عضو الكنيست العربي صالح طريف يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون

*بقلم/ جلال الدين عز الدين علي

"الديمقراطية" التي أصبحت كلمة سحرية في الخطاب السياسي والأكاديمي والإعلامي في مختلف أنحاء العالم، مصطلح لا يوجد اتفاق عليه بين الدارسين، وتتعدد الاتجاهات بشأن تعريفه، فمنها ما يركز على توافر الحريات العامة في المجتمع السياسي لكي يكون مجتمعا ديمقراطيا، ومنها ما يركز على قدرة المحكومين على اختيار حكامهم ومحاسبتهم واستبدالهم من خلال التداول السلمي للسلطة، ومنها ما يركز على خضوع الجميع لسيادة القانون، ومنها ما يركز على نمط الحياة والقيم الثقافية السائدة كالانفتاح والتسامح واحترام الرأي الآخر.

وتثير الديمقراطية إشكاليات عديدة بشأن عملية صنع القرار، خاصة في مجتمع متعدد الثقافات، حول تمثيل مختلف هذه الثقافات، والعلاقة بين الأغلبية والأقلية، التي تنعكس في النهاية على عملية توزيع الموارد المادية والرمزية بين فئات المجتمع، وتحديد خياراته الإستراتيجية.

وتبين دراسة النموذج الإسرائيلي في الديمقراطية أن هذا النموذج محكوم من البداية بمشكلة رئيسية تجعل أي ملمح من ملامح الديمقراطية السابقة مشوها إلى أبعد الحدود، وهذه المشكلة هي مسألة شرعية الوجود التي لم تزل تتحدى هذا النموذج في مختلف جوانبه، وتجعل الحديث عن ديمقراطيته نوعا من التطبيع لكيان شاذ يحاول فرض نفسه بالقوة على واقع لا يقبله.

إسرائيل دولة احتلال
محاولات إسباغ الشرعية على الوجود
اليهودية والديمقراطية
الصهيونية والديمقراطية
العسكرة والديمقراطية

إسرائيل دولة احتلال


الديمقراطية الإسرائيلية -إن وجدت- مجرد وسيلة لتنظيم الصراع بين التشكيلات المتباينة التي يتكون منها مجتمع الغزاة، وبين السكان الأصليين الذين لم يتمكن الغزاة من طردهم، وأصبحوا في النهاية أقلية في دولة الاحتلال
المجتمع الإسرائيلي لم ينشأ ويتطور في فلسطين بشكل طبيعي، ولكنه مجتمع حديث التكوين، ويتسم بما يلي:

  1. يجري تشكيله من خلال التراكم الفسيفسائي لجماعات استيطانية مختلفة، تواترت على فلسطين في شكل موجات من المهاجرين، ولم تزل عملية التشكيل مفتوحة، وقابلة للزيادة والخصم حسب اتجاهات الهجرة الوافدة والهجرة المغادرة. وتمنح إسرائيل مواطنيتها لكل يهودي في العالم بصرف النظر عن تعريف اليهودية، وعما إذا كان ذلك اليهودي يريد "التمتع" بهذه المواطنة. وقد بدأت إسرائيل تستقطب مهاجرين غير يهود كما تشير هجرة اليهود السوفيات والفلاشا في نهاية القرن العشرين.
  2. هذه الهجرات لا تتحكم فيها اعتبارات عادية مثل أي مجتمع طبيعي، ولكنها تتحدد بناء على المناخ الإقليمي والعالمي السائد، فتزداد في الأوقات التي ترتفع فيها معدلات العنصرية ضد اليهود ومعاناتهم، كما كان الأمر خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، مع إغلاق أبواب الهجرة أمامهم إلى مجتمعات أخرى مستقبلة للمهاجرين مثل الولايات المتحدة الأميركية، وهو النموذج الذي تكرر مؤخرا مع هجرة "اليهود" السوفيات خلال التسعينيات من القرن العشرين. وكذلك تؤثر فيها أجواء الصراع العربي الإسرائيلي، ومدى الفراغ الذي يسمح لإسرائيل بالتمدد والازدهار واستيعاب المزيد من المهاجرين، أو بالعكس يجعلها تنحسر وتذبل، كما يحدث الآن بسبب المقاومة الفلسطينية، حيث يتراجع معدل الهجرة الوافدة ويزداد معدل الهجرة المعاكسة.
  3. ارتبط وجود ذلك المجتمع بالعنف ضد الفلسطينيين، ولا يزال استمراره مرهونا بفعل الشعب الفلسطيني، ومدى قابليته للانخلاع من أرضه لإحلال المستوطنين محله. كما قصر من البداية صلاحية استقدام المهاجرين على الطرف المستعمِر، وأطلقها بلا حدود، وحرم الطرف المتضرر من الاستعمار من استقدام أي مدد بشري خارجي، أو على الأقل استعادة اللاجئين الفلسطينيين الذين تم طردهم خلال معارك إقامة هذا المجتمع المصطنع لكي يصبح الغزاة أغلبية مسيطرة، ولا يزال يحاول التضييق على الوجود الفلسطيني المتبقي ودفعه إلى الهامش، تمهيدا لإخراجه من الأرض، أو حتى التهديد بذلك علانية من خلال فكرة الترحيل. وهو ما يعكس استمرار الطبيعة الاستيطانية الإحلالية للوجود الإسرائيلي.

