بقلم الشيخ راشد الغنوشي*

1- ضرورة السلطة ومدنيتها في الإسلام

2- مصدر الشرعية في الدولة الإسلامية

3- ما هي ضمانات عدم الجور ومقاومته عند حصوله في نظام حكم إسلامي؟

إذا كان الإنسان اجتماعيا بطبعه كما هي عبارة الأقدمين بسبب عجزه فردا عن توفير حاجاته الضرورية من الغذاء والحماية، فضلا عن ضرورات ترقية هذا الوجود ماديا ومعنويا إنتاجا للحضارة مما ليس يتصور خارج الحياة الاجتماعية.

وإذا كان يجاور ويزاحم ويضاد هذا الميل للاجتماع ميول للإشباع الغريزي النهم ولو من طريق العدوان على الآخر، لا سيما عدوان القوي على الضعيف مما يجعل قانون الغاب هو قاعدة التعامل بين بني الإنسان، وهو مؤذن بخراب العمران.


تحتم على الناس أن يعيشوا جماعات، واقتضى عيشهم المجتمعي من أجل أن يستمر ويزدهر وجود أعراف وقوانين وقيم توضح وتحدد ما هو عدل وما هو ظلم

إذا كان ذلك كذلك تحتم على الناس أن يعيشوا جماعات، واقتضى عيشهم المجتمعي من أجل أن يستمر ويزدهر وجود أعراف وقوانين وقيم توضح وتحدد ما هو عدل وما هو ظلم، ما هو حق وما هو باطل، ما هو خير وما هو شر. وهذا على أهميته لا يكفي ما لم توجد سلطة يحتكمون إليها في فض ما ينجم بينهم من نزاعات، فتحجز الظالم وتقتص منه بقدر إساءته وتنتصف للمظلوم بقدر ما ناله من ظلم وفق معايير عادلة، وهو ما ينبغي أن يكون، حتى إذا لم يكن وتخلف الواقع عن بلوغ هذا المقصد كاملا، يظل العدل هو غاية القانون وأساسه، وتظل شرعية السلطة تتحدد بقدر ما تحقق من المقصد الأصلي لاجتماع الناس، وفي كل الأحوال لا بد للناس من سلطة برة أو فاجرة كما هو مروي عن الإمام علي. فما طبيعة السلطة في الإسلام؟ ما مصدر شرعيتها؟ ما ضمانات عدم جورها؟.

1- ضرورة السلطة ومدنيتها في الإسلام

أ- تكاد مذاهب الإسلاميين لا تختلف في أن إقامة سلطة في الجماعة (نصب الإمام) واجب ديني لإقامة الشريعة وضرورة اجتماعية إنسانية لا بديل عنها في توفير شروط بقاء الجماعة، من مثل وزع القوي عن الضعيف وإقامة الحدود وحماية الثغور (1) ولم يشذ في القديم غير فرقة من الخوارج ذهبت إلى نفي الضرورة الدينية لإقامة الحكم وانصب اهتمامها على وظيفته الاجتماعية ألا وهي إقامة العدل فإذا تيسر للناس إقامته من دون سلطة لم تكن لهم بها حاجة. ورغم شذوذ هذا الرأي إلا أنه مهم جدا من حيث التأكيد على الطبيعة الوظيفية المدنية للدولة في الإسلام المتمحورة حول إقامة العدل، بما يجعل شرعية وجودها تقاس بقدر ما تقيم من العدل، وهو ما يجردها من كل مزاعم دينية أو حتمية لمكانتها، فهي مجرد ضرورة لسد ثغرة تضيق وتتسع حسب حال الجماعة صلاحا، فبقدر ما يزداد الناس صلاحا واستقامة بقدر ما تقل وتتضاءل الحاجة للدولة والعكس بالعكس. ومعلوم أن الخير هو الأصل في الطبيعة البشرية. وإنما جاءت النبوات لتعزيز هذا الأصل في مواجهة اندفاعات الغرائز وتحريضات شياطين الجن والإنس.

إن تعويل الإسلام في صلاح الناس على طبائعهم الخيرة وما تتلقاه ضمائرهم من مدد رباني وتعزيز تربوي بما يجعل الخير يصدر تلقائيا من داخلهم فيكون الوازع لفعل الخير والامتناع عن الشر من داخلهم، من دون حاجة إلى الوازع الخارجي أي السلطة، إنه بقدر ما تنجز التربية وظيفتها بنجاح بقدر ما تقل الحاجة للدولة، غير أن النقص يظل ملازما لطبائع الناس مهما بلغوا من السمو بما يفرض قدرا من الدولة لإقامة العدل، وحتى في هذه الحالة فهي مجرد وظيفة خادمة للجماعة وأداة من أدواتها لإقامة العدل تحت رقابة الجماعة.

أما في العصر الحديث فإنه بأثر الغزو الغربي لديار المسلمين وما زرعه من فكر وقيم وأساليب تنظيم حضاري فقد اختلف الأمر، إذ طلعت على المسلمين دعوات في مجال علاقة الدين بالسياسة تروج بينهم لمذهب الفصل بين المجالين تأسيسا على أن النبي عليه السلام، بزعمهم، لم يكن سوى مبلغ عن الله وكذلك سائر إخوانه النبيين وأن ما قام من أوضاع سياسية بعد ذلك لم يكن لها شأن بالدين وإنما اقتضتها ظروف البيئة وطبائع الملك (2).


