|
||||||||||||||||
الهجرة من القضايا الساخنة في دول الخليج العربية، لما لها من عوائد وخسائر على بلد الأصل وبلد الاستقبال. هناك دواع مختلفة للهجرة وتتفاوت تلك حسب الحاجة والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأفراد والبلدان، إلا أن ما يتحد بين الأفراد هو البحث عن فرص أفضل للحياة، بمعنى أن الذي يدفع الفرد لترك بلده هو العامل الاقتصادي، ويجب ألا نقلل من الأسباب الأخرى كالعامل السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تكون الدولة مسؤولة عنه مسؤولية مباشرة وهناك العوامل البيئية والمناخية. الخليج منطقة جذب
دول الخليج العربي من الدول التي حباها الله بخير وفير في الثروات الطبيعية من نفط وغاز، ولم تكن في يوم من الأيام من الدول الصناعية أو الزراعية أو خلافها بحيث يكون تراكم الرأسمال والمعرفة المحركين للنمو الاقتصادي الذي حدث منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وما أن زاد الطلب على النفط والغاز العالمي وارتفعت الأسعار وتراكمت العوائد حتى اتجهت دول الخليج العربي إلى استثمار تلك العوائد في التنمية وواجهت معضلة كبيرة، ألا وهي العمالة، فهذه الدول تعاني من قلة في عدد السكان الأصليين. وبفعل عوائد النفط والغاز دول الخليج العربية منذ سبعينيات القرن العشرين في تطور مستمر في البنى التحتية والفوقية. وأداة الدفع الحقيقية لتلك المكاسب هي العمالة الأجنبية. وبحكم قرب دول الخليج العربية للقارة الآسيوية صيغت سياسات الهجرة بحيث تعطي أولوية للعمالة الآسيوية لرخص أجورها وقلة امتيازاتها خاصة العمالة غير الماهرة وشبه الماهرة. ومع التحولات البنائية في الاقتصاد وما نتج عنها من سياسات اقتصادية ليبرالية شجع العمالة الآسيوية الماهرة على الهجرة إليها وأكسبها امتيازات اقتصادية، فبدلا من أن تكون أجيرة أصبحت مستثمرة وبدلا من أن تكون مؤقتة أصبحت مستقرة. واللافت للأمر هو أن هذه العمالة الآسيوية التي تحولت بقدرة قادر إلى مارد اقتصادي في المنطقة يؤثر في السياسات العامة لم تكن في الأصل من رجال الأعمال في بلدانها الأصلية بل جاءت أجيرة، فمعظمها لم يكن يملك الرأسمال ولا الخبرة بل أتيحت لهم فرص لم تتح لأحد غيرهم، وذلك بحكم قربهم من أصحاب النفوذ وتوفر مصادر التمويل المحلية. لا ينكر أحد أهمية العنصر البشري الأجنبي في التنمية والمساهمة في تحقيق معدلات عالية في النمو الاقتصادي، غير أن ما يُختلف عليه هو انعكاس ذلك سلبا على الأمن الوطني لكل دولة من دول الخليج العربية. لقد أخلت العمالة الوافدة خاصة الآسيوية من خلال ثقلها الديموغرافي في موازين القوى الديموغرافية في المنطقة، إذ رجحت كفتها كفة المواطنين وأصبحت تمثل أغلبية ساحقة في بعض دول المنطقة، حتى وإن اجتمع المواطنون والعرب لا يشكلون سوى أقلية. من الوجود المؤقت إلى الإقامة الدائمة
إن دول الخليج العربية لا زالت غير مهتمة بالقضية السكانية ومستمرة في طلب العمالة الآسيوية، بل تعدى ذلك إلى القيام بحملات ترويجية وتشجيعية على البقاء والاستقرار للمقيمين والاستقطاب للعوائل للإقامة الدائمة وذلك من خلال عروض التملك للأراضي والمشاريع العقارية. هذا بالطبع سيمثل عامل توتر في مستقبل المنطقة، والدليل على ذلك ما تشهده المنطقة من أنماط للتنمية ترسخ الاستقرار الدائم للعمالة الوافدة خاصة العمالة الآسيوية، وهذا ما تشير إليه الدلائل والمؤشرات الاقتصادية التي تؤكد على اتجاه الآسيويين إلى الاستثمار في القطاعات الصناعية والسياحية والعقارية وتوجيه قوانين الشركات لتلبي احتياجاتهم. المسألة ليست كما يتصورها ويتخيلها البعض من أن العمالة الآسيوية أو غيرها عمالة مؤقتة تأتي بغرض تنفيذ مهمة محددة وتنتهي، إن القضية ليست بهذه البساطة، وإن طبقت على فئة محددة على بعض شرائح المهاجرين الجديدة فهناك شرائح كثيرة تجذرت واستقرت وتوالدت وتكاثرت وأصبح لها كيان اجتماعي يعززه حجمها ونفوذها الاقتصادي والدعم السياسي لها الخارجي من دولها أو من خلال الالتزامات الدولية لدول الخليج العربي تجاه المجتمع الدولي. الهجرة إلى دول الخليج العربية هي نتاج إرادة سياسية ورغبة من طرفها، فقرار الهجرة إليها مرجعه سيادي تملكه هي وليس للدول المرسلة أي تأثير يذكر على هجرة عامل منها إلى دول المنطقة. فهذا التراكم العددي الضخم للآسيويين في دول المنطقة مرده قرارات تخص حكومات المنطقة وأفرادها، فهما اللذان يحددان جنسية ونوع وخصائص الوافدين إليها وفق احتياجاتهم الاقتصادية، ولم يكن للأبعاد السياسية والأمنية والقومية في حسبان دول الخليج العربي أهمية تذكر عند استقدام العمالة الأجنبية. غير أن تبعات تلك القرارات لا تنفرد بها الدول المستقبلة بل ستكون الدول المصدرة شريكة معها في أي قرارات تخص مواطنيها عندما يتعلق الأمر بحقوقهم. وهذا لم يكن في حسبان دول الخليج العربي إلا أن آثاره بدأت في الظهور في الآونة الأخيرة عندما بدأت الأعداد تتضخم وتواجه صعوبة في الحياة من حيث انخفاض الأجور وسوء معاملة بعض القطاعات لهم وارتفاع الأسعار، علما بأن تبعات تلك السياسة السكانية هي في النهاية ستشكل خريطة دول الخليج العربية، وسيحدد مصير مستقبلها بمدى قدرة أنظمتها السياسية على مواجهة التغيير السياسي المنبعث من الداخل والمدعوم من الخارج الذي سيكون لتيار الأغلبية المتمثل بالوافدين خاصة الآسيويين كلمة الفصل في أي خيارات مستقبلية.
وإذا ما تحدثنا عن تحديات الهجرة التي ستواجه دول المنطقة فنوجزها بالتالي:
هناك من التحديات الكثيرة التي لا يمكن لنا في هذه العجالة سردها ولكننا اخترنا بعض منها. دول الخليج العربي ستواجه منعطفا سياسيا واجتماعيا شديد الحساسية وتقديره قد يخفى على كثير من الساسة المحنكين وأهل الدراية والمعرفة والخبرة، إلا أن دول المنطقة بإمكانها أن تحافظ على حد أدنى من الاستقرار والثبات وذلك باتباع حزمة من الإجراءات أذكر بعضا منها:
_______________
المصدر:الجزيرة
شروط الخدمة
|
||||||||||||||||
|
|
|






