د. سمير عبد الرحمن الشميري


المؤتمر الشعبي العام
التجمع اليمني للإصلاح
الحزب الاشتراكي اليمني
ملامح غير ديمقراطية في الأحزاب اليمنية
الخلاصة

المشهد السياسي في الساحة اليمنية يمور بالأحزاب السياسية فعند بداية التعددية السياسية بزغ ما يربو على 60 حزباً سياسياً في جو من الهرج والمرج تقلصت هذه الأحزاب حتى وصلت إلى 23 حزباً سياسياً معترفاً به رسمياً في عام 2003م.


وهناك ملاحظة لابد من الجهر بها وهو أن معظم الأحزاب في ساحة التعددية السياسية اليمنية لا توجد اختلافات جوهرية فيما بينها ما عدا النزر اليسير منها.

ولا يمكن الحكم على ديمقراطية هذه الأحزاب من خلال ما تطرحه في وثائقها , فالأدبيات الحزبية تتحدث بموضوعية عن الديمقراطية والديمقراطية الحزبية , ولا تجد هذه الأطروحات طريقها في التنفيذ.


وامتداداً لأنواع الأحزاب نقدم ثلاثة نماذج من أشهر وأقوى الأحزاب في الساحة اليمنية:


المؤتمر الشعبي العام


علي عبد الله صالح

تأسس في 24 أغسطس 1982م, وكان تأسيسه عبارة عن قرار سياسي من الأعلى, على أن يضم المؤتمر كافة الاتجاهات السياسية في الجمهورية العربية اليمنية (سابقا) حيث كان الحزب الحاكم في شمال اليمن (قبل الوحدة اليمنية).

  • تقاسم المؤتمر الشعبي العام السلطة مع الحزب الاشتراكي اليمني منذُ تاريخ إعادة تحقق الوحدة اليمنية 22 مايو 1990م وحتى 27 إبريل 1993م.
  • شارك في حكومة ائتلاف ثلاثية مع الحزب الاشتراكي اليمني والتجمع اليمني للإصلاح من مايو 1993م حتى 7 / يوليو 1994 م.
  • شارك في حكومة ائتلاف ثنائية مع التجمع اليمني للإصلاح من يوليو 1994 حتى إبريل 1997م (7).
  • منذُ عام 1997م وحتى اللحظة يقود السلطة منفرداً في الجمهورية اليمنية ويفوز بنصيب الأسد في الانتخابات النيابية كان آخر في إبريل 2003م حيث تحصل على 75 % من مقاعد البرلمان.
  • منذُ قيام الوحدة وحتى اللحظة يعقد مؤتمراته الحزبية بانتظام كان آخرها المؤتمر العام السادس من 24- 26 أغسطس 2002م.

وغني عن البيان القول أن المؤتمر العام الخامس للمؤتمر الشعبي العام 1995م , يعتبر نقطة انطلاق لتحول المؤتمر إلى حزب سياسي منظم حيث أجريت تعديلات على النظام الداخلي للمؤتمر والبرنامج والهيكل التنظيمي, حيث نصت شروط العضوية في المادة (11) من النظام الداخلي ألا تكون العضوية مزدوجة في المؤتمر الشعبي العام.


يتميز المؤتمر الشعبي العام بركة بنائه التنظيمي والفكري, حيث يضم في إطاره أغلب الكوادر المسئولة العليا والسفلة في جهاز الدولة ويعتمد على جيش من الموظفين الحكوميين الذين ترنو أعينهم للإرتقاء في المناصب الوظيفية العليا.


تؤكد وثائق المؤتمر أن القيادة (اللجنة الدائمة), شطراً منها ينتخب والشطر الآخر يعين.