تكاد مذاهب الإسلاميين لا تختلف في أن إقامة سلطة في الجماعة (نصب الإمام) واجب ديني لإقامة الشريعة وضرورة اجتماعية إنسانية لا بديل عنها في توفير شروط بقاء الجماعة
وقد مثل كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق المشجب الذي تعلق به العلمانيون تعلق الغريق بقشة، ليعلقوا عليه دعاواهم العلمانية وقد شهد لها شيخ، ولم تردهم عنها الحملات التي شنها فطاحل العلم الإسلامي المعاصر في سائر أرجاء دار الإسلام (3). وحتى لما تراجع الشيخ عبد الرازق عن دعواه وتاب منها لم يوهن ذلك شيئا من تشبث العلمانيين بالمذهب الأول للشيخ معرضين عن كل مراجعة لموقفهم حتى بعد أن امتلأ عالم الإسلام بحركات إسلامية قامت على أساس فكرة شمول الإسلام لقضايا الدنيا والدين بل قامت على نفس الأساس دول مثل الجمهورية الإسلامية في إيران والسودان وأفغانستان بصرف النظر عن مدى توفيقها في تجسيد مثل الإسلام في العدل والشورى. كما قامت على أساس الشريعة مؤسسات اقتصادية عملاقة كالبنك الإسلامي وفنون وآداب وأزياء ومنظمات ومراكز وحركات جهادية وثقافية وسياسية ومشاركات فاعلة في كل المناشط الاجتماعية. وبذلك عاد الإسلام بقوّة طرفا فاعلا في السياسات المحلية والدولية رغم اختلال ميزان القوة الدولي ضده، وذلك مقابل انزواء الفكرة العلمانية وتواتر وتفاقم أوضاع فشلها، بما فاقم من تعويلها في البقاء على جهاز الدولة القمعي وعلى الظهير الخارجي، بينما يتصاعد تأثير حركات الإسلام على الأفراد ومؤسسات المجتمع. والثابت أن فكرة الإسلام الإصلاحية الشمولية هي أسرع وأشد الأفكار نموا اليوم إن داخل بلاد الإسلام أو خارجها، بما يشهد على فشل ذريع لرهان ومخططات استبعاد الإسلام وتهميشه أو علمنته.

ب- غير أنه مقابل الطرح العلماني لعلاقة الدين بالدولة المتأثر بالنمط الغربي ولا سيما في صورته الفرنسية والشيوعية المتطرفة، نجد الطرح الشيعي التقليدي للمسألة الذي يصر على اعتبار الإمامة جزءا من العقيدة وأن الإمام منصب ديني بحت نص عليه الشارع كما نص على الصلاة والصيام، إذ نص بزعمهم على قائمة اسمية لمن يجب أن يتولاها نيابة عن الرسول عليه السلام فليس يسع المؤمن إلا أن يسلم تسليما بإمامة تلك القائمة من نسل النبي من ولد علي وفاطمة عليه وعليهم جميعا السلام، وذلك رغم أن دعاة الإمامة الوراثية قد اختلفوا في ترتيب وتسلسل قائمة الوارثين كما اختلفوا في الحكم على من تولى الخلافة قبل علي رضي الله عنه وعنهم جميعا، هل هم أئمة شرعيون كما هي عقيدة جمهور المسلمين أم هم لصوص سطوا على إرث النبوة وخانوا معلمهم بمجرد وفاته بينما هو قد شهد لهم بل شهد لهم الكتاب العزيز بالصحبة والقرب والرضوان، وهو أمر خطير يفرض التمزق في ضمير المسلم إذ يفرض عليه أن يحكم بضلال أكثر من 90% من بين أفضل أجيال الأمة، حتى الذي شرفه رب العزة بالذكر وخصه ورسوله بالمعية "ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" (التوبة).

وقد يجمح بإخواننا العشق لآل البيت وهم جديرون بالولاء والحب، ولكنهم يتجاوزون إلى النطق بعبارات تتجاوز الحدود الجائزة، من مثل العبارة الواردة على لسان الإمام الخميني غفر الله له "إن أئمتنا قد بلغوا من القرب مبلغا لم يصله نبي مرسل ولا ملك مقرب" (4)، وذلك رغم أن الإمام الخميني يعتبر من أعظم المجددين في الفكر السياسي الشيعي الحديث من خلال بعثه الحياة والروح العملية العصرية في مفهوم "ولاية الفقيه" الذي كان قد ذكره بعض فقهاء الشيعة القدامى إلا أنه ظل مهملا على هامش عقيدة الغيبة والرجعة للمهدي المنتظر التي جعلت طائفة إسلامية معتبرة في حالة عطالة انتظارا لعودة الغائب.

تعتبر فكرة ولاية الفقيه كما نقلها إلى العصر في صيغة دولة حديثة الإمام الخميني الفكرة المركزية في الثورة التي قادها وأطاحت بأعتى دكتاتورية في المنطقة، وخلاصتها أنه في مرحلة غياب الإمام المنتظر ما ينبغي أن تعطّل أحكام الإسلام وتضيع مصالح المسلمين بل يجب على الفقهاء أن ينهضوا بهذه المهمة فيختاروا واحدا منهم وليا للمسلمين ونائبا للإمام في انتظار قدومه فينهض حتى يومئذ بكل وظائفه ويتمتع بكل صلاحياته تقريبا. والفكرة هي من الغنى أنها تكاد تلخص ككل الأفكار المهمة في التاريخ الجانب الأعظم مما حققت الثورة ودولتها وشعبها من نجاحات وهي كثيرة وما اصطد مت به ولاتزال من عقبات، لدرجة أن الاختلاف حول مضمونها لا يزال المحور الأساسي للصراع في الجمهورية الإسلامية بين داع إلى سلطة مطلقة للولي الفقيه تجعل سلطانه فوق القانون وكل مؤسسات الدولة -وفي الدستور الذي صيغ على مقاس الإمام الراحل ما يدعم هذا التأويل- وداع إلى اعتبار سلطة الولي الفقيه سلطة رمزية تمارس صلاحياتها في ظل سلطة القانون والمؤسسات.


