محمد أبو رمان

يعتبر مفهوم "التقريب بين المذاهب الإسلامية" من المفاهيم الحديثة نسبيا التي ظهرت في العصور المتأخرة بين المسلمين، وجاء زخمها الرئيسي الأول في مرحلة مواجهة الاستعمار الغربي، حين دفعت المدرسة الإصلاحية المبكّرة باتجاه الحوار والتقارب المذهبي، وأطلق الإصلاحي محمد رشيد رضا عبارته المشهورة عبر مجلته المنار:

"إن السياسة التي كانت سببا في تفريق المسلمين في التاريخ، ستكون عامل تجميعهم وتوحيدهم في الحاضر".

لكن رضا نفسه في تطوره اللاحق، بصبغته السلفية، تخلى عن جوهر دعواه، وعاد إلى صفوف المواقف الدينية والفكرية الكلاسيكية في مهاجمة الآخر (المذهبي والطائفي) واتهامه بعدم الرغبة الحقيقية في "المصالحة الدينية".

سؤال الفشل البادي للعيان في دعوات التقريب بين المذاهب يعيد التساؤل حول العوامل والأسباب التي تحفّز الصراع والتناحر المذهبي أو التي تشكل عقبة في وجه "التقريب بين المذاهب".

وفي هذا السياق تطرح مسألة العامل السياسي، وفيما إذا كانت السلطة السياسية تدفع إلى التقارب المذهبي أم تعزز الصراع والانقسام، ويزداد إلحاح هذا السؤال في اللحظة التاريخية الحالية التي تشهد مرة أخرى صعودا لـ"المسألة الطائفية" في العالم العربي والإسلامي.

خلافات مذهبية بحمولات سياسية
حرب العراق وانفجار المسألة الطائفية
أميركا وتحولات السياسة الطائفية
خاتمة

خلافات مذهبية بحمولات سياسية 

"
احتلال العراق كان إيذانا بتفجّر السؤال الطائفي ليس في العراق وحده، بل في العديد من الدول العربية والإسلامية، وعلى مستوى إقليمي وربما عالمي

"

إذا كانت الخلافات السياسية قد أدت إلى تعدد المدارس الدينية الرئيسية في الخبرة الإسلامية، فإن السلطة السياسية لعبت أيضا على وتر هذه الخلافات وحاولت بصورة دائمة توظيفها في سياق منح مشروعية للسلطة أو نزع مشروعية عن الخصوم السياسيين لها.
 
لم يكن، إذن، في التاريخ الإسلامي سؤال التقريب بين المذاهب الإسلامية مطروحا في المجال السياسي، بل كانت العلاقة تتسم بالصراع والأزمة المستمرة أو المكبوتة، وكان التيار الأكبر من الفقهاء وعلماء الشريعة منخرطين في هذا الصراع ومقارعة الطرف الآخر، خاصة بين قبيلتي الإسلام السياسي؛ السنة والشيعة.

ولعل هذه التركة الثقيلة قد ألقت بحمولتها كاملة في الواقع الإسلامي المعاصر معززة بدور فاعل السلطة السياسية في تسعير هذه الخلافات وتجذيرها، وتكريس صورة نمطية متبادلة تختزن حالة الاحتراب المذهبي والسياسي والتوتر على مدار التاريخ، ما دعا المفكر العربي الراحل حامد ربيع إلى التأكيد أن أحد أبرز العيوب أو المآخذ على الخبرة السياسية الإسلامية أنها عجزت عن بناء حالة من السلم الأهلي بين المذاهب والفرق المختلفة.
 
علمانية وكمون طائفي
إلا أن تحولا سياسيا بنيويا حدث في القرن العشرين في العالم العربي والإسلامي تمثل في بروز الأيديولوجيات السياسية العلمانية، التي تبنتها أغلب الأنظمة العربية "العلمانية" في مرحلة ما بعد الاستعمار.

تلك المرحلة التاريخية "العلمانية" في العالم العربي أدت إلى حالة من الكمون في المسألة الطائفية، بصورة عامة، في أغلب الدول العربية، وإن كانت بعض الدول والحكومات قد انتصرت لمذهب معين على آخر وبتفاوت، كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي ورثت بعد ثورة عام 1979 الدور السياسي للدولة الصفوية في بناء وتشكيل حاضنة سياسية للشيعة، بينما احتضنت السعودية المدرسة السلفية.

