صدر أول تقرير للتنمية الإنسانية العربية نهاية سنة 2002 عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية، وقد نشر التقرير بعض الأرقام المثيرة للقلق فالعالم العربي يقف في أدنى درجات السلم الإنساني فيما يتعلق بفقر الشعوب وغنى الحكومات وانخفاض الإنتاجية الى أدنى مستوى في العالم باستثناء جنوب الصحراء الافريقية.
وإذا كان هذا الوضع لا يثير قلق الحكومات العربية لتغييب الحريات وانعدام الإنتاجية وشيوع البطالة وتزايد الهجرة لدى الشباب العربي فإن مشكل الأمن الغذائي العربي يتربع على قمة المشاكل في الوطن العربي.
ظلت مشكلة الغذاء ولعقود عديدة إحدى المشكلات التي تحتل الصدارة على المستوى العالمي فحظيت التنمية الزراعية باهتمام كبير حتى يتم التغلب على الاحتياجات الغذائية المتزايدة والضخمة. والدول التي كانت مرشحة لمجاعات وكوارث بسبب حجم السكان كالهند والصين مثلا صححت
مفاهيم الأمن الغذائي واتجهت إلى زيادة إنتاج الغذاء ونجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي وانتقلت من الاستيراد إلى التصدير.

أما العالم العربي فسار في الاتجاه المعاكس، فالإنتاج الزراعي العربي ظل في تراجع سواء تعلق الأمر بالموارد البشرية أو الأراضي والمياه أو الإنتاج الغذائي.
و
أسباب فشل السياسات الزراعية العربية متعدددة وتقدر قيمة الناتج الزراعي حسب التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر في سبتمبر/ أيلول 2001 بحوالي 80.3 مليار دولار أميركي، أي بانخفاض قدره 0.1% مقارنة مع سنة 1999، وبلغت الفجوة الغذائية 12 مليار دولار حسب نفس التقرير.

وقد حذرت منظمات مهتمة بالأمن الغذائي ومسؤولون وخبراء اقتصاديون عرب مؤخرا من أن انعدام الأمن الغذائي سيبقي إدارة الوطن العربي مرتهنة بأيدي قوى خارجية، وحثوا على العمل الجاد من أجل تقليص الفجوة الغذائية التي من المتوقع أن تزيد على 13 مليار دولار خلال سنة 2003وستظل في تصاعد مطرد خلال هذا العقد.

كل هذه الأوضاع المتعلقة بالعجز الغذائي في العالم العربي ستزيدها تعقيدا تغيرات دولية وتحولات اقتصادية كبرى فلم تعد الموارد الطبيعية الزراعية المطلوبة لمزيد من الاستثمارات متاحة، ولم تعد التكنولوجيا الحيوية الحديثة التي تنبني عليها الآمال في مستقبل التنمية الزراعية أيضا متاحة، إذ أصبحت تنتجها شركات عابرة للقارات وقطاع خاص. هذا رغم قيام العديد من الحكومات العربية بتشخيص لأزمة الأمن الغذائي والقيام بجهود تستحق الثناء لإصلاح هذا الوضع وإعادة تكييف السياسات الوطنية ضمن خطة استراتيجية ومبادرة تنموية زراعية جديدة كان من أبرزها محاولة العراق التي يمكن تسميتها سياسة التغلب على أزمة العراق الزراعية والحال أنه يعيش تحت الحصار.

لذلك فإن هذا الملف يحاول الإجابة على مجموعة من التساؤلات، منها: ما محددات الأمن الغذائي؟ ما هي أهم المنظمات الإقليمية الدولية المهتمة بالزراعة والغذاء؟ ما مظاهر أزمة الغذاء في العالم العربي وأسبابها؟ ما أسباب فشل السياسات الزراعية العربية في تحقيق الأمن الغذائي؟ ما هي انعكاسات اتفاقية منظمة التجارة العالمية والتحولات الاقتصادية الدولية عموما على الأمن الغذائي العربي؟ وهل من إستراتيجية عربية لتحقيق الأمن الغذائي تمكن من التكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية؟