يقابل الطرح العلماني لعلاقة الدين بالدولة المتأثر بالنمط الغربي ولا سيما في صورته الفرنسية والشيوعية المتطرفة، نجد الطرح الشيعي التقليدي للمسألة الذي يصر على اعتبار الإمامة جزءا من العقيدة وأن الإمام منصب ديني بحت نص عليه الشارع كما نص على الصلاة والصيام
وواضح أن اتجاه الرأي العام في الجمهورية الإسلامية يتطور بسرعة صوب دولة إسلامية ديمقراطية تستمد سلطانها بالكامل من الشعب وتعمل كلها في إطار القانون ومرجعية الإسلام العليا، وتشهد على ذلك النسب العالية المتصاعدة التي فاز بها السيد خاتمي رافع لواء الدولة الإسلامية الديمقراطية والمجتمع المدني وحوار الحضارات والدور الفاعل للشباب والنساء والأقليات وتأكيد سلطان الأمة بما يؤسس لتقارب حقيقي بين الشيعة والسنة والعصر على قاعدة الشورى والديمقراطية.

ج- يقف جمهور الإسلاميين في مكانة الدولة في الإسلام موقفا وسطا بين المعطلة النفاة من العلمانيين الذين عملوا ولايزالون على إفراغ الإسلام من محتواه الاجتماعي السياسي ونقله من العام إلى الخاص لحبسه في هذا الأخير تمهيدا لتهميشه فالإجهاز عليه انطلاقا من إهدار مبدأه الأعظم في التوحيد بين المادي والروحي وبين السياسة والأخلاق وبين الدنيا والدين، وهو أعظم مبادئه وخصوصياته... وسطا بين هؤلاء المعطلة النفاة والرؤى الثيوقراطية الشيعية التقليدية والصوفية التي لم تسلم منها بعض التصورات السنية التي رسختها أنظمة الجور والاستبداد ونظر لها بعض فقهاء السلطة والتي تجعل سلطان الحاكم فوق سلطان الأمة ما دام منسجما مع الوجهة العامة للشريعة كما يقدرها. وفي هذا الصدد تؤثر عبارات عن بعض خلفاء بني أمية وبني العباس (5).

أما موقف الوسطية الذي عليه جمهور الإسلاميين فيتمثل في اعتبار السلطة ضرورة اجتماعية وأداة من أدوات الأمة في إقامة عدل الإسلام. أنها مجرد أداة اجتماعية توظفها الأمة لحراسة الدين والدنيا وأن القائمين بها ليسوا سوى خدام عند الأمة، إذ هي المخاطب الحقيقي بإقامة الشريعة، بما يجعل شرعيتهم موقوفة على إنفاذهم للشريعة والتوافق مع توجيهاتها كما يرتضيها جمهور المسلمين كما أنها موقوفة على مدى احترامهم لإرادة الأمة المعبر عنها تعبيرا حرا ومنظما "الشورى" أو الديمقراطية بالمصطلح الحديث، فهي بهذا الاعتبار مجرد سلطة مدنية من كل وجه لا تختلف عن الديمقراطيات المعاصرة إلا من حيث علوية المبدأ الخلقي في إقامة العدل وفق ما جاءت به الشريعة أو وفق ما لا يخالفها (6). وهو ما أسست له مدرسة الإصلاح كما جاء بيّنا في فكر كل رموزها مثل الأفغاني وعبده ورشيد رضا وحسن البنا وحسن الترابي والمرجع الشيعي المعتبر المرحوم آية الله محمد مهدي شمس الدين (7)

إن الدولة الإسلامية وسيلة لا غنى عنها ما دام الإنسان اجتماعيا بطبعه وما دام الإسلام نظاما شاملا للحياة من أجل إنتاج بيئة اجتماعية تتيح لأكبر عدد ممكن من أفرادها وجماعاتها أن يعيشوا روحيا وماديا في توافق فطري مع القانون الذي جاء به الإسلام. إن الدولة الإسلامية ليست سوى أداة من أدوات أمة وقفت نفسها على خدمة رسالة الإسلام وعدله تحق الحق وتبطل الباطل في الأرض كلها حتى تكون عبادة الله والتقرب إليه بالطاعات وفعل الخيرات أمورا مرغوبا فيها ميسورة مجزية، وتكون محادته بالكفران وانتهاك الحرمات وإشاعة الشرور واقتراف المظالم أمورا بغيضة عسيرة منكرة، في المستوى الاجتماعي على الأقل.

إن تصور إتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من البشر للتعرف على مثل الإسلام والعيش وفقها عدلا وإحسانا وتقوى وتعاونا على الخير، من دون قيام سلطة إسلامية تذب عن دار الإسلام وتحمي ثغورها وتدافع عن حرية التدين بعيدا عن كل أساليب الإكراه "حتى لا تكون فتنة" (الأنفال) هو محض خيال خادع وانحراف شنيع وسقوط في الإثم والضلال وهو من جهة أخرى استسلام لأعداء الإسلام وإيكاله لمصيره (8).


دولة الإسلام هي دولة الناس الذين يجتهدون فيصيبون ويخطئون عبر الشورى المتخصصة والشورى العامة التي تجعل الحاكم مجرد خادم للشعب ووكيل عنه ويعمل تحت رقابته

وفي كل الأحوال فإن دولة الإسلام هي دولة الناس الذين يجتهدون فيصيبون ويخطئون عبر الشورى المتخصصة والشورى العامة التي تجعل الحاكم مجرد خادم للشعب ووكيل عنه ويعمل تحت رقابته في إنفاذ حكم الله حكم الشعب، فهي حكومة مدنية من كل وجه طريقها الاختيار الشعبي الحر كما سيأتي، يحكمها قانون يتساوى أمامه كل مواطني الدولة بصرف النظر عن جنسهم واعتقادهم. لا تختلف آليات سيرها عن الديمقراطيات المعاصرة إلا بمرجعيتها الخلقية العلوية مرجعية الشريعة. وما من دولة ديمقراطية أو غير ديمقراطية إلا وتتوفر في أساسها على فلسفات وقيم تمثل الموجهات الكبرى لسياساتها بصرف النظر عن مأتاها أرضيا كان أم سماويا صريحا كان أم متضمنا من مثل مبادئ حقوق الإنسان أو مبادئ القانون الطبيعي.