حرب العراق وانفجار المسألة الطائفية

لقد مرت عقود طويلة على الشعوب والمجتمعات العربية والمسلمة حيث غاب عنها "السؤال الطائفي"، الذي لم يكن مطروحا إلا في سياقات جزئية محدودة مرتبطة بمطالب سياسية ودينية معينة داخل الدول التي تشهد التعددية الطائفية بصورة واضحة، كما هو الحال بالنسبة للشيعة في السعودية والعراق (النظام السابق) والسنة في إيران.

إلا أن احتلال العراق كان إيذانا بتفجر السؤال الطائفي مرة أخرى ليس في العراق وحده، بل في العديد من الدول العربية والإسلامية، على مستوى إقليمي وربما عالمي، وهو ما عبّر عنه "والي نصر"* بصورة واضحة وجلية في كتابه الذي حمل عنوان "صعود الشيعة" مما لا يخلو من دلالة كبيرة ومهمة في طبيعة التحولات السياسية والثقافية التي تجري في العالم العربي والإسلامي في الفترة الأخيرة، وأبرز ما فيها عودة المسألة الطائفية بقوة في مجال التداول السياسي والإعلامي.

عودة المسألة الطائفية اليوم تجد صداها في المجال السياسي بقوة، وربما تقدّم كلٌ من إيران والسعودية نموذجا واضحا في هذا المجال في ضوء الاتهامات التي تكال لهما.

إيران وسياسة التقريب
فإيران التي تتبنى رسميا المذهب الاثني عشري، تمتاز سياستها تجاه "المسألة الطائفية" بحسب المنتقدين لها بالازدواجية بين التعامل مع الداخل والخارج.

والصورة التي يرسمها المنتقدون هي بالشكل الآتي:

أنه في الداخل الإيراني تتشكل حركات سنية معارضة تشكو من سياسات التمييز القائمة على أسس طائفية، وأن الحكومة الإيرانية تستخدم "الورقة الشيعية" إقليميا في تحقيق أهدافها ومصالحها القومية.

ودليلهم في ذلك أن الأحزاب الشيعية في العراق تحظى من إيران بدعم هائل سياسيا وماليا ولوجستيا، في مقابل "هيمنة النفوذ الإيراني على قرار هذه الحركات، ووضع العراق في سياق حسابات إيران الإستراتيجية" في التعامل مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الأخرى.
 
وهذه الصورة بحسب تحليلهم تشمل دولا أخرى حيث إن "المؤسسات السياسية أو الدينية في إيران تقدم دعما ماليا ودينيا لقوى شيعية في العديد من الدول العربية والإسلامية، في حين تتعامل هذه القوى مع إيران بصفتها حاضنة قم، ومركز التشيع في العالم اليوم".
 
بالمقابل لا تجد الحكومة الإيرانية من مصلحتها الإستراتيجية في المنطقة العربية إثارة المسألة الطائفية وتأليب الشعوب العربية ضد الشيعة مما يضعف أي نفوذ إيراني في المنطقة، خاصة أن الشيعة العرب هم بمثابة أقلية في المحيط العربي العام.

"
أطلقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 العنان لاتجاه داخل المدرسة الاستشراقية الجديدة إلى التفكير بإعادة بناء سياسات الولايات المتحدة والانتقال إلى التحالف مع الشيعة في مواجهة السنة

"

هنا تبدو المفارقة برأي هؤلاء بادية للعيان، "إذ بينما توظف إيران الورقة الشيعية لخدمة مصالحها القومية فإنها تخشى بالوقت ذاته وبصورة كبيرة إثارة المسألة الطائفية التي تؤدي إلى تحديد وإضعاف نفوذها في المنطقة العربية، لذلك تلجأ إيران إلى الحديث عن "التقريب بين المذاهب" وإطلاق أو دعم مؤسسات التقريب للحد من الدعاية المضادة لإيران وصورتها الطائفية في المنطقة العربية".

وبمقابل هذه الصورة ترى أطراف أخرى أنه لا يمكن تجاهل الدور الحيوي والمتميز الذي لعبته إيران في السنوات السابقة للوصول إلى أرضية مشتركة يمكن الوقوف عليها بين السنة والشيعة، وأن السياسة الخارجية الإيرانية اتسمت، بصورة خاصة في مرحلة الرئيس خاتمي، بانفتاح كبير على المحيط العربي ومحاولات رأب الصدع على المستوى الديني والسياسي، وتحييد الورقة الطائفية من اللعبة السياسية، وأنه لا تزال إلى الآن أصوات عدد كبير من القادة في طهران تدعو إلى التفاهم والحوار بين المذاهب الإسلامية.
 
