فيما يأتي نص ما ورد في تقرير مراقبة حقوق الإنسان (Human Rights Watch) لعام 2001 حول حقوق الإنسان في العراق:

استمرت الحكومة العراقية في ارتكاب انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان على نطاق واسع، ومنها إلقاء القبض بصورة تعسفية على الأشخاص المشتبه في انتمائهم للمعارضة السياسية، وإعدام السجناء، والتهجير القسري للأكراد والتركمانيين من كركوك وغيرها من المناطق. وقد وردت أنباء تفيد أن المعارضين السياسيين المعروفين أو الأشخاص المشتبه في انتمائهم للمعارضة والذين يعيشون بالخارج، استهدفوا وتعرضوا للتهديد مراراً من جانب عملاء الحكومة العراقية.

وظل التوتر سائداً في العلاقات بين الحزبين المعارضين: الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني اللذين احتفظا بالسيطرة على معظم أنحاء المحافظات الشمالية دهوك وأربيل والسليمانية، وذلك على الرغم من إبرامهما اتفاقاً للسلام بوساطة من الولايات المتحدة عام 1998، وبالرغم من استمرار جهود الوساطة الأميركية.

وشهد هذا العام صدامات من آن لآخر في الشمال بين هذين الحزبين وغيرهما من الأحزاب الكردية، الأمر الذي أسفر عن وقوع بعض الخسائر في الأرواح وإلقاء القبض على بعض الأشخاص، وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان من جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وجماعات المعارضة. وقد عُقدت انتخابات المجالس البلدية في المناطق الخاضعة للاتحاد الوطني الكردستاني في فبراير/ شباط، وهي أول انتخابات تشهدها المنطقة منذ مايو/ أيار 1992.

أما في المنطقة الخاضعة لسيطرة الحكومة العراقية، فقد أُجريت الانتخابات في 27 مارس/ آذار لانتخاب مجلس وطني جديد لدورة مدتها أربع سنوات، وتنافس فيها المرشحون على 220 مقعداً من مقاعد المجلس البالغ إجمالي عددها 250 مقعداً. أما المقاعد الثلاثون الأخرى -وهي المخصصة للأكراد- فقد شغلها أعضاء معينون بموجب مرسوم رئاسي.

واستمر تطبيق العقوبات الاقتصادية التي فرضها على العراق مجلس الأمن الدولي في أغسطس/ آب 1991. واعتمد مجلس الأمن قراراً لتمديد برنامج "النفط مقابل الغذاء" ووضع نظاما جديدا للتفتيش على الأسلحة، مقترحاً تعليق العقوبات لفترة محدودة في أعقاب التزام العراق بمواد ذلك القرار. لكن الحكومة العراقية رفضت هذا المقترح قائلة إنه لا يوجد أي قرار من قرارات مجلس الأمن ينص على هذا التعليق، وواصلت مطالبتها بإلغاء العقوبات نهائياً. وتعرض اتفاق الآراء على المستوى الدولي بشأن العقوبات لمزيد من التآكل في أعقاب العديد من "الرحلات الجوية الإنسانية" التي قامت بها طائرات روسية وفرنسية وسورية ومصرية وغيرها، بعد إعادة فتح مطار صدام الدولي في بغداد في منتصف يوليو/ تموز.

تطورات حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة العراقية
ورد أن خمسة من ضباط الحرس الجمهوري أُعدموا في 29 ديسمبر/ كانون الأول 1999 بعد اتهامهم بالتواطؤ في محاولة مزعومة لاغتيال قصي الابن الأصغر للرئيس صدام حسين. ومن بين هؤلاء الضباط المقدم إبراهيم جاسم والنقيب عمر عبد الرزاق.