2- مصدر الشرعية في الدولة الإسلامية

إن الشرعية من أهم المفاهيم التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية الحديثة تمييزا لها من الدول القديمة. والمقصود بالشرعية خضوع كل تصرفات الدولة لقواعد قانونية يستطيع المواطنون المطالبة باحترامها أمام قضاء مستقل وأن يكون صدور ذلك القانون وفق إجراءات متبعة وأن تمتنع الدولة عن إتيان أي فعل لا ينسجم مع نظامها القانوني السائد وأن تلتزم باحترام القيم الأساسية والأهداف العليا للمجتمع بما يؤدي إلى القبول الطوعي من قبل الشعب بقوانينها وسياساتها وبعدالتها وملاءمة مؤسساتها لحاجيات المجتمع وقيمه (9).

فما الذي يضفي الشرعية على الحاكم في الدولة الإسلامية بما يجعل حكمه مقبولا من طرف شعبه؟.

إن شرعية الحكم في دولة إسلامية تستمد من مصدرين:

الأول: يتعلق بالمرجعية القانونية القيمية العليا التي تستند إليها كل سياسات الدولة في سائر المجالات، وهي هنا ما ينبغي أن تخرج أو تتصادم بحال مع مبادئ الإسلام وقيمه العليا، الأمر الذي يجعل من تلك السياسات والتصرفات عبارة عن تطبيقات مباشرة لنصوص الشريعة أو اجتهادات مستندة إليها ومستمدة منها عبر أصل من أصول الاجتهاد، بما يجعل أي مصادمة لنصوص الشريعة ومقاصدها تمثل طعنا موجعا في شرعية تلك الدولة من حيث انتسابها للإسلام. ونصوص الشرع الآمرة جزما برد جميع الأمور إلى الشرع والاحتكام متواترة وقاطعة. قال تعالى "فاحكم بينهم بما أنزل الله" (المائدة) "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" (النساء) وهو ما يجعل مخالفة تلك الأصول خروجا عن الملة وتفويتا في الشرعية وتشريعا للتمرد على سلطان الدولة. قال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (المائدة). وفي الحديث: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" "وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (رواه مسلم) وهو ما يجعل النص كتابا وسنة السلطة المؤسسة للدولة الإسلامية (10) والحاكم الأعلى وكل ما سواه محكوم به وتابع له، وهو أيضا ما يجعل الدولة الإسلامية دولة قانون ويفرض على كل مسالكها أن تكون منضبطة بالقانون ويفقد أوامرها المخالفة للقانون كل شرعية. بل إن الدولة تفقد شرعية الطاعة بقدر ما تتنكب عن القانون أي الشريعة، وهو ما يسفه كل اتهام للدولة الإسلامية بأنها دولة استبدادية مطلقة، رغم أنها كثيرا ما كانت كذلك لأسباب لا تعود للإسلام بقدر ما هي عائدة إلى أحوال العصر وأحوال المسلمين، وهو ما يفسر استمرار الثورات الدامية في تاريخ الإسلام نقمة على الاستبداد وانجذابا صوب مُثل الإسلام العليا في الحكم خلال حكم النبي وخلفائه الراشدين.


الشورى في الإسلام هي الأصل الأعظم بعد النص الذي تقوم به شرعية الحكم ومدى استحقاقه للطاعة
الثاني: الشورى، والأمر بالشورى ذاته نص أمر صريح يؤسس لحق الأمة المستخلفة من الله المخاطبة من قبله مباشرة بإقامة شريعته وتهيئة الوسائل الضرورية للوفاء بهذا التكليف الواجب. ومنها إقامة الحكومة الإسلامية، بما يجعل الحاكم المسلم نائبا عن الأمة في إقامة الشريعة وإنفاذها وفق العقد الذي بينه وبين الأمة: ألا يخرج في كل تصرفاته عن الشريعة وألا يستبد بالأمر دونها بل يلتزم عمليا بمشورتها والاستماع لنصحها وتوجيهها، فباعتبارها المصدر الوحيد لسلطته هي التي تقيمه وهي التي لها أن تصرفه من الخدمة متى شاءت، وهو مجرد وكيل عنها في أداء ما هي مخاطبة ومكلفة بأدائه من إنفاذ عدل الله وفق شريعته.

إن الشورى في الإسلام الأصل الأعظم بعد النص الذي تقوم به شرعية الحكم ومدى استحقاقه للطاعة. وهذا الأصل هو أعظم من أن يستدل عليه بنص أو نصين قد يختلف في تأويلهما ومدى إلزاميتهما للحاكم، على اعتبار أنها ليست حكما فرعيا وإنما هي أصل من أصول الدين ومقتضى من مقتضيات الاستخلاف أي أيلولة السلطة الربانية إلى العباد (11). إن الشورى هي العمود الفقري في الحكم الإسلامي باعتبارها رمزا لسلطة الأمة ونهوضها بأمانة الاستخلاف عن الله عز وجل على أساس التعاون على الخير والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والمشاركة الفردية والجماعية في أداء الأمانة في مستوى التشريع والتنفيذ. وهو ما يقتضي توفير الآليات الضرورية الكفيلة بنقل هذا الأصل العظيم من المستوى النظري أو الفردي الذي قد لا يتجاوز مستوى موعظة يلقيها عالم جريء يجابه بها طاغية معرضا نفسه لبطشه وقد يتحمل الطاغية وطأة ألمها للحظات ثم ينتهي الأمر لتمضي الأمور على معتادها، نقله من هذا المستوى الفردي الجزئي إلى مستوى نظام للحكم يستمد كل سلطاته من الشعب فتدار كل شؤونه الجماعية والفردية وفق ترتيبات وآليات تجعل أمور الأمة بيد الأمة وهو مقتضى "وأمرهم شورى بينهم" (الشورى) "وشاورهم في الأمر" (آل عمران). ولأن الإسلام دين لكل العصور ولكل البشر فقد اكتفى بما من شأنه التطور بتأسيس القواعد العامة كما هو حاصل في مسألة شؤون الحكم حيث اكتفى بالأمر بالشورى والعدل واحترام رأي الجماعة والتشنيع على حكم الانفراد والاستبداد، تاركا لاجتهاد المسلمين وتجارب الزمن استنباط وتطوير الآليات القمينة بترجمة قاعدة الشورى وسلطان الأمة في نظام سياسي يمنع الاستبداد، وهو ما كان إسهام التجربة الغربية في تطويره معتبرا. والأصل أن كل ما من شأنه العون على تحقيق مقاصد الإسلام في العدل والشورى وغيرها هو من الشريعة وإن لم يرد نص بها في كتاب ولا سنة كما هو متواتر على ألسنة علماء الإسلام (12).

