جيمي كارتر رفض التواري وظل يلعب دور الوسيط في كثير من نزاعات العالم (رويترز-أرشيف)

رغم أنه غادر رئاسة البيت الأبيض منذ حوالي ثلاثة عقود، فإن جيمي كارتر اشتهر بين الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأميركية بكونه رفض التواري عن الأنظار وظل اسمه يحتل مساحة لا بأس بها من المسرح السياسي الدولي.

فقد فضل الرئيس التاسع والثلاثون للولايات المتحدة الاستمرار في مسار سياسي خطه لنفسه، حتى إنه لا يزال يبحث، وهو الشيخ في الرابعة والثمانين، للصراع العربي الإسرائيلي عن اتفاق سلام مثل الذي رعاه بين مصر وإسرائيل عام 1979 يوم كان في الخامسة والخمسين من العمر.

كل الإنجازات التي يذكرها التاريخ لكارتر –المولود في مدينة بلينز بولاية جورجيا في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1924- حققها في السياسة الخارجية لبلاده، وهي إنجازات اعتبرها المراقبون ثمرة لـ"دبلوماسية ناعمة" انتهجتها إدراته.

تحديات داخلية
فبعدما انتخب في 1977 رئيسا، رعى مفاوضات توصلت إلى أول وثيقة سلام بين إسرائيل ودولة عربية، حيث أشرف عام 1979 على توقيع اتفاقية كامب ديفد بين الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل مناحيم بيغن. وفي عهده أيضا اعترفت بلاده بالصين الشعبية وأقامت معها علاقات دبلوماسية. كما أنه الرئيس الأميركي الذي وقع اتفاقية الحد من التسلح النووي مع الاتحاد السوفياتي السابق يوم 27 سبتمبر/أيلول 1977.

كارتر زار إسرائيل العام الماضي دون أن يستقبله مسؤولوها (رويترز-أرشيف)
ورغم أن له بعض البصمات أيضا في السياسة الداخلية لبلاده مثل استحداثه وزارتي التعليم والطاقة، فإنها لم تصمد أمام ثقل المشاكل الاقتصادية التي واجهته متجسدة في تفاقم البطالة وارتفاع معدل التضخم، والتي قضت على آماله في ولاية ثانية، وقدمت كرسي الرئاسة على طبق من ذهب لمنافسه الجمهوري رونالد ريغان، الذي تقدم عليه في انتخابات 1981 بحوالي عشر نقاط.

وحتى مع النجاح الذي حققه على الصعيد الخارجي، الذي شهد له به بعض خصومه، فإن مشكلة خمسين موظفا أميركيا في سفارة واشنطن بطهران خطفهم مسلحون إيرانيون واحتجزوهم 444 يوما وفشله في إيجاد حل لها، غطت على ما سواها وساهمت بدورها في حرمانه من العودة إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، بل من نكاية الزمان به أن أفرج عنهم الخاطفون في اليوم نفسه الذي تولى فيه خلفه السلطة.

الغوص في النزاعات
وسيطا للسلام، غاص كارتر في مشاكل النزاع بشتى قارات العالم، مثلما غاص في أعماق البحار سبع سنوات عندما اشتغل على متن الغواصات النووية التابعة للبحرية الأميركية بين عامي 1946 و1953، قبل أن يستقيل بعد أن مات أبوه ويعود إلى مسقط رأسه ليدير مزارع الفستق المملوكة لعائلته.

انخرط كارتر بعد مغادرته البيت الأبيض –الذي وصل إليه بعد مشوار لا بأس به في الكونغرس وبعد أن تولى السلطة حاكما لولاية جورجيا- في حل النزاعات بإثيوبيا وإريتريا وكوريا الشمالية وليبريا وهاييتي والبوسنة والهرسك والسودان والنيبال والإكوادور وكولومبيا، ومناطق أخرى عديدة، كما شارك مراقبا دوليا للانتخابات في عدة بلدان منها هاييتي ونيكاراغوا وإثيوبيا وبنما وإندونيسيا وفلسطين.

وعلى عكس شريكيه في اتفاق كامب ديفد، السادات وبيغن اللذين تقاسما جائزة نوبل للسلام عام 1978، فإن أنظار لجنة هذه الجائزة لم تلتفت إلى كارتر إلا في عام 2002 بعد أن قدرت أنه لعب دورا مهما في إحلال السلام بعدة مناطق في العالم، وذلك بعد عشر سنوات من إنشائه مؤسسة كارتر التي حدد لها أهدافا من قبيل حل النزاعات وتشجيع الديمقراطية والتنمية الإنسانية في العالم.

كارتر من السياسيين الأميركيين القلائل الذين التقوا مشعل وقادة حماس (الأوروبية-أرشيف)
انتقاد إسرائيل
ومثلما جعلته اتفاقية كامب ديفد مشهورا في العالم العربي لإدراكه أن "أسماء غير مألوفة لدى الأميركيين كسيناء والعقبة وشرم الشيخ ورأس النقب وغزة والضفة الغربية، يمكن أن يكون لها تأثير مباشر وعاجل على الولايات المتحدة"، كما قال خلال خطاب له أمام الكونغرس يوم 18 سبتمبر/أيلول 1978، فإن اهتمامه المتواصل بالصراع العربي الإسرائيلي لا يزال يقذف به إلى واجهة الأحداث، خصوصا بعد زيارته منذ عام تقريبا سوريا ولبنان والتقائه مسؤولين من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بينهم رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل.

ولكارتر –المسيحي الذي لم ينقطع منذ صغره عن زيارة الكنيسة المعمدانية- مواقف ينتقد فيها بشدة الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006، كما استنكر الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ورفض ما اعتبره استغلالا من إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش للتفجيرات التي ضربت واشنطن ونيويورك يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001، وطالب بإعادة التحقيق في هذه الأحداث واتهم الصحافة الأميركية بأنها لم تتحرك ولم تعمق البحث في هذه القضية.

وعلى عكس الكثير من المسؤولين الأميركيين، سواء الحاليين أو السابقين، فإن كارتر غير مرحب به في دوائر السياسة الإسرائيلية، بل إنه زار إسرائيل السنة الماضية ولم يلتقه أي مسؤول فيها خصوصا بعد أن أصدر كتابه "فلسطين: سلام لا عنصرية"، واعتبر أن الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين لا تختلف في شيء عما مارسه نظام الميز العنصري ضد السود في جنوب أفريقيا. وهي مواقف أزعجت الإسرائيليين رغم أن كارتر لم يقلها إلا بعد عقود من تخلصه من أعباء وقيود مسؤولية البيت الأبيض.

شارك برأيك