في هذا السياق تصبح الديمقراطية -إن وجدت- مجرد وسيلة لتنظيم الصراع بين التشكيلات المتباينة التي يتكون منها مجتمع الغزاة، وبين هذه التشكيلات التي تمثل الأغلبية وبقايا المجتمع الأصلي الذين لم يتمكن الغزاة من طردهم، وأصبحوا في النهاية جزءا من دولة الاحتلال ويمثلون الأقلية.

محاولات إسباغ الشرعية على الوجود

حاولت الصهيونية، شأنها شأن أية حركة استعمارية، إضفاء غلالة من الشرعية على عملية الاستعمار، التي تضمنت شقين، هما نقل مهاجرين أجانب إلى فلسطين وطرد الشعب الفلسطيني من وطنه. وتعددت هذه الغلالات أو الديباجات وتجاورت في الواقع برغم تناقضها، وذلك لهدف كسب مختلف الأصوات لتأييدها:

  • فكانت الديباجات اليهودية الدينية لجذب المتدينين، من قبيل أن الهجرة إلى فلسطين هي "عالياه" أو صعود إلى "أرض الميعاد". وذلك على الرغم من أن الديانة اليهودية تحظر على اليهود الهجرة إلى فلسطين بشكل جماعي، وتأمرهم بانتظار المسيح اليهودي ليعود بهم إلى صهيون.
  • وكانت الديباجات "القومية" لجذب اليهود العلمانيين، من قبيل أن الهجرة إلى فلسطين هي مساهمة في تطبيع "الشعب اليهودي" وجعله "أمة (nation) مثل بقية الأمم" لها "وطن قومي". وذلك على الرغم من أن اليهود يشكلون قوميات مختلفة، ولا يرغب كثير منهم في الهجرة إلى فلسطين.
  • وكانت الديباجات الاشتراكية لجذب اليهود المتحمسين للثورة الاشتراكية، من قبيل اعتبار أراضي فلسطين ملكية عامة للدولة، واتباع نماذج المزارع الجماعية والكيبوتزات، والتخطيط المركزي، وهي سياسة في مظهرها اشتراكية أو شيوعية، ولكنها ليست بدافع اشتراكي أو شيوعي، ولكن بدافع التحكم في الأرض وحرمان أصحابها منها، ومراكمة الموارد للكيان الناشئ، وتخريج قيادات عسكرية وإدارية لإدارة المشروع الصهيوني في فلسطين، فضلا عن كسب تعاطف المجتمعات الاشتراكية في الخارج، في الشمال والجنوب على السواء.

وفي هذا السياق فإن الديمقراطية تأتي أيضا كديباجة جديدة لتقديم المشروع الصهيوني في فلسطين بمظهر لائق أمام مستوطنيه وأمام المجتمع الدولي.

اليهودية والديمقراطية

لا يفيد كثيرا البحث في ما تتضمنه اليهودية- كديانة- من وصايا وقيم، وعلاقة ذلك بالديمقراطية، وذلك لسبب مبدئي أولا، وهو عدم إخضاع الدين لنظرية أو أيديولوجية أو فلسفة أو مذهب وضعي. فلا يحكم على الأديان بمعيار مدى علاقتها بالديمقراطية، ولكن تقاس الديمقراطية في المقابل بمدى تحقيقها لقيم الأديان، التي تظل مقدسة ومعيارية.