ميكانزم عمل حزب المؤتمر الشعبي العام لا يرتكز على فعالية مؤسساته ونشاط أعضائه ولا على الجماهير, وإنما يستند بشكل محوري على جهاز السلطة الذي يعتبر الركيزة الرئيسية في تسيير نشاط عمله ويجمع بين يديه السلطة والمال والإعلام ويستخدم الشخصيات العسكرية والمدنية النافذة في المحافظات ووجهاء العشائر والقبائل والأقوياء في النشاط الموسمي التعبوي

فأعضاء اللجنة الدائمة كما تنص المادة (30) (أ) من النظام الداخلي ينتخبهم المؤتمر العام من بين أعضائه بالاقتراع السري المباشر, فقرة (ب) أعضاء بحكم مراكزهم وهم:


1- رئيس المؤتمر ونائبه الأمين العام والأمناء العامون المساعدون, ورئيس وأعضاء هيئة الرقابة التنظيمية والتفتيش المالي وأعضاء اللجنة العامة.
2- رئيس وأعضاء الهيئات البرلمانية والوزارية.
3- رئيس وأعضاء المجلس الاستشاري من أعضاء المؤتمر.
4- رؤساء الهيئات التنفيذية للمؤتمر في أمانة العاصمة والمحافظات.
5- مستشارو رئيس الجمهورية ومدير مكتب رئاسة الجمهورية ورئيس الجهاز المركزي للأمن السياسي وأمين عام رئاسة الجمهورية ومحافظ البنك المركزي ورئيس الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وأمين مجلس النواب ورئيس المعهد الوطني للعلوم الإدارية من أعضاء المؤتمر.
6- رؤساء الدوائر في الأمانة العامة وهيئة الرقابة التنظيمية ومدراء مكاتب رئيس المؤتمر ونائبه والأمين العام ومدير معهد الميثاق الوطني ورؤساء فروع المؤتمر في أمانة العاصمة والمحافظات والجامعات ورؤساء فروع النشاط النسوي في أمانة العاصمة والمحافظات والجامعات التي يصل عدد أعضاء المؤتمر من النساء إلى نسبة 51 % من الرجال ورئيس تحرير صحيفة الميثاق.
7- رؤساء الجامعات ونوابهم والأمناء العامون وعمداء الكليات في الجامعات الرسمية وما في سواها من الجامعات الخاصة.. وتقدر ذلك الأمانة العامة.
8- رؤساء المكاتب التنفيذية للاتحادات والنقابات العامة والمهنية والنوعية والإبداعية المركزية من أعضاء المؤتمر.

يعتمد المؤتمر الشعبي العام في نشاطه على المركزية والموسمية ويصل النشاط الحزبي ذروته في فترات الانتخابات البرلمانية والرئاسية والمحلية, ويستند في ممارسته ودعايته وأسلوب عمله على الشرعية الكاريزمية كما بينها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر ( 1864 - 1920م ), أي على شخصية الزعيم القائد.


وميكانزم عمله لا يرتكز على فعالية مؤسساته ونشاط أعضائه ولا على الجماهير, وإنما يستند بشكل محوري على جهاز السلطة الذي يعتبر الركيزة الرئيسية في تسيير نشاط عمله ويجمع بين يديه السلطة والمال والإعلام ويستخدم الشخصيات العسكرية والمدنية النافذة في المحافظات ووجهاء العشائر والقبائل والأقوياء في النشاط الموسمي التعبوي. ويمكن تصنيفه ضمن أحزاب المصلحة حسب التقسيم السيوسولوجي.


والمؤتمر الشعبي العام يحافظ على الوضع القائم وعلى الأجهزة والمصالح والمؤسسات كما هي عليه اليوم، وينفرد بخطاب ديمقراطي أنيق في واقع هو أمس الحاجة إلى تطبيق مفردات الديمقراطية في الحياة الحزبية الداخلية والفضاء العام.


التجمع اليمني للإصلاح

أمين عام التجمع اليمني للإصلاح محمد عبد الله اليدومي
حزب أصولي يعد امتداداً لحركة الأخوان المسلمين في اليمن, والتي بزغت بذراتها الأولى في الأربعينات من القرن العشرين, وولادة الحركة في اليمن استمراراً لحركة الأخوان المسلمين بوجه عام, والتي تأسست على يد الإمام حسن البنا في مصر 1928م.