السعودية والحوار
على الطرف الآخر يرى آخرون في السعودية نموذجا معادلا للنموذج الإيراني في تناقضه إزاء التعامل مع مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية.

فالسعودية وإن لم تتبن رسميا مذهبا دينيا، فإنها قامت على أساس تحالف تاريخي وسياسي بين حكامها والدعوة الوهابية (السلفية)، ولا تزال على هذا الأساس تحتضن الدولة الدعوة الوهابية وتخصها بمؤسسات دينية دون غيرها.
 
ويرى المنتقدون أن هذه السياسة صنعت مناخا من العزلة والانكماش على الذات لدى المجتمع الشيعي في المنطقة الشرقية، في العقود السابقة، بسبب موقف الحالة الوهابية المتشدد من الشيعة.

وبالنسبة لسياسة الانفتاح على "الشيعة" التي بادر إليها العاهل السعودي عبد الله عندما كان وليا للعهد، يرى فيها هؤلاء خطوة لم تكتمل، لأنها أتت بحسب تحليلهم في ظروف احتلال العراق وبروز القوى الشيعية هناك، وفي سياق الهاجس الكبير للسعودية من التواصل الجغرافي الممكن بين شيعة جنوب العراق وشيعة شرق السعودية ومن وجود تحول في العامل الدولي تجاه الشيعة بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001. فكانت الخطوة بهذا في إطار سعى النظام السعودي إلى تخفيف الاحتقان الداخلي وترطيب العلاقات مع الشيعة.
 
وتبدو المفارقة وفقا لهؤلاء أن الحكومة السعودية في الوقت الذي تشجع فيه الحوار مع النخب الشيعية في الداخل، تقوم في الخارج بصورة غير مباشرة "بدعم القوى السنية في سياق حالة الاستقطاب الإقليمي والهاجس السني من صعود القوة الإقليمية الإيرانية".

أما النظرة المتفائلة للانفتاح الرسمي السعودي على الشيعة في الداخل فيرى أصحابها أنها تحمل دلالات إستراتيجية يمكن البناء عليها؛ في مقدمتها أن السلطة السياسية تتحلل من الالتزام بالخط الديني المتشدد وتقترب من حلول وطنية حقيقية، ومن طرح المدرسة الإصلاحية التي شاركت في الملتقيات والحوارات مع الشيعة.

وهو ما انعكس بدوره على تطوير وتوطين أكبر في خطاب الشيعة السعوديين، ما يظهر بوضوح في كتاب "المذهب والوطن" لأحد أبرز المفكرين الشيعة في السعودية حسن الصفّار.

وإذا ما اعتمدت الحكومة السعودية خط الانفتاح والحوار السياسي مع الشيعة، ليس فقط في الداخل إنما في الخارج على صعيد عربي وإسلامي عام، على قاعدة الوحدة الإسلامية العامة والالتزام الوطني والسياسي وعلى مبدأ "التقريب بين مذاهب المسلمين"، فإن ذلك يمكن أن يشكل تحولا نوعيا في روافد الخطاب الإسلامي، وتقوم السعودية بدور واضح في هذا المجال.

أميركا وتحولات السياسة الطائفية

وبعيدا عن النموذجين السعودي الإيراني وعن صحة أو عدم صحة ما قيل فيهما أو في أحدهما، فإن أي اعتماد من أي دولة عربية أو إسلامية لسياسة توظيف الصراع المذهبي في الصراعات السياسية يشكل عائقا أمام مسألة التقريب المذهبي.

لكن هذا لا يقف عند حدود النظم والحكومات العربية والإسلامية فقط، إذ تلعب السياسة الدولية وبوضوح دورا كبيرا في تعزيز الخلافات المذهبية والطائفية.

"
الخلافات الطائفية في العالم العربي والإسلامي تستند إلى روافع سياسية في كثير من الأحيان، إذ تلعب "السياسة" دورا مهما وحيويا في تعميق أزمة الحوار بين المذاهب الإسلامية

"

وتجاوزا لمرحلة الاستعمار وسياساته فإن السنوات الأخيرة شهدت عودة إلى منطق السياسات الطائفية في اللعبة الدولية.