3- ما ضمانات عدم الجور ومقاومته عند حصوله في نظام حكم إسلامي؟

ليست الدولة في التصور الإسلامي سلاحا في يد طبقة لتصفية طبقة أخرى كما هو التصور الماركسي (13) ولا هي أداة لتحقيق مجد شعب أو طبقة أو طائفة على حساب شعوب وأعراق وطوائف أخرى، وإنما هي أداة للتهذيب والتربية والارتقاء وتوفير مناخات الحرية والعدل والتطهر بما يتيح لأكبر قدر من الناس مزيدا من الفرص لمعرفة الله سبحانه وعبادته واكتشاف طاقات الكون وتسخيرها لصالح تعارف وتعاون وتضامن الشعوب وتآخيها وارتقائها.

ولكن ما الذي يضمن ألا تتحول الدولة الإسلامية إلى جهاز للقمع ومطاردة الأحرار والحيف على حقوق الأفراد والشعوب، منحرفة بواجب الطاعة لولي الأمر في المعروف الذي أمر به الشارع المسلم أمرا ملزما يستوجب الخروج عنه الإثم والعقوبة في الدنيا والآخرة، منحرفة به إلى تأله وثيوقراطية وحكم مطلق؟ أوليس ذلك هو ما حدث فتأله الحكام وزعموا أنهم ظل الله في الأرض وأن إرادتهم من إرادة الله والانصياع لها هو ما أمر به الله والخروج عنها تمرد عن إرادته، فساد تاريخ الإسلام الاستبداد وأحكام الجور والتلاعب بالشرائع، فسالت دماء الثائرين والمظلومين أنهارا فكان تاريخ الإسلام تاريخ الاستبداد الأعمى والجور المطلق!! أولا تكون الدعوة لحكم الإسلام مجددا ليست سوى ضرب من عودة عصور الظلمات بدل الدعوة إلى حكم ديمقراطي يرسي قواعده على مبادئ العلمانية وحقوق الإنسان؟.

كلا، إن الأمر ليس بهذا التبسيط بل هو أعقد من ذلك. فلا بد من البيان:


ليس في وسع أحد مهما بلغت درجة تحامله أن يدلل على أن نصوص الإسلام جاءت داعية للاستبداد والظلم وتقييد حريات الإنسان، إذ كلها دعوة لإقامة العدل وحرب على الظلم، حتى اعتبر إقامة العدل في الأرض المقصد الأسنى لبعثة الرسل

أولا: ليس التاريخ المنسوب للمبادئ والعقائد ترجمة أمينة لها وإنما هو خليط يشمل ما هو منها وما ليس منها بل ما يناقضها. وتلك هي طبيعة الإنسان يرنو إلى المبادئ والمثل فيقترب منها إذ يسمو ويشف ويتحرر ولكن دون درجة التماهي معها، ويبتعد عنها إلى حد التناقض البين معها إذ يصاب بالضعف والوهن لا سيما عندما تكون الأحوال المحيطة به لا تدفعه إلى الأعلى بل تخلد به إلى الأرض والركون إلى أهوائه. وليس الإسلام في ذلك شذوذا عن جملة المبادئ التي حكمت أو لا تزال تحكم البشرية مثل مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وما إليها، بما يفرض التمييز بين المبادئ وتاريخها. فليس تاريخ الإسلام ترجمة أمينة لمبادئه في الحكم الداعية بكل جلاء إلى حكم العدل والشورى وإعلاء كرامة الإنسان وسلطان الأمة وقوامتها على حكامها أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، والنصوص في ذلك محكمة متواترة.

ثانيا: واضح أن العهد الإسلامي المثالي كان موجة عابرة في بحر تاريخ الإسلام، إذ هو لا يتجاوز بضعة عقود. ولكنها على قصرها شهادة على أن مثاليات الإسلام ليست طوباويات حالمة وإنما هي مناهج واقعية قابلة للتحقق في واقع مجتمعي بشري مع كل نقائصه، بما يغري بإعادة التجربة والمحاولة. وأنها وإن لم تستمر لأسباب كثيرة منها روح ومواريث الاستبداد والجهالات التي كانت تسود البيئة والعصر يومئذ والتي جرف تيارها الكاسح النموذج الإسلامي فتفاعل معه تأثرا وتأثيرا أخذا وعطاء، فإنها قابلة للإحياء والتجربة والمحاولة مجددا لا سيما في عصر انداحت فيه العلوم والمعارف وقيم وثقافة التحرر والديمقراطية وحقوق الإنسان، على أنقاض قلاع الجور التي تداعت للسقوط وانكشفت سوآتها واشتد النكير عليها وعتا هدير الثورات ضدها، حتى ما بقي في العالم نظام يزعم لنفسه الألوهية كما كانت عموم الأنظمة زمن ظهور الإسلام ونظامه الشورى الشعبي، بما يجعل قابليات الحكم الإسلامي الشوري للتحقق في هذا العصر أوفر مما كانت زمن ظهور الدعوة المحمدية.