وكان قادة الحركة الأم على صلة مباشرة مع الأحرار اليمنيين في انقلاب 1948م ضد الإمام يحي حميد الدين, وعند فشل الانقلاب أعدم قادة الانقلاب ومن ضمنهم أحد قادة الحركة الأم الفضيل الورتلاني (من الجزائر) (8).


إن نشاط الأخوان المسلمين في اليمن لم يزدهر بشكل قوي إلا في الفترة من 1979م - 1982م, حيث كان الصراع في أوجه ما بين الجبهة الوطنية الديمقراطية (لمدعومة من النظام في جنوب اليمن), والسلطة في شمال اليمن أنذاك, حيث شارك الأخوان المسلمون في المعارك العسكرية في المناطق الوسطى إلى جانب السلطة وعززوا من نفوذهم.


وعند قيام الوحدة اليمنية انضم الأخوان المسلمون إلى جماعات قبلية ذات وزن سياسي وعسكري واجتماعي مهم, وتم تشكيل تنظيم سياسي تحت مسمى التجمع اليمني للإصلاح في 13 سبتمبر 1990 م.


وعند قيام الوحدة اليمنية كان لبعض الأجنحة أراء في الوحدة والدستور،
شارك التجمع اليمني للإصلاح في حكومة ائتلافية ثلاثية مع المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني من مايو1993 م - وحتى 7 يوليو 1994م.


وشارك في حكومة ائتلافية ثانية مع المؤتمر الشعبي العام من يوليو 1994م وحتى إبريل 1997م, وأنتقل إلى المعارضة في مايو 1997م وحتى الآن (9).



لقد أجاد التجمع اليمني في السابق استخدام سلاح الدين ضد خصومه السياسيين وكفر بعض القوى السياسية رافضاً الحوار والمصالحة إلا بعد أن تعلن توبتها, تحت ستار سميك من الشعارات وحشد كثيف للجمل والعبارات المنبرية والرنانة, ومارس سلوكاً غير منصف يتصادم مع الوسطية والاعتدال والتسامح

شارك في الانتخابات النيابية في إبريل 1993م وحصل على 64 مقعداً, وفي انتخابات 1997م حصل على 53 مقعدا, وفي الانتخابات الأخيرة 2003م, حصل على 46 مقعدا من مجموع مقاعد البرلمان البالغة 301 مقعدا.


يعتمد التجمع اليمني للإصلاح على الشرعية التقليدية وهو حزب عقائدي, ويتميز بقوة فكرية وتنظيمية, ويجمع مابين السرية والعلنية، وإذا أخذنا هذا التنظيم بطابعه العقائدي, سنجد أنه من أقوى الأحزاب السياسية اليمنية على الإطلاق, فهو يمتلك قوة أيديولوجية وفكرية وتنظيمية وجماهيرية واسعة.


تتميز بُنيته الداخلية بمركزية شديدة شأنه شأن الأحزاب العقائدية وبانضباط صارم.


يعقد مؤتمراته الحزبية بانتظام منذُ قيام الوحدة اليمنية وكان آخرها المؤتمر العام الثالث في نهاية ديسمبر 2002م.


وينتخب قيادته من قبل مندوبي المؤتمر إلا أن النظام الداخلي يعطي مجلس الشورى (القيادة المركزية) الحق في إضافة 5 % من الأعضاء إلى قوام القيادة, والخطوة الجديرة بالاهتمام أنه في مؤتمره الأخير أتاح الفرصة للعنصر النسائي في تبوأ المواقع القيادية في مجلس الشورى, حيث تم انتخاب 7 نساء من العدد الكلي للمجلس الذي يبلغ تعداده 167 عضوا.


ارتبط هذا الحزب بعلاقة حميمة بالمؤتمر الشعبي العام (الحزب الحاكم), وبعداء للحزب الاشتراكي اليمني, وسرعان ما تغيرت هذه العلاقة بتغير الظروف والمناخات فأصبح أكثر مرونة في مواقفه وأطروحاته في الفترة الأخيرة ويبدو من الناحية الظاهرية أنه قد غير جملة من مواقفه المتشددة فيما يخص مسائل: الديمقراطية, الشعــب مصدر السلطات, الدستور أصل القانون, التكفير, الإرهاب، التعددية السياسية, الموقف من المرأة, حمل السلاح, الخطاب السياسي, الرأي والرأي الآخر, توحيد التعليم, والحرية الفكرية.


