وغيرها، بل يصرون من جانبهم على ضرورة المحافظة على علمانية الدولة وعدم تحيزها إلى أي ديانة، ويتهمون الرؤساء السابقين من أبناء شمال البلاد بالتدبير والمحاولة لأسلمة نيجيريا وإعلانها دولة إسلامية خالصة.

وتعد مسألة عضوية نيجيريا قي منظمة المؤتمر الإسلامي ومجموعة الدول الإسلامية الثماني من القضايا الطائفية التي أحدثت اضطرابا دمويا ساخنا في السنوات الماضية.

الفقر يولد الإحباط
وهناك اضطرابات تنشأ عن حالة التأزم والإحباط التي يعيشها الشعب من جراء الفقر والتخلف وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، حيث الفجوة الواسعة بين الطبقات الميسورة والطبقات المحرومة الكادحة، وأصبح الفقر ظاهرة عامة وانتشرت البطالة ومظاهر البؤس والفاقة بين السكان، فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز سنويا 300 دولار(1) أميركي، وتقدر تقارير البنك الدولي عدد الذين يعيشون على دولار واحد في اليوم بنحو 80% من السكان بمعنى أن عدد الفقراء يفوق 100 مليون شخص.

وفي ظل أوضاع اقتصادية متردية كهذه تعلن الحكومة رفع أسعار الوقود بنسبة 200%، ما جعل الاضطرابات وأعمال العنف والاحتجاجات تتواصل في أنحاء متفرقة من البلاد تقودها النقابات العمالية.

أداء حكومة أوباسانجو
الأداء الحكومي لإدارة الرئيس أوباسانجو في بعض سياساته الداخلية والخارجية عامل آخر يثير الاضطرابات، فبطء معدلات التنمية واستفحال الفساد في ظل حكومة تعهدت بمحاربته وعدم وجود معالجات جادة وحقيقية لمحاربة الظاهرة، إضافة إلى ثبوت اتهامات لعدد من المسؤولين في قضايا فساد كبيرة.. كل ذلك ولد حالة سخط وغضب على الإدارة الحالية وشكل مدخلا طبيعيا استغلته العناصر والأحزاب المعارضة لإحداث توترات واضطرابات.

ولا يمكن أن نغفل دور المؤسسات العسكرية في هذا الشأن، فقد شهدت أجواء العلاقات بين الحكومة المدنية والعسكريين حالة تأزم وتوتر كان الطرفان يتبادلان الاتهامات بالعمل لإلغاء الطرف الآخر منذ مجيء الحكومة الديمقراطية عام 1999.

العسكريون لم يخفوا استياءهم من بعض الإجراءات التي أقدمت عليها إدارة أوباسانجو التي وصفوها بأنها ترمي إلى التهميش والتقليل من شأن المؤسسات العسكرية، كما أن المسؤولين الكبار في الحكومة الديمقراطية يؤكدون دوما مخاوفهم من أن تحركات العسكريين مازالت تهدد مستقبل الديمقراطية في نيجيريا.

وأثارت خطوة إحالة أكثر من 150 جنرالا من كبار العسكريين إلى التقاعد الإجباري المبكر عام 2001 وتجزئة سلطات وزارة الدفاع النيجيرية إضافة إلى خفض مخصصات المؤسسات العسكرية عام 2002، ردود أفعال غاضبة من العسكريين وإن لم تكن بشكل مباشر، فأحداث الانفجارات التي شهدتها مدينة لاغوس عام 2002 وعملية تسليح بعض المليشيات القبلية المقاتلة في عدد من الاشتباكات في كادونا وجوس الأخيرة ليست بعيدة عن تدبير العسكريين.

كما أن محاولة السيطرة على موارد البترول أكثر أسباب تفجر الاضطرابات في ظل ظاهرة التوزيع غير العادل للثروات، فالاضطرابات القديمة والمزمنة التي تجري في منطقة جنوب الدلتا الغنية بالنفط ونضال مجموعة سارويوا وكفاحهم المسلح يدخل في هذا النطاق لرفضها التبعية ودعوتها الحكومة إلى منحها سلطة السيطرة على موارد أرضها نظرا لشدة الفقر وتردي الأوضاع وحالة الحرمان التي تعيشها، فقد أعدمت حكومة الرئيس العسكري الراحل ثاني أبتشا زعيم المجموعة وثمانية من أفرادها عام 1995. وما زالت المنطقة ملتهبة يرفع أبناؤها شعار الصمود والكفاح رغم تخصيص الحكومة الديمقراطية نسبة 13% من إيرادات النفط لكل مناطق إنتاج البترول.

تلك بعض الأسباب والعوامل التي تقف وراء الاضطرابات السياسية المزمنة التي تشهدها نيجيريا، ولا يمكن أن تزول تلك الأعراض إلا بزوال مسبباتها.
__________
كاتب نيجيري
(*) الرقم الوارد في مصادر أخرى مثل (The Factbook) يرفع نصيب الفرد من الدخل القومي إلى 900 دولار.