ثالثا: ليس الإسلام مسؤولا عما حدث من استبداد في تاريخ المسلمين لأنه ليس في وسع أحد مهما بلغت درجة تحامله أن يدلل على أن نصوصه جاءت داعية للاستبداد والظلم وتقييد حريات الإنسان، إذ كلها دعوة لإقامة العدل وحرب على الظلم، حتى اعتبر إقامة العدل في الأرض المقصد الأسنى لبعثة الرسل. وكان فرعون نموذجا للحاكم المتأله المستبد الذي صب عليه القرآن لعناته مقابل الانتصار لدعوة موسى التحررية، على غرار كل الأنبياء الذين جاءوا حاملين لواء الثورة التحررية الشاملة في مواجهة تحالف المستبدين مع رموز الدين المنحرف.

رابعا: ومع أن حكم الفرد كان السحابة التي غطت معظم تاريخ الإسلام فإن الاستبداد لم يتحول عقيدة للأمة كما كان حال أنظمة العصور الوسيطة الأوروبية بل ظل ينظر إليه على أنه انحراف عن النموذج الإسلامي كما جسدته مرحلة حكم النبوة والخلافة، وانحراف عن منهج الخلافة الراشدة، واجب على الأمة تغييره سواء أكان عبر الوسائل السلمية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم كان عبر الجهاد المسلح، بما جعل أنظمة الجور لا تكاد تعرف الاستقرار، وما ذاك إلا بسبب ما وفق الله إليه علماء الإسلام الأفذاذ الذين كانوا حراس العقيدة والثقافة الإسلامية، فظلت الدولة محجوبة عن التأثير فيهما والعبث بهما لتسويغ مظالمها، وكانت في هذا السياق محنة الإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، بما أبقى على صورة الظلم سافرة من دون براقع من الحق، قابلة للجرح والطعن والنيل منها والتربص للإطاحة بها.

خامسا: لم يكن الاستبداد وصفا مميزا لتاريخ الإسلام بل كان نظام العالم قبل الثورات الحديثة التي خففت من بعض أشكاله مستفيدة من تراث الإسلام الشوري ولكنها استحدثت وطورت منه صورا أشد فداحة بعضها منظور سافر كالاستعمار وبعضها متستر كالسيطرة عبر الاحتكارات الإعلامية والاقتصادية العملاقة. وإنما الحكم العلمي السليم على كل مرحلة من التاريخ لا يكون خارج وضعها في سياقها المعاصر لها. وبهذا المقياس يبدو الاستبداد في تاريخ الإسلام مفهوما وأقل بشاعة من مثيله المعاصر في أي قطر من أقطار الأرض، ومرد ذلك إلى عوامل كثيرة سيأتي ذكرها إن شاء الله. وما يفوتنا أن نلاحظ في هذا الصدد أن تاريخ أمتنا لم يشهد من الاستبداد ما يشهده اليوم في بلاد الإسلام تحت مسميات خادعة مثل دولة القانون وحقوق الإنسان والديمقراطية حيث تحولت الدولة ملكا خاصا مستباحا للحاكم وأسرته، في عزلة شبه كاملة عن الشعب وعقيدته ومصالحه وارتباط كامل بالأجنبي ثقافة ومصالح.

سادسا: لم يعرف تاريخ الإسلام الاستبداد المطلق كما سنرى بل ظل قدر من التعددية قائما في المستوى الثقافي الفكري من حيث تعدد المدارس الاجتهادية أو في مستوى التعددية الدينية فلم يعرف تاريخ الإسلام الحروب الدينية الطاحنة سواء أكان ذلك بين المذاهب الإسلامية أم كان بين المسلمين ومواطنيهم من غير المسلمين "أهل الذمة". ولا تزال حواضر الإسلام التاريخية مثل بغداد ودمشق والقاهرة وما حولها شاهدة على هذا التعدد الفريد في تاريخ الدنيا والتعايش العجيب بين أهل كل الملل حتى الوثني منها في ظل حماية دول الإسلام وفقهائه. أما ما كان حاصلا من صنوف الظلم والاستبداد فلم يكن ضحاياها سوى أهل ملة الإسلام، أما أهل الملل الأخرى فلم يعرفوا الاضطهاد إلا يوم أن سقط حكم الإسلام كما حصل لليهود في الأندلس بعد طرد المسلمين وإبادتهم.

سابعا: يمكن إدراج العوامل التالية أهم الحواجز التي حالت أو تحول دون التردي في الاستبداد أو ديمومته واستقراره عند حصوله:

أ- اعتبار أن مشروعية الحكم الإسلامي إنما تتأسس على تعاقد حقيقي وليس مفترضا أو شكليا بين الحاكم والمحكوم، كما هي نظرية العقد الاجتماعي. وليست البيعة العامة والخاصة إلا رمزا من رموز هذا العقد الذي يلتزم فيه الحاكمون بإقامة العدل بينهم وفق شريعة الله ومراقبة المحكومين ونوابهم، بما يجعل الحاكم ليس سوى وكيل على الناس ينصبونه بإرادتهم الحرة ويراقبونه ويحاسبونه ويصرفونه متى شاؤوا، وإنما طاعة المحكوم للحاكم متوقفة على الالتزام الجاد من قبل هذا الأخير بالوفاء بما تعهد به، ولذلك نص مفسر كبير لآية الشورى أن من لا يستشير واجب عزله (14).