وثانيا، وفي ما يتعلق باليهودية تحديدا، يجب ملاحظة أنها:

  • نسق مفتوح يشمل، إلى جانب النص الإلهي المقدس، اجتهادات الحاخامات المختلفة على مر العصور، وتفسيراتهم التي تبلغ مكانة أعلى من النص المقدس عند بعض المذاهب، وتعتبر في الغالب مقدسة، بسبب الطبيعة الحلولية لليهودية، وامتداد خيط القداسة من الله إلى الحاخامات إلى الشعب والأرض، بحيث يصير كل شيء يهودي مقدسا في النهاية، بما في ذلك أعمال قتل الفلسطينيين وتهويد أرضهم.
  • تتضمن الشيء ونقيضه، وسيجد من يبحث فيها عن التسامح والانفتاح والمسالمة ضالته، كما سيجد أيضا العدوان والعنصرية والانغلاق.
    تعدد المذاهب اليهودية وتناقضها بشأن ما يمكن اعتباره كتبا مقدسة، وما لا يمكن اعتباره كذلك، فضلا عن اختلافاتها في أمور العبادة والموقف من الآخر.
  • سلوك الإسرائيلي بفرض انتمائه إلى الديانة اليهودية لا ينبع من نصوص هذه الديانة، ولكن تمليه اعتبارات تكوينه الثقافي والاجتماعي والبيئة المحيطة، خصوصا في ظل تعددية المجتمع اليهودي الإسرائيلي، وافتقار اليهودية إلى مركز يتجه إليه اليهود بالولاء ويستمدون منه تعاليمهم. والأهم من ذلك هو الوضع الذي يعيشه في جماعة استيطانية غازية تفرض عليه نمط حياة المستوطنين الغزاة، بصرف النظر عن التزامه الديني.
  • أنه لا يوجد أدنى اتفاق على تعريف من هو اليهودي داخل إسرائيل أو خارجها، ولا يزال هذا الأمر محل صراع حاد بين القوى الدينية على اختلافها والقوى العلمانية. كما يثير مشكلات عميقة بين يهود إسرائيل -ومعظمهم من الأرثوذكس- ويهود الولايات المتحدة، ومعظمهم من المحافظين والإصلاحيين والتجديديين. وهي صيغ مخففة من اليهودية، تقتصر على بعض الرموز الفلكلورية، ولا تنصرف إلى منهج الحياة أو الالتزام بأوامر ونواه.

إن هذا المنظور في فهم اليهودية كديانة، واستبعادها من تحليل ما يوصف بـ "الديمقراطية الإسرائيلية"، لا يعني تجاهل الواقع القائم في إسرائيل، وتعريفها نفسها في قوانينها الأساسية باعتبارها "دولة الشعب اليهودي"، وأنها "دولة يهودية وديمقراطية"، وتخصيصها نصيبا من الحياة العامة للمتدينين في ما يتعلق بالمناسبات العامة وقوانين الأحوال الشخصية، علما بأن هذه المجالات قد تقلصت في الأعوام الأخيرة، ونمت إلى جانب المؤسسات الحاخامية مؤسسات علمانية موازية، كمحاكم الأسرة التي تعنى بالزواج والطلاق المدنيين، ولكن يمكن دراسة ذلك ضمن التوظيف العلماني الاستعماري لليهودية، الذي أراد تشكيل هوية للمجتمع الاستيطاني في فلسطين في مواجهة هوية السكان الأصليين، وإسباغ القداسة الدينية أو القومية على ما يقومون به من أعمال، هي في الحقيقة مناقضة للدين اليهودي. وكانت هذه الهوية ضرورية في مراحل تأسيس هذا المجتمع التي كانت تشهد "المسألة اليهودية" في أوروبا، واتجاه النخب الأوروبية إلى حلها من خلال التخلص من اليهود بإرسالهم إلى فلسطين أو إبادتهم. فكان من اللازم إيجاد صيغة يهودية لمخاطبة المجتمع اليهودي المستهدف.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن الأمور انقلبت، فصارت "المسألة اليهودية" هي مشكلة اليهود في إسرائيل، في حين يعيش اليهود في أوروبا والولايات المتحدة وغيرهما حياة طبيعية. فقد بدأ الإسرائيليون ينظرون إلى مسألة الهوية اليهودية بنظرات شتى، تعبر عن الصراع بين المجموعات المختلفة التي يتكون منها المجتمع الإسرائيلي، ويحاول فريق منهم التخلص من هذه المشكلة من خلال التوصل إلى صيغة ديمقراطية لا يهودية للتعايش في ما بين هذه الفئات المختلفة، وللتعايش بين مجتمع الأغلبية الاستيطانية ومجتمع الأقلية الفلسطيني، الذي تظل معاناته شاهدا على غياب الديمقراطية. وقد دفع إلى هذا الاتجاه تحلل الإجماع "القومي" الصهيوني الذي فرض تعريفا معينا لليهودي هو التعريف القومي العلماني، واقتصر في الغالب على اليهودي الأبيض، وهمش الاتجاهات الشاذة الأصولية، إلى أن بدأ هذا الإجماع في السقوط بسبب أربعة تحديات عميقة هي:

  1. هجرة يهود العالم الإسلامي (الشرقيين) في الخمسينيات والستينيات إلى إسرائيل، وتحديهم للهوية الصهيونية الغربية للدولة، وتمسكهم بنمط تدينهم الشعبي التقليدي. وهؤلاء شكلوا حوالي نصف سكان الدولة، وأثروا هيكليا في إضفاء نوع من التعددية الإثنية عليها لم يعد من الممكن تجاهله، خصوصا مع تداخل البعد الديني في فكر هؤلاء وممارساتهم مع البعد الطائفي والثقافي، بحيث أصبح الأمر مختلطا في تعريف قوة سياسية مثل "شاس": هل هي دينية أم يهودية شرقية؟ وهذا التداخل مكن هذه القوة بالذات من الصعود على أكتاف الشرقيين، بصرف النظر عن مدى التزامهم الديني، لتصبح ثالث قوة برلمانية، وفرضت قواعدها على اللعبة السياسية الإسرائيلية من خلال إستراتيجية المشاركة المستمرة في الحكم والتحالف المستمر مع المعارضة، بهدف اعتصار التنازلات من القوى الصهيونية السائدة، وتوفير الدعم لشبكات خدماتها التي اعتبرت إمبراطورية كبيرة داخل إسرائيل. وبدأت تؤثر تأثيرا هاما في هوية الدولة وتوزيع مواردها، بحيث أصبحت تحديا حقيقيا لمختلف القوى السياسية الصهيونية في إسرائيل، والاتجاهات الحريصة على الطابع الديمقراطي والعلماني المنشود للدولة.
  2. منح الحقوق السياسية للأقلية الفلسطينية في إسرائيل منذ عام 1966، وتدرج هؤلاء من التأثير في النظام السياسي الإسرائيلي من خلال الأطر الصهيونية واليهودية العربية، إلى الأطر الفلسطينية الصرف، وخصوصا في العقد الأخير، حيث صار لهم 13 نائبا في الكنيست الإسرائيلي معظمهم من أحزاب فلسطينية. وبعض هؤلاء لا يطالبون فقط بنصيب من الميزانيات أو الخدمات المخصصة للوسط العربي في إسرائيل، ولكنهم يتحدون الهوية اليهودية للدولة، ويطالبون بحقوقهم على أساس جماعي، بناء على خيارين متكاملين: دولة ثنائية القومية، ودولة لجميع مواطنيها.
  3. هجرة "اليهود" السوفيات، ومعظمهم ليسوا يهودا، وقد صبت هذه الهجرة الوقود على الصراع المشتعل حول من هو اليهودي بين المتدينين والعلمانيين، وبالمثل الصراع بين الشرقيين والغربيين، وكذلك الصراع بين الأقلية الفلسطينية والأغلبية الاستيطانية. وما يعنينا هنا أنه في حين اعتبرتهم المؤسسات الحاخامية والقوى الأرثوذكسية أغيارا، فقد تبنوا تعريفا جديدا لمن هو اليهودي، وهو من يربط نفسه بمصير الشعب اليهودي. ويذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين سئل في موسكو في ذروة الهجرة السوفياتية لإسرائيل، هل تعلمون أن معظم هؤلاء المهاجرين ليسوا يهودا؟ فكانت إجابته: لا تقلق فسيكونون يهودا. وبذلك تكون إسرائيل عرفت نفسها عمليا بأنها ليست فقط "دولة الشعب اليهودي"، ولكن أيضا من يمكن أن يكون يهوديا! وهذا تعبير عن عمق الأزمة الاستيطانية التي تواجهها، وحاجتها الملحة إلى موازنة تفوق الشعب الفلسطيني في معدلات التزايد السكاني، من خلال الهجرة ولو كانت غير يهودية، مع تبعات ذلك على هويتها.
  4. أخيرا، يشار إلى التحول العالمي باتجاه يسوده الاستقطاب بين رؤيتين: إحداهما دينية والأخرى علمانية ما بعد حداثية، فردية ونسبية، لا وجود فيها لرابط جماعي على غرار الصهيونية التي عرفت نفسها بأنها الحركة القومية للشعب اليهودي. ومعظم الأجيال الجديدة التي ولدت في إسرائيل، وخاصة من ذوي الأصول الغربية، تتبنى هذا الخيار الآن، ولا تبالي كثيرا بمسألة "اليهودية" و"الشعب اليهودي"، وتتمثل النموذج الأميركي في التفكير ونمط الحياة، الذي يجعل الهدف من الدولة هو خدمة الأفراد وليس التعبير عن الأمة ككيان اجتماعي، ويجعل الأفراد يتنافسون في الحصول على أفضل الفرص في التعليم والثقافة والخدمات والمظاهر، وليس التضحية من أجل الهدف القومي، وفي هذا السياق يحصر الدين في النطاق الفردي لمن أراد التدين.