لقد أجاد في السابق استخدام سلاح الدين ضد خصومه السياسيين وكفر بعض القوى السياسية رافضاً الحوار والمصالحة إلا بعد أن تعلن توبتها, تحت ستار سميك من الشعارات وحشد كثيف للجمل والعبارات المنبرية والرنانة, ومارس سلوكاً غير منصف يتصادم مع الوسطية والاعتدال والتسامح.

الحزب الاشتراكي اليمني

الأمين العام للحزب الإشتراكي اليمني
علي صالح عباد مقبل

تعود جذور الحزب الاشتراكي اليمني إلى حركة القوميين العرب التي تشكلت في بيروت عام 1948م , عقب قيام الدولة العبرية في فلسطين . وفتحت لها فرع في عدن عام 1959م . وامتداداً لذلك تشكلت الجبهة القومية في مايو 1963م لتقود النضال التحرري ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، وبعد استقلال الجنوب في 1967م انفردت الجبهة القــومية بحكم جنوب اليمن. وفي عام 1975م اتحدت الجبهة القومية مع فصائل يسارية (اتحاد الشعب الديمقراطي, وحزب الطليعة الشعبية), في إطار التنظيم السياسي الموحد للجبة القومية. وفي عام 1978م, تأسس الحزب الاشتراكي اليمني, كحزب طليعي وضم تحت لوائه بعض الفصائل اليسارية في شمال الوطن ( ج.ع.ي).


أضعفت الصراعات والتشظيات الحزبية البُنية الفكرية والتنظيمية والجماهيرية للحزب وكان للمقتلة الشهيرة في 13/ يناير /1986م, الدور الأعظم في تفكيك بُنية الحزب وأضعاف موقعه القيادي.


عند قيام الوحدة اليمنية في مايو 1990م كان شريكاً فاعلاً في الوحدة, ولكن ظل يعيش على رصيده النضالي السابق, ولم يقدم جديداً على المستوى الحزبي والديمقراطية الداخلية أو على المستوى السياسي بوجه عام بل انفرد بخطاب سياسي جديد وممارسات سلطوية عتيقة, ولم يقدم أنموذجاً في الحياة السياسية.



عند قيام الوحدة اليمنية في مايو 1990م كان الحزب الاشتراكي اليمني شريكاً فاعلاً في الوحدة, ولكنه ظل يعيش على رصيده النضالي السابق, ولم يقدم جديداً على المستوى الحزبي والديمقراطية الداخلية أو على المستوى السياسي بوجه عام وانفرد بخطاب سياسي وممارسات سلطوية عتيقة

لم يشهد الحزب أي تغير يذكر في بنيته التنظيمية ومناشطه العامة, وظل يسير على نفس المنوال السابق, مما أدى إلى تضعضع أوضاعه الداخلية, فتقاسم مع الشريك (المؤتمر الشعبي العام) السلطة والجاه والمال ولهثت بعض الرموز القيادية وراء مصالح ذاتية محضة وأهمل الحزب البُنية التنظيمية والفكرية وقاعدته الاجتماعية, ولم يستثمر سلطته في بناء الدولة الحديثة ولم يضرب أنموذجاً في الشفافية والنقاء.


عانى الحزب منذ تأسيسه في 1978م من تعطيل العمل بالبرنامج والنظام الداخلي للحزب, وتعطيل عمل الهيئات القيادية العليا والوسطى.


ولقد اتخذت القرارات المصيرية في حياة الشعب والحزب بعيداً عن القاعدة الحزبية.