البيعة للحاكم تعبر عن عقد يلتزم فيه الحاكمون بإقامة العدل بينهم وفق شريعة الله ومراقبة المحكومين ونوابهم، بما يجعل الحاكم ليس سوى وكيل على الناس ينصبونه بإرادتهم الحرة ويراقبونه ويحاسبونه ويصرفونه متى شاؤوا
ب- اعتبار أن المشروعية العليا في الدولة والسلطة التي لا تعلوها ولا تجاورها ولا تزاحمها سلطة إنما هي سلطة الله جل جلاله ممثلة في إرادته التي جسدها الوحي كتابا وسنة، وأن الأمة مستخلفة على إقامة شرع الله في الأرض وليس الحاكم سوى أداة من أدواتها في إنفاذ هذه الأمانة، الأمر الذي يضع قيودا على سلطان الدولة التشريعي وجملة سياساتها في الداخل والخارج ولا سيما السياسة المالية والفكرية والتربوية، بينما يعد سلطان الدولة الديمقراطية العلمانية -ناهيك بدولة الباباوات استبدادا- لا سلطان يعلو سلطان مؤسساتها فتغدو الميزان الأعلى للحق والباطل والخير والشر: فالعدل هو قانونها وما تختاره مؤسساتها، فإذا أقرت تدمير شعب ونهب خيراته ولو عبر نشر المخدرات وحروب الإبادة وحتى لو قررت تلويث مصادر الحياة في الأرض كلها كما تفعل الولايات المتحدة اليوم متحدية البشرية كلها فقراراتها حق مشروع مادامت قد صدرت عن مؤسساتها ولا حق للمواطن في الامتناع عن تنفيذ تلك السياسة بينما يحق في دولة الإسلام بل يجب على كل مواطن أن يزن كل سياسات الدولة بميزان الإسلام فيتوقف عن تنفيذ كل سياسة أو قرارات تصادم المشروعية العليا: الوحي.

إن الدولة الحديثة كيان مطلق حلولي، هو تطور لسلطان الباباوية والإله الذي حل محل الله والمقدس الأعظم الذي يعلو سلطانه كل سلطان. وما فعل الفكر السياسي سوى عقلنة للآلهة القديمة، عقلنة العنف والنهب وتنظيم الصراع على الغنائم المنهوبة، وتنظيم توزيعها بين النخب بتفويض شكلي محتال عليه من قبل الجماهير التي أتاح لها النهب الرأسمالي لثروات الشعوب المغلوبة أن تلقي لتلك الجماهير بفتات من الغنائم امتص شحنات غضبها وثبطها عن الثورة. وما دامت الذئاب الرأسمالية قادرة على مواصلة نهبها الخارجي ما توفر منه فضلة تلقيها للجماهير فستظل اللعبة متواصلة والاستقرار قائما وميكانيزم الديمقراطية شغالا. إلا أنه يوم أن يتوقف ذلك النهب بما يجعل الذئاب لا تجد ما تلقيه للكلاب –حسب تعبير غلنر- ستتوحش الكلاب (15).

ج- أبعد الإسلام الدولة عن سلطة التشريع الأصلي التي هي للوحي وكذلك سلطة تفسير نصوص الوحي فهي للعلماء بما يجعل نفوذ الحاكم ينصب على الجانب التنفيذي.

د- سلطة الرأي العام: تمارس الأمة صاحبة السلطة الحقيقية مهمة الرقابة على الحكم وذلك عبر ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركن الأعظم في الدولة الإسلامية، سواء أكان ذلك في المستوى الفردي أم كان في مستوى مؤسسات الدولة والمجتمع كالمساجد والصحافة والأحزاب ومجلس الشورى وغيرها من أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الركن الأعظم في دولة الإسلام، وواجب أدائه على كل مسلم بحسب إمكانه ولا يتوقف على إذن من الحاكم بما يجعل قيام الأحزاب ونشر الصحف والكتب والمسيرات السلمية وما إليها من أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحتاج قيامها لإذن الحاكم لأنه موضوع لها فكيف يتوقف قيامها على إذنه، وهي تتجاوز كونها حقوقا إلى مستوى الواجب الديني، إذ الساكت على الحق شيطان أخرس.

هـ- إن دولة الإسلام يتمتع فيها العلماء وقادة الرأي العام وزعماء العشائر والطوائف وكل ممثلي الشعب بمكانة عظيمة باعتبارهم أهل الحل والعقد، بما يجعل سلطان الحاكم إضافة إلى ما تقدم سلطانا تنفيذيا محدودا جدا لصالح سلطان الشريعة والمجتمع وسائر المؤسسات الممثلة لهما. فليست دولة الإسلام دولة شمولية، فهي تكاد تكون مسلوبة من التشريع ولا سيما التشريع الأصلي تشريع العقائد والقيم والحلال والحرام والخير والشر كما أنها محجوبة عن السلطة الفكرية والتربوية كما أن سلطانها محدود جدا في مجال السلطة المالية، سلطة فرض الضرائب المحددة بالشريعة في قسم كبير منها. وسلطانها محدد كذلك في مجال القضاء تشريعا وتنفيذا فهذا المجال يتمتع باستقلال كبير عن الحاكم وهو اختصاص لأهله.

كل ذلك جعل دولة الإسلام لا تعرف نوع الاستبداد الذي عرفته الدول في تاريخ أوروبا وآسيا. وإذا أمكن لمسلمي العصر المرهقين إلى حد الاختناق بدولة الاستبداد الشامل، دولة الحداثة المزعومة المغشوشة والمؤيدة من الديمقراطيات الغربية الاستعمارية، إذا أمكن لمشروع دولة الإسلام المستقبلية أن تعتمد كل هذه المبادئ العظمى التي جاء بها الإسلام مستفيدة من كل ما طورت الديمقراطية الغربية من آليات لمقاومة الاستبداد والأخذ منه بما يجسد سلطة الشورى سلطة الأمة في ظل الشريعة فإن أمة الإسلام لن تكون قادرة على التطهر والتحرر من داء الاستبداد وهو أعظم الداء بعد الشرك بالله لتنطلق في الأرض دورتها الحضارية الثانية الموعودة فحسب بل ستكون في الموقع المناسب لتنوير الحضارة المعاصرة التائهة وراء سراب حلول مادية معقلنة وجبارة هي إلى التنين المتوحش أقرب، لا تني تعمل في كيان الإنسان وأوصال المجتمع والعلاقات بين الأمم وثروات الكون تدميرا وتفكيكا وإفسادا عبر التطوير المذهل لوسائل الدمار ولأسباب النهب والكنز لصالح حفنة من الشياطين المردة على حساب معظم شعوب الأرض، سائقة البشرية رغم علومها وتقنياتها العملاقة إلى إمعان السير في طريق الكارثة المحققة.

