راشد الغنوشي

الحوار بين الغرب والحركات الإسلامية لم يتجاوز حتى الآن التصور والإمكان.. فالغرب يدرك أن له مصالح في العالم الإسلامي وأن القوة الشعبية الصاعدة في العالم الإسلامي هي الحركة الإسلامية.. ورغم تفكير الغرب في تطبيع العلاقات مع التيارات الوسطية والمعتدلة فإن يده لا تزال مع الأنظمة الدكتاتورية القائمة.

بهذه الأفكار وغيرها عبر المفكر الإسلامي التونسي راشد الغنوشي عن نظرته للعلاقة بين الإسلاميين والغرب في حواره مع الجزيرة نت:

حوار/ مي الزعبي

هل العلاقات الأخيرة التي بناها أو سعى لبنائها بعض الإسلاميين مع الغرب هي لخدمة الواقع العربي أم صفقة لتحسين أوضاعهم الخاصة وتحقيق أهدافهم السياسية ضد أنظمتهم الحاكمة؟

لا أدري ماذا تعنين بالضبط بهذه العلاقات التي بناها كما ذكرت إسلاميون، فأنا لست على اطلاع بعلاقات محدثة حصلت بين حزب إسلامي أو بين شخصية إسلامية وبين جهات غربية، أنا أعلم أن حوارا حصل في بيروت على ما أعتقد العام الماضي بين مجموعة النزاعات الدولية وبين ممثلين عن حركة حماس.

وهذه الجهة الغربية رغم ما يقال بأنها قريبة من دوائر حكم في الولايات المتحدة أو في إنجلترا، ولكنها في كل الأحوال ليست جهة رسمية، فالحديث حتى الآن عن الحوار بين الغرب الرسمي وبين الحركات الإسلامية هو حديث لم يتجاوز الافتراض أو التصور والإمكان.

ويمكن أن نتحدث عن علاقة رسمية لحماس كـ"حركة" مع روسيا وهي دولة غربية كبرى، وهذه علاقة قامت بين حركة وبين جهة غربية رسمية ذات اعتبار، يمكن أن نسأل عن مصلحة الطرفين في هذه العلاقة.

وهنالك أحزاب شيعية مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة، أنشأت منذ سنوات علاقات مع جهات غربية مثل الولايات المتحدة وإنجلترا.

تحديدا ماذا كان الهدف من هذه العلاقات؟

"
علاقات الإسلاميين مع الغرب كانت تستهدف حل مشكلات ذاتية والتخلص من صعوبات حقيقية تجدها هذه الحركات في واقعها

"

هذه العلاقات عموما كانت تستهدف حل مشكلات ذاتية والتخلص من صعوبات حقيقية تجدها هذه الحركات في واقعها، ويصعب أن ندرج هذه العلاقات ضمن تصور عام وهي قليلة حتى الآن.

فالإخوان المسلمون مثلا في مصر حتى الآن يرفضون إقامة علاقة رسمية مع الولايات المتحدة زعيمة الغرب، ورفضهم هذا ليس رفضا للحوار وإنما هو رفض للتدخل الخارجي في شؤون بلدهم واستبعاد لشبهة يمكن أن تلحق بهم لأنهم يؤسسون أو يشرعون لعلاقات بين حركة وبين دولة خارجية من وراء ظهر الدولة الوطنية، فهم لا يريدون أن يشرعنوا مثل هذه العلاقات التي يمكن يوما من الأيام لو كانوا في الحكم أن يستند إليها غيرهم، مما يزعجهم.

هل يمكن أن نقول إن للغرب فضلا على الحالة الإسلامية من خلال دعوته لإحلال التعددية والديمقراطية في العالم العربي؟

الحديث في السياسة لا يتأسس على أفضال أو مزايا أو هدايا، الحديث في السياسة هو حديث عن مصالح، فالغرب على إثر أحداث سبتمبر/أيلول بدأ يدرك أنه لا يمكن استبعاد التعامل مع الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي وأن الخيار هو بين حركة وأخرى أو بين إسلام وآخر، ولكن استبعاد الإسلامي جملة لم يعد ممكنا.