وفي أبريل/ نيسان اعتُقل -فيما ورد- عدد من رجال الحرس الجمهوري وقوات الأمن الخاصة في أعقاب محاولة انقلاب مزعومة، وتردد أن حوالي أربعين من رجال الحرس الجمهوري كانوا من بين هؤلاء الذين اقتيدوا إلى سجن الرضوانية، ومنهم المقدم الركن هاشم جاسم ماجد والمقدم شوقي شرايشي. كما وردت أنباء في مايو/ أيار عن إلقاء القبض على أربعة ضباط آخرين من قوات الأمن الخاصة وإعدامهم، ومن بينهم العقيد الركن كاظم جواد علي والعقيد الركن علي محمد سلمان.

ويبدو أن عمليات إعدام عديدة قد نُفِّذت في السجناء السياسيين وآخرين من المدانين بارتكاب جرائم جنائية في إطار حملة "تطهير السجون" التي قامت بها الحكومة، والتي شملت العديد من السجون ومن ضمنها سجن أبو غريب وسجن الرضوانية. وفي مارس/ آذار2000 قدم مركز حقوق الإنسان التابع للحزب الشيوعي العراقي المعارض تفاصيل عن 223 حالة إعدام إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بوضع حقوق الإنسان في العراق، وذكر المركز أنها نفذت فيما بين 12 أكتوبر/ تشرين الأول 1999 و9 مارس/ آذار 2000، وتضمنت 26 معتقلاً سياسياً أعدموا في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 1999، و26 آخرين أعدموا في 27 يناير/ كانون الثاني 2000. وقد أُعدم جميع هؤلاء في سجن أبو غريب قرب بغداد، وكانت غالبيتهم من المسلمين الشيعة من البصرة والسماوة والناصرية والديوانية والحلة والعمارة وبغداد، وكان بعضهم قد احتجزوا منذ 1991 بدون مراعاة الإجراءات القضائية الواجبة، للاشتباه في اشتراكهم في انتفاضة مارس/ آذار 1991. وورد أن جثث الضحايا قد دُفنت في مقابر جماعية قرب السجن.

واستمرت قوات الأمن العراقية في استهداف الأشخاص المشتبه في مناصرتهم لآية الله محمد صادق الصدر، وهو من رجال الدين الشيعة البارزين اغتيل هو وابناه في النجف في فبراير/ شباط 1999. وفي مارس/ آذار 2000 ذكر عشرات من المسلمين الشيعة -الذين فروا من العراق في وقت سابق من العام وفي عام 1999- لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان" أنهم تعرضوا مراراً للاستجواب، وفي بعض الحالات للاحتجاز والتعذيب. وبعض هؤلاء المحتجزين أقرباء لرجال دين بارزين أو من طلاب آية الله الصدر الذين ألقي القبض عليهم عقب اغتياله بفترة وجيزة. وحوكم 22 من هؤلاء المقبوض عليهم في أعقاب اغتيال الصدر أمام محكمة خاصة تابعة لمديرية الأمن العامة في بغداد بعدة تهم، من بينها شن هجمات مسلحة على رجال الجيش وأعضاء حزب البعث، والانتماء لتنظيم محظور، وإيواء مناصري آية الله الصدر الذين كانت السلطات تسعى للقبض عليهم. وفي 13 مايو/ أيار صدرت أحكام بإعدام ستة منهم على الأقل وهدمت بيوتهم، وجميعهم من طلبة العلوم الدينية في النجف، ومن بينهم الشيخ سالم جاسم العبودي والشيخ ناصر السعيدي وسعد النوري. كما صدرت أحكام بالسجن المؤبد وبعض الأحكام الأخف وطأة على متهمين آخرين. وحتى أكتوبر/ تشرين الأول 2000 لم يكن معروفاً ما إذا كانت أحكام الإعدام قد نُفِّذت أم لا. كما ألقي القبض على بعض أقارب المتهمين وتعرضوا للتعذيب.