بعد حرب صيف 1994م وخروجه من السلطة, عقد المؤتمر العام الرابع للحزب الاشتراكي (الدورة الأولى) في نوفمبر 1998م وعقدت الدورة الثانية للمؤتمر العام الرابع للحزب في 30 أغسطس إلى 2 سبتمبر 2000م , حيث تم في الدورة الثانية انتخاب مكتب سياسي مكون من 29 عضواً , ولجنة مركزية للحزب مكونة من 301 عضواً إضافــةً إلى أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب (الذين لا ينتخبون من قبل المؤتمر).

وأعطى المؤتمر الحق للأقلية في تكوين منابر حزبية والتعبير عن نفسها بحرية في إطار الحزب (10).


شارك في انتخابات إبريل 1993م وحصل على 56 مقعدا. ةقاطع الانتخابات البرلمانية في إبريل 1997م . عاود المشاركة في انتخابات عام 2003م وتحصل على 7 مقاعد.


ويعتبر الحزب الاشتراكي اليمني أكثر الأحزاب ممارسة للنقد إلى درجة جلد الذات, أما المعضلة الخطيرة التي يعيشها هو تكرار الأخطاء مما يضعف مصداقيته.


فالحزب الاشتراكي له تجربة حزبية عريقة حيث انتقل من اتجاه قومي إلى اتجاه اشتراكي. وشهد منعطفات خطيرة في حياته السياسية والفكرية والتنظيمية والجماهيرية, ومر بمراحل مختلفة وبترجرجات وانتصارات وإخفاقات واحترابات داخلية وانشقاقات والتئامات.


يمكن القول بصريح العبارة إنه يشهد تحولاً إلى حد ما صوب الديمقراطية, ولكن ليس بنفس الوتيرة الدعائية واللغة الخطابية التي يتبناها, فخطواته صوب الديمقراطية بطيئة ومتساوقة مع وضع غائم وصدمة نفسية وتنظيمية وسياسية وأيديولوجية وهزيمة عسكرية وسلطوية أدت إلى إقصائه من الحكم جراء حرب 1994م, ومصادرة ممتلكاته وأمواله وتقييد حريته وتشتت قيادته وأعضائه ونزوح البعض منهم إلى الخارج.



خطوات الحزب الاشتراكي اليمني صوب الديمقراطية بطيئة ومتساوقة مع وضع غائم وصدمة نفسية وتنظيمية وسياسية وأيديولوجية وهزيمة عسكرية وسلطوية أدت إلى إقصائه من الحكم جراء حرب 1994م, ومصادرة ممتلكاته وأمواله وتقييد حريته وتشتت قيادته وأعضائه ونزوح البعض منهم إلى الخارج

فالأسس التنظيمية والأيديولوجية والاجتماعية التي أسس عليها الحزب الاشتراكي كحزب طليعي من طراز جديد تتلاشى تدريجياً مع مرور الزمن وأفقد هذا التلاشي نخب حزبية قيادته وقاعدته بوصلة التمييز والوقوع في حالة حرجة من التخبط, وبالتالي برزت أزمة الهوية التي عمقت الأزمة الداخلية للحزب0

ولا يجوز أن ننسى أن هناك ضغوطات قاسية تعرض لها الحزب ولعل أشدها الصراع اللاهب مع الفعاليات المتقاطعة معه وحملات التضييق والاغتيالات لكوادره الحزبية التي راح ضحيتها منذُ فجر الوحدة اليمنية ما يربو على 150 عضواً قيادياً كان آخرها اغتيال الأمين العام المساعد جار الله عمر وهو يلقي كلمته أمام مندوبي المؤتمر العام الثالث للتجمع اليمني للإصلاح في أواخر ديسمبر 2002م, علاوة على النزيف الحاد للكوادر الحزبية وخاصة المثقفة, وانكماش القاعدة الحزبية وعدم القدرة على التجديد بفعالية, وضمور القاعدة الاجتماعية وإنحسار التجديد الفكري, ونخبوية التعامل مع القاعدة الحزبية والجماهيرية.


يمكن تصنيف الحزب الاشتراكي اليمني على أنه حزب انتقالي من حزب عقائدي إلى حزب مصلحة.