فالغرب يدرك أن له مصالح في العالم الإسلامي وأن القوة الشعبية الصاعدة في العالم الإسلامي هي الحركة الإسلامية، وأن حلفاء الغرب ممن يحكمون العالم الإسلامي لم يعودوا مستأمنين على استمرار هذه المصالح على اعتبار أنهم لم يعودوا يمثلون قوة شعبية حقيقية، وأن الرهان الذي أدمنه الغرب على الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة لم يعد يمثل ضمانا للمصالح الغربية في المنطقة.

ولذلك هناك تفكير في دفع العملية الديمقراطية إلى منتهاها حتى وإن أتت بإسلاميين، على اعتبار أن هذه الأنظمة الحليفة للغرب والتي ضربت الحركة الإسلامية باسم الغرب وبادعاء أنها تفعل ذلك لمصلحة الغرب، غدت حقلا لتفريخ الإرهاب وتصديرا له في كل مكان.

من هنا يمكن اعتبار أن الغرب اليوم يساعد الحركة الإسلامية من جهة أنه بدأ يرفع الفيتو عنها.

فالغرب لم يحسم أمره بعد في هذا الاتجاه أو ذاك، الغرب من جهة الواقع لا تزال يده مع الدكتاتوريات ولكن عينه تنظر هنا وهناك وقد ترى الحركة الإسلامية، فتفكر لماذا لا تتعامل مع التيارات المعتدلة فيها، ولكن يده حتى الآن لا تزال مع الأنظمة الدكتاتورية القائمة.

أخيرا، هل لك أن تقدم تصورا مختصرا عن مدى تأثير تقدم علاقة الأنظمة مع الغرب في تحسن علاقة الإسلاميين مع بقية الأطراف التي تشاركهم في الهوية والوطن؟

"
الغرب على إثر أحداث سبتمبر/أيلول بدأ يدرك أنه لا يمكن استبعاد التعامل مع الحركة الإسلامية

"

للأسف هذه العلاقة الثلاثية (الأنظمة-الغرب-الحركات الإسلامية) ليست دائما تسير على وتيرة واحدة، بل في كثير من الأحيان تأخذ أشكالا مختلفة، فعندما تسوء علاقة دولة عربية بالغرب تكون عندئذ هناك فرصة لإقامة علاقات حسنة وحتى علاقات تعاون مع الحركة الإسلامية، وهذه هي العادة، بأن تكون العلاقات سالكة بين نظام عربي وبين دولة غربية ويكون ذلك على حساب ليس الحركة الإسلامية وحسب وإنما على حساب المعارضة جملة.

أما علاقة الحركة الإسلامية بغيرها من الحركات داخل الوطن العربي والإسلامي فهي علاقات لا تتأثر كثيرا بالغرب إلا من جهة واحدة، وهي أن كثيرا من الحركات العلمانية لم تكن تجرؤ على إقامة علاقات سوية مع الحركات الإسلامية المضطهدة لأسباب منها أن هذه الحركات المضطهدة من طرف الأنظمة صورتها عند الغرب سيئة، فإقامة علاقات معها قد يُنظر إليه على أنه سلوك معاد للغرب.

أما وقد أصبح الغرب يفكر ولو مجرد تفكير في تطبيع علاقاته مع التيارات الوسطية في الحركة الإسلامية، فهذا عامل قد يساعد أو يدفع حركات علمانية في الوطن العربي إلى إقامة علاقات سوية مع الحركة الإسلامية، وقد رفع أو بدا كأن الفيتو الدولي قد رفع عنها، ولم تعد العلاقة معها مكلفة سواء من جهة الأنظمة أو من جهة النظام الدولي.
_______________
قسم البحوث والدراسات -الجزيرة نت