واستهدف عملاء الاستخبارات العراقية المعارضين السياسيين الذين فروا من العراق، بأن قاموا بتهديدهم وترهيبهم أو باعتقال ذويهم في العراق وتعذيبهم. ففي 7 يونيو/ حزيران تلقى الفريق الركن نجيب الصالحي رئيس الأركان السابق للفرقة السادسة للمدرعات بالجيش العراقي والذي فر إلى الأردن عام 1995، شريط فيديو يصور إحدى قريباته بينما يغتصبها رجال الاستخبارات. ولطالما استُخدم الاغتصاب أو التهديد به في العراق كإجراء عقابي ضد المعارضين لانتزاع الاعترافات أو المعلومات منهم، أو للضغط عليهم للكف عن الأنشطة المناوئة للحكومة. وبعد وصول الشريط بفترة قصيرة تلقى الصالحي مكالمة هاتفية من أخيه في بغداد يطلب منه التوقف عن كافة الأنشطة المعارضة.

وعادةً ما يذكر المنفيون السياسيون العراقيون سواء الذين يعيشون في أوروبا أو في أماكن أخرى، أنهم تعرضوا للتهديد بإلقاء القبض على أقاربهم أو إعدامهم إذا لم يعودوا إلى العراق، أو إذا لم يتخلوا عن نشاطهم المعارض. كما ذكر طالبو اللجوء السياسي في الأردن وسوريا وبعض البلدان الأخرى أنهم موضوعون تحت مراقبة عملاء الاستخبارات العراقية.

وواصلت الحكومة التهجير القسري للأكراد والتركمانيين من كركوك وخانقين ومخمور وسنجار وطوزخورماتو وغيرها من المناطق في إطار برنامج "التعريب" الذي تطبقه. وكان بين المهجرين أولئك الأفراد الذين سبق لهم رفض التوقيع على ما يسمى استمارات "تصحيح الجنسية" التي أعدتها السلطات قبل إجراء تعداد السكان عام 1997، والتي طالبت أبناء الطوائف العرقية المقيمة في تلك المناطق بالتخلي عن هويتهم الكردية أو التركمانية وتسجيل أنفسهم بصورة رسمية على أنهم عرب. كما استولت السلطات العراقية على ممتلكاتهم وأموالهم، وجُرد الذين تم تهجيرهم إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة الكردية من كل ممتلكاتهم وسحبت منهم بطاقاتهم التموينية.

كما تم تهجير عدد أقل -معظمهم من التركمانيين- تهجيراً قسرياً إلى وسط وجنوب العراق بما في ذلك منطقة الرمادي، وسُمح لهم بأخذ بعض ممتلكاتهم. ولكن في كلتا الحالتين قامت السلطات العراقية في كثير من الأحيان باحتجاز أرباب الأسر حتى يتم التهجير بصورة كاملة. وقد ورد أن أكثر من 800 شخص قد طردوا فيما بين يناير/ كانون الثاني ويونيو/حزيران وبذلك يصل إجمالي عدد المُهجَّرين منذ 1991 إلى أكثر من 94 ألفاً حسبما أفادت مصادر المعارضة الكردية.

وقد ظلت هناك قيود شديدة على حرية الصحافة والحق في الحصول على المعلومات، حيث فرضت الحكومة رقابة صارمة على كل المنافذ الإعلامية ومنها التلفزيون والإذاعة والصحف التي تمتلك الدولة معظمها. وظل الحظر سارياً على استخدام الأطباق اللاقطة للإرسال التلفزيوني الفضائي وأجهزة "الموديم"، في حين ما يزال تركيب جهاز فاكس يتطلب إذناً خاصاً. وكانت السلطات قد أعلنت في نوفمبر/ تشرين الثاني 1999 عن خطط للسماح للعراقيين باستقبال مجموعة مختارة من القنوات التلفزيونية الفضائية من خلال خدمة معينة نظير اشتراك، ولكن حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2000 لم تكن هذه الخدمة قد ظهرت إلى حيز الوجود بعد.

 أما خدمة الإنترنت التي تحتكرها وزارة الثقافة والإعلام فقد أتيحت للشعب العراقي لأول مرة في 27 يوليو/ تموز بافتتاح مقهى للإنترنت في بغداد، وأعلنت السلطات أن هناك مراكز أخرى سيتم افتتاحها في مدن أخرى في المستقبل. وورد أن وزير النقل والاتصالات أحمد مرتضى خليل قال إن مستخدمي الإنترنت يمكنهم تصفح مواقع الشبكة التي لا تنتهك "مبادئ الدين الإسلامي" ولا تسيء إلى "القيم والأخلاقيات". إلا أن مستخدمي الشبكة مُنعوا -فيما ورد- من الدخول إلى نظم البريد الإلكتروني المعتمدة على الشبكة وغير الخاضعة للرقابة.

وفي 28 يونيو/ حزيران لقي اثنان من العاملين بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة مصرعهما في بغداد وجرح سبعة آخرون عندما أطلق مواطن عراقي النار عليهم حسبما ورد. وذكرت السلطات أن الفاعل اسمه فؤاد حسين حيدر الذي قال إنه نفذ الهجوم على سبيل الاحتجاج على الحظر المفروض من جانب الأمم المتحدة.

وظل الموقف الإنساني إجمالاً في حالة يرثى لها في العراق على الرغم من تمديد برنامج "النفط مقابل الغذاء". ففي تقرير أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان إلى مجلس الأمن بتاريخ 10 مارس/ آذار 2000 عن سير البرنامج، أشار عنان إلى وجود عدد مفرط من المعوقات التي ماتزال تعرقل برنامج الإغاثة، منها تعليق البت في العقود في قطاعات المياه والصرف الصحي والطاقة الكهربائية، وأشار إلى أن ذلك من العوامل الرئيسية التي تحول دون إحراز تقدم في مجال الصحة العامة.

وفي أحدث تقرير له إلى مجلس الأمن بتاريخ 8 سبتمبر/ أيلول 2000، أشار الأمين العام إلى حدوث بعض التحسن في هذا المجال، لكنه أضاف أن "تدهور البنية الأساسية" في قطاع المياه والصرف الصحي يتفاقم من جراء عدم توافر المواد الأساسية التكميلية التي لاتزال طلبات الحصول عليها قيد الانتظار، ونقص القدر الكافي من الصيانة وقطع الغيار وأطقم العاملين. أما فيما يتعلق بقطاع الكهرباء فقد ذكر التقرير أن شبكة الكهرباء بأكملها في حالة غير مستقرة، ومعرضة لخطر داهم قد يؤدي إلى انهيارها تماماً.

ووصف التقرير توريد الخدمات والرعاية الصحية عموماً بأنه في حالة "تردٍ حاد"، وهو التقييم الذي أيدته النتائج التي توصلت إليها وكالات الأمم المتحدة وغيرها من الوكالات الإنسانية. وفي تقرير نشر في ديسمبر/ كانون الأول 1999، ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن العقوبات كان لها "تأثير مدمر على حياة المدنيين" وأن برنامج "النفط مقابل الغذاء"، على الرغم من أنه خفف من وطأة هذه المحنة، "فإنه لم يمنع انهيار نظام الخدمات الصحية وتدهور إمدادات المياه، الأمر الذي يشكل واحداً من أخطر التهديدات على صحة السكان المدنيين وسلامتهم".

وفي تقرير نشر في 13 سبتمبر/ أيلول ذكرت منظمة الأغذية والزراعة أن حصص الغذاء الموجودة -إلى جانب المشتريات الغذائية من الأسواق- قد حالت دون حدوث مزيد من التدهور في أوضاع التغذية، إلا أنها لا تكفي وحدها لإيقاف التدهور. وخلصت المنظمة إلى أن سوء التغذية الحاد الذي يعاني منه الأطفال دون سن الخامسة لم ينخفض إلا بدرجة طفيفة عن النسبة المسجلة عام 1995 وهي 12%. كما خلصت إلى أن 800 ألف طفل على الأقل دون الخامسة يعانون من سوء التغذية بصورة مزمنة.