أمام الإسلام فرصة النهوض مرة أخرى بمهمة إنقاذ مركب الحضارة واستعادة المعنى والروح والقيمة والرباط الناظم لكل النشاط والأسرية البشرية على اختلاف مشاربها في إطار عقد التوحيد وهو العقد الوحيد القادر على جمع ما فرقته الحلولية المادية وتجسير العلاقات مجددا بين ما رسخت من قطائع داخل شخصية الإنسان وفي تاريخه وبين الأقوام والحضارات والملل.


أبعد الإسلام الدولة عن سلطة التشريع الأصلي التي هي للوحي وكذلك سلطة تفسير نصوص الوحي فهي للعلماء بما يجعل نفوذ الحاكم ينصب على الجانب التنفيذي
دين التوحيد وحده يملك المنظور الإنساني الإلهي الشامل الكفيل إذا فهم على وجهه الحق واتبع بجد أن يعيد للبشرية الوحدة والتعارف وأواصر الحوار والتعاون عبر القبول بالتعدد والتنوع والاختلاف بدل أيديولوجيات الحلول وما أثمرته من نفي الآخر واعتباره الجحيم ومن تسابق محموم في طريق النهب والأثرة والدمار والإفساد. "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (الحجرات).

إنه ما ينبغي للمسلمين وهم حملة الأمل الوحيد في الإنقاذ أن يتنازلوا تحت أي ضغط وظرف أو إغراء عن جوهر الرسالة المحمدية رسالة التوحيد ورؤيتها الشمولية للإنسان في كل أبعاده وللبشرية في تكاملها ووحدة أصلها والمصير وضرورات إفشاء السلام والحوار والعدل والتعاون بينها في مواجهة مشروع العلمنة مشروع تفكيك الإنسان وتقطيع أوصال المجتمع وترسيخ أيديولوجية النهب والتفكيك والتدمير، أيديولوجية الحلول المادي ممثلا في وثن الدولة الحديثة صنيعة القارون الرأسمالي العامل باستمرار على تهميش الدين، تهميش الإنسان عبر شعارات مضللة من مثل فصل الديني عن الاجتماعي وحبسه في المجال الخاص تمهيدا للإجهاز عليه لينطلق النهب المحموم واستئثار الأقلية بثروات ومصائر الأغلبية عبر فصل الاقتصاد والسياسة والثقافة عن الأخلاق والدين تعبيدا للبشرية كلها لديانة السوق وشياطينها وتحويل كل الدين وكل الأخلاق وكل الفن وكل البشرية عبيدا لذلك الوثن الرأسمالي.

لا مناص من رفض مشروع علمنة العالم و"حوسلة" كل شيء حسب تعبير عبد الوهاب المسيري أي تحويله إلى مجرد شيء نافع لأخطبوط وآلهة الرأسمالية. إن جوهر الرسالة المحمدية مبدأ التوحيد وأبعاده وانعكاساته التوحيدية الجامعة لمختلف أبعاد الإنسان والطبيعة ضمن تعددية حقيقية تعترف بكل أبعاد الإنسان وبكل ما في الكون من تعدد وما في المجتمعات والحضارة من تنوع في تناغم ورؤية شاملة وصبغة جامعة لا تجد التعبير الجلي عنها خارج الرسالة الخاتمة رسالة التوحيد. قال تعالى "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"
(الحجرات).

ــــــــــــ
* مفكر إسلامي تونسي مقيم في بريطانيا، رئيس ومؤسس حركة النهضة الإسلامية في تونس
المراجع
(1) من مقدمة ابن خلدون
(2) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم. "دراسة ووثائق" بقلم محمد عمارة ط 2 بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1988.
(3) محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم. القاهرة، دار الشروق 1989.
(4) ورد في كتب الحكومة الإسلامية للإمام الخميني ص 87 "ومن ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل" وفيه روح الفلسفة الإشراقية العرفانية واضحة.
(5) أثرت كلمات في هذا المعنى عن الخليفة معاوية بن أبي سفيان وعن أبي جعفر المنصور.
(6) ابن القيم: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ابن القيم. بيروت دار الكتب العلمية.
(8) راشد الغنوشي: الحريات العامة في الدولة الإسلامية ص 93 ط. مركز دراسات الوحدة العربية 1993.
(9) محمد طه بدوي: بحث في النظام السياسي الإسلامي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 111، 1991
(10، 11) حسن الترابي: الشورى والديمقراطية. المستقبل العربي، ص 13. ورضوان السيد: الأمة والجماعة والسلطة. دراسات في الفكر السياسي العربي. دار اقرأ. القاهرة. وأبو يعرب المرزوقي، وحدة الفكرين الديني والفلسفي ص 12. دار الفكر العربي المعاصر. بيروت لبنان أبريل/ نيسان 2001 ط 1.
(12) ابن عاشور مقاصد الشريعة. الدار التونسية للنشر
(13) لينين مختارات موسكو: دار التقدم 1968
(14) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ص 249 ج4 ط بيروت دار الفكر العربي 1948.
(15) أرنيست جلنر Gellner Ernest post modernism: Reason and religion- london 1992