ملامح غير ديمقراطية في الأحزاب اليمنية

هناك ممارسات شمولية في الأحزاب السياسية السالفة الذكر, فكل حزب في الساحة اليمنية بوجه عام يعتبر نفسه الحزب الجماهيري الأوحد في الساحة, وأن كل مناشطه وأطروحاته أنضج وأصوب من الأحزاب الأخرى.

وأحزاب كثيرة في الساحة اليمنية تتجنب الاندماج أو حتى التحالف مع الأحزاب الأخرى, حتى لا يطغى الحزب الآخر على شخصيته وجماهيريته.

وأغلب الانقسامات التي تقع في إطار الأحزاب في مجملها امتداد لخلافات شخصية حول الزعامة الحزبية وحول اقتسام أموال الحزب مابين الصقور الحزبية.


فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية الداخلية في إطاره لا يمكن أن نصدق أنه سيمارسها في المجتمع, فمن لا يعترف بالديمقراطية لا يمكن أن يكون ديمقراطياً.


ولعل كبت الديمقراطية وتقنينها في الحياة الداخلية للأحزاب تعد من المسببات الأساسية للتشظيات الحزبية.


سمات الأحزاب اليمنية
فهناك سمات للأحزاب السياسية اليمنية والتي تعد ملمحاً من ملامح الطفولة الحزبية التي تفتقر للديمقراطية وللبناء المؤسسي الحديث:

  1. ضعف البناء المؤسسي للأحزاب وغلبة النشاط العفوي في الهياكل التنظيمية للأحزاب.
  2. ربكة البناء الفكري (يستثنى من ذلك بعض الأحزاب العقائدية).
  3. ضعف القاعدة الاجتماعية للأحزاب السياسية, حيث أن أغلب الأحزاب لا ترتكز على قاعدة شعبية.
  4. المركزية الشديدة وضعف الممارسة الديمقراطية.
  5. التأثير القوي للعلاقات والوشائج الشخصية والقبلية والعشائرية والمناطقية في حياة الأحزاب الداخلية.
  6. الخلط مابين الإستراتيجية والتكتيك والتذبذب في المواقف.
  7. ضعف التأثير الجماهيري.
  8. الانفصال ما بين القول والفعل.
  9. تجاوز النخب الحزبية القوية للوثائق الحزبية.
  10. غلبة الطابع الحماسي والانفعالي والشعاراتي على مناشط الأحزاب.
  11. ضعف مبدأ الاستقلالية الحزبية.
  12. التشظيات الحزبية كنتيجة لضعف القاعدة الديمقراطية في الأحزاب.
  13. تأثر الأحزاب بتراث العمل السري.
  14. حضور عقلية التآمر والشك والإقصاء في الحياة الداخلية للأحزاب.
  15. ممارسة الإرهاب المادي والمعنوي ضد الأقلية والمعارضة الحزبية.
  16. تحطيم المؤسسات الحزبية وتحويلها تدريجياً إلى أجهزة حزبية لصفوة حزبية قوية.
  17. النفور من النقد الهادف وتصور كل نقد وكأنه هادم للعمل الحزبي وضد المصلحة الوطنية.
  18. ممارسة الديمقراطية الحزبية بشكلية واختزال الديمقراطية في انتخابات حزبية ضعيفة ومحسومة مسبقا.
  19. سيطرت نخب حزبية على هذه الأحزاب, والتي أدمنت الفردية والشمولية والاحتراف السياسي ولا تقوي العيش دون المناصب والوجاهة, وأصيبت بمرض المسئولية وعلى أنها قيادة تاريخية يتعذر السير بدونها.