فقد أطلقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 العنان لاتجاه داخل المدرسة الاستشراقية الجديدة دفع تحت وطأة التفجيرات ودور الشباب السعودي (السلفي فيها) إلى التفكير بإعادة بناء سياسات الولايات المتحدة والانتقال إلى التحالف مع الشيعة في مواجهة السنة، في سياق منطق تنظيري وتبريري استند إلى فرضيات عديدة.
 
ووجد التحول نحو الشيعة صداه الأوّلي في حرب العراق عام 2003، إذ بدأت آلة الإعلام والسياسة في الولايات المتحدة تتحدّث عن "الأكثرية الشيعية المضطهدة" في العراق وضرورة إنصافهم، وبرز التحول في السياسة الأميركية في العديد من المحافل الأكاديمية والفكرية، وبدا الأمر كما لو أن انقلابا تاريخيا في السياسة الأميركية قد حدث.

هذا التحول لم يدم طويلا إذ سرعان ما أدت الظروف الإقليمية -صعود إيران الإقليمي ودورها في العراق والأداء الكبير لحزب الله في لبنان أثناء العدوان الإسرائيلي عام 2006- في السياسة الأميركية إلى إعادة ترميم وتجديد العلاقة مع النظم السياسية والسنية العربية، التي اتُهمت سابقا –بعد سبتمبر/أيلول 2001- من قبل النخب الأميركية بتصدير الإرهاب وبالفشل والفساد.
 
فالسياسة الأميركية الجديدة (كما كشف الصحافي الأميركي الشهير سيمور هيرش في تحقيق مطوّل في مجلة نيويوركر 2\2007) تجعل من "الحرب الطائفية" حجر الرحى في المنطقة.

وهي الملاحظة التي يؤكدها الخبير والسياسي الأميركي المعروف مارتن أنديك من أن الشرق الأوسط قادم على "حرب طائفية باردة عميقة".

لكن المفارقة -التي يتحدث عنها أنديك- أن الرئيس بوش ينظِّر إلى أن التحالفات في المنطقة مبنية على الصراع بين "المعتدلين" و"المتطرفين"، إلا أن حلفاء وأصدقاء أميركا العرب ينظرون إليها على أنها حرب بين السنة والشيعة.

خاتمة

ومن الواضح أن الخلافات الطائفية في العالم العربي والإسلامي تستند إلى روافع سياسية في كثير من الأحيان، بحيث يتم توظيفها في سياقات محلية وإقليمية ودولية، إذ تلعب "السياسة" دورا مهما وحيويا في تعميق أزمة الحوار بين المذاهب الإسلامية والحيلولة دون بناء تيار إسلامي عام يقدم "الوحدة الإسلامية" على الخلافات المذهبية.

في المقابل، يمكن أن تؤدي السياسة دورا بنيويا مختلفا تماما في تخفيف حدة الاحتقان المذهبي والطائفي والدفع بالمذاهب وعلمائها إلى التصالح والتفاهم وتصفية الحساب مع قرون غلب فيها الصراع الداخلي والتمزق الديني على عوامل الوحدة الدينية والسياسية.

ولعل هذا ما يطرح ليس فقط دور السلطة السياسية إنما دور أهل الرأي والفكر داخل هذه المذاهب ليقدموا خطابا إسلاميا عاما يمنح الأولوية والأهمية للجوامع الدينية والوطنية والقواسم السياسية المشتركة في مواجهة دعوات الانغلاق والتكفير والتوظيف السياسي المشوّه للخلافات الدينية والمذهبية.
_______________
كاتب أردني

*والي نصر: إيراني الأصل وأستاذ مادة الإعلام وسياسات آسيا في كلية الدراسات البحرية الأميركية العليا، يقول في كتابه "صعود الشيعة" -أو "انبعاث الشيعة" كما ترجمه البعض- إن الحرب على العراق(حرية العراق) مهدت لتشكيل "شرق أوسط جديد"، وإن الذي سيحدد شكل هذا الشرق ليس النموذج الديمقراطي الذي أرادت أميركا استحداثه في المنطقة، ولكن العلاقة التاريخية بين الطائفتين الرئيسيتين في الإسلام السُّنة والشيعة.

شارك برأيك