هؤلاء هم الذين يشكلون النخبة الإسرائيلية الآن، ويتبنى معظمهم اتجاهات توصف بأنها ما بعد صهيونية، أو يطلق عليهم وصف "اليسار الجديد" تمييزا عن اليسار الصهيوني القديم. وهم يؤكدون ضرورة أن تكون إسرائيل دولة "إسرائيلية"، وليست "يهودية"، باعتبار أن الهوية اليهودية تتعارض مع الديمقراطية. إذ تكرس سيطرة المتدينين على المجتمع الإسرائيلي، وسيطرة اليهود متدينين وغير متدينين على الأقلية العربية، وتنحو نحوا ما قبل حداثي تقليديا وانغلاقيا في ظل عولمة يسودها ما يوصف بأنه قيم إنسانية عالمية.

هذه العوامل تكشف عن أزمة في تعريف إسرائيل كدولة يهودية، وتبين مدى التعارض بين الأفهام الإسرائيلية المختلفة لمعنى اليهودية، والهدف من الدولة. وهي تساؤلات تدل على أزمة شرعية الوجود، التي لم تزل تعانيها. وفي كل الأحوال تبقى الديمقراطية هي الضحية، إذ تستغل لتنظيم الصراع وإبقائه في حدود الوسائل السلمية ومنع انفجاره، وليس لبناء الأمة وتحقيق التوافق العام كما في أي مجتمع طبيعي.


الصهيونية والديمقراطية


تفرض على عرب 1948 قيود كثيرة في البناء والتوسع العمراني، ولا يتم الاعتراف بمدنهم، ولا تذكر في الخرائط، ولا تمد بالخدمات اللازمة، من أجل تهميش سكانها لإجبارهم على الرحيل

جوهر الصهيونية معاد للديمقراطية ولاإنساني، سواء تجاه اليهود الذين تم استئصالهم من مجتمعاتهم من خلال الترحيل والإبادة، أو الفلسطينيين الذين كان من المحتم لإقامة الدولة الصهيونية استئصالهم أيضا بالإبادة والطرد. ولا يحتاج المرء إلى كثير من البحث للتعرف على الطبيعة العنصرية الإرهابية للصهيونية، التي يمكن الإشارة إلى بعض مظاهرها في ما يلي:

العنصرية ضد اليهود
تعتبر الجرائم الصهيونية بحق اليهودي مركبة، فهي تستأصله من مجتمعه وتدفع به إلى فلسطين ليواجه مخاطر القتال والصراع لصالح القوى الاستعمارية الكبرى، وتسمي ذلك إنقاذا له وتحقيقا لهويته اليهودية، وذلك رغم أن اليهودية تأمر بعدم تحقيق الخلاص بالطرق البشرية وانتظار الخلاص الرباني، وأن تحقيق الهوية يتم داخل السياق الحضاري للفرد وليس بنزعه من سياقه وشتله في سياق معاد.

وهكذا خلقت الصهيونية تمييزا واضحا بين اليهود، فيهود الغرب المندمجون في أوطانهم تطور وجودهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشكل طبيعي بمعزل عن مخاطر الصراع، ولصالح أنفسهم، ولم يرتبط مصيرهم بقوى خارجية. في حين ينمو وجود اليهودي في فلسطين نموا مشوها بالصراع الخارجي والعمالة للاستعمار. وقد تم ذلك التمييز عن عمد، حيث لم تكن الصهيونية تستهدف خدمة اليهود، ولكن التخلص منهم، وتسخيرهم لخدمة السياسات الاستعمارية. وعند هجرتهم أو تهجيرهم من بلدانهم الأصلية، تم إغلاق الأبواب أمامهم ليذهبوا في طريق واحد إلى الهدف الاستعماري. والمحظوظون منهم من وجدوا فرصة للالتحاق بالدول الغربية. ولم يزل الكثير من اليهود يعتبرون إسرائيل محطة عبور إلى الغرب، وخاصة الولايات المتحدة. كما لم يزل المهاجرون من دول أوروبية يحتفظون بجوازات سفرهم الأصلية، وتضاعفت خلال الانتفاضة الحالية مطالب المستوطنين بالحصول على جوازات سفر غربية، تمهيدا للانسحاب والفرار عندما تشتعل المواجهات مع السكان الأصليين.

وبالنظر إلى علاقة المشروع الصهيوني في فلسطين بيهود الخارج، يلاحظ أنه كمشروع سكاني بالدرجة الأولى، وفي حاجة دائمة إلى مهاجرين، كان يتغذى دائما على كوارث اليهود، من أجل تهجيرهم لفلسطين وبناء المجتمع الاستيطاني، وفي حين احتكرت إسرائيل ذاكرة المذابح الأوروبية ضد اليهود، وخاصة المذابح النازية، واعتبرت نفسها الوريث الشرعي لهم والمدافع عن حقوق الناجين منهم رمزيا وماديا، فإن المؤرخين الإسرائيليين بدؤوا يؤكدون أن الزعماء الإسرائيليين نظروا إلى تلك المذابح على أنها فرصة لزيادة النمو الاستيطاني في فلسطين، وتعاونوا مع النازية. والأسوأ من ذلك أنهم اقتصروا في عمليات إنقاذ الناجين على من يمكنه المساهمة في الاستيطان في فلسطين، وأهملوا العجزة والمرضى. وقد تكرر ذلك كنمط ثابت في الهجرات اليهودية المختلفة التي أشرفت عليها المنظمات الصهيونية، حيث كانت تقوم بعملية انتقاء طبيعي للمهاجرين، وتترك الضعفاء لمواجهة مصيرهم.
أما داخل إسرائيل، فطالما اضطهد اليهود الشرقيون، الذين وفدوا إلى إسرائيل بعد تأسيسها، فتم التعامل معهم على أنهم لاجئون يهود، حيث لم يشاركوا في الأسطورة القومية للدولة (الهولوكوست)، أو عملية بناء المجتمع الاستيطاني في فلسطين قبل إعلان الدولة، وينتمون إلى سياق حضاري معاد، وبهذا أبقوا في منزلة متدنية، وتم التعامل معهم باعتبارهم مادة لزيادة الوجود اليهودي في مواجهة العرب، ومخزن أصوات للأحزاب الغربية المسيطرة، وقاعدة للهرم الإنتاجي بدلا من القاعدة الفلسطينية، وأخيرا مادة قتالية وحاجز أمان، حيث تم توزيعهم على المستعمرات الحدودية وخطوط القتال الأمامية ضد