الخلاصة


الأحزاب الرئيسية الثلاثة (المؤتمر, الإصلاح, الاشتراكي), هي أحزاب مشدودة للتراث الشمولي بنسب متفاوتة ومن الصعوبة عليها الولوج في ديمقراطية داخلية عميقة, لأن ذلك يهدد مصالح النخب الحزبية

مما تقدم يتضح أن الأحزاب الرئيسية الثلاثة (المؤتمر, الإصلاح, الاشتراكي), هي أحزاب مشدودة للتراث الشمولي بنسب متفاوتة ومن الصعوبة عليها الولوج في ديمقراطية داخلية عميقة, لأن ذلك يهدد مصالح النخب الحزبية التي قد تطبعت بعادة الإقصاء والفردنة والشخصنة للمؤسسات والهيئات الحزبية ولا ترجو إلا سماع صوتها, ولا يحلو لها ممارسة العلنية والشفافية واحترام الرأي والرأي الآخر والتسامح والمشاركة في صنع القرار.

وهذا القول لا ينفي وجود ممارسات ديمقراطية أولية في هذه الأحزاب, حيث توجد أجنحة ديمقراطية في هذه الأحزاب, إلا أن هذه الأجنحة الديمقراطية غير مؤثرة التأثير الكافي على مسار الحياة الديمقراطية الداخلية في هذه لأحزاب.

إن الأجنحة المتنفذة في هذه الأحزاب هي صفوات حزبية تفتقر للروح الديمقراطية, وتمارس طقوساً ديمقراطية احتفالية.

ولقد أثبت عالم الاجتماع الألماني "روبرت ميشلر", في كتابه "الأحزاب السياسية", أنه لا توجد ديمقراطية في الأحزاب, وأن الديمقراطية لا تحتكرها في الحزب إلا الأقلية الأليجاركية, والتي تسيطر على قوة القرار, وتتحكم بالمال والسلطة والإعلام في الحياة الداخلية للأحزاب.


وبعض كتاب مدرسة الإستشراق يعتبرون أن هذه المشكلة مقصورة على الأحزاب في المجتمعات العربية الإسلامية (11).

إن الأحزاب في العالم العربي بالذات, هي تلك التي لم تصل إلى السلطة تعاني من أزمة ديمقراطية داخلها. فهي تقمع الآراء المعترضة ولا ترحب بالحوار وتمارس الديكتاتورية على أعضائها وقد تلجأ إلى التصفيات الدموية للخارجين عن سيطرة القيادة الحزبية, وتكرس عبادة الفرد. هذه الحقيقة يؤكدها استمرار عدد كبير من القيادات الحزبية العربية في قيادة أحزابهم عشرات السنين أو حتى يوافيهم الأجل.

وفي أكثر الأحيان تتسم الانتخابات الحزبية بالشكلية والإخراج المبرمج الذي ينتهي دائماً بتجديد الولاء والمباركة للقيادة التاريخية (12).


ولا شك أن هناك تفاعلاً وتأثيراً في الحياة الديمقراطية في المجتمع, والممارسات الديمقراطية في الأحزاب السياسية, فالمجتمع المدني والمتطور والديمقراطي يؤثر على ممارسات الديمقراطية الحزبية في إطار الأحزاب السياسية, والأحزاب السياسية عندما تمارس الديمقراطية تكون بذلك قد قدمت أنموذجاً في السلوك الديمقراطي وتشكل بذلك مدرسة للتنمية الديمقراطية في المجتمع.

ومن ثم فإن إشاعة ثقافة الديمقراطية في الأحزاب السياسية أمر حيوي, وينبغي أن يتضمن ذلك على الأقل إجراء انتخابات مفتوحة وتنافسية لإختيار القيادات الحزبية (13), وممارسة التعدد والحوار والتسامح والإنفتاح والإقلاع عن المركزية الشديدة وأساليب الهيمنة على كل شيئ حتى على الفكر والضمير وعدم الإنتقائية في ممارسة الديمقراطية في الحياة الحزبية وعدم التمييز بين الأعضاء والهيئات بما يخل بالتوازن الحزبي, فالسرية والتكتم وعقلية التآمر والجمود الفكري والعقائدي معضلات تحول دون ممارسة ديمقراطية حقيقية في الحياة الداخلية للأحزاب.

للتعليق والتعقيب على المقالة اضغط هنا

_______________
أستاذ علم الاجتماع المشارك، كلية التربية، جامعة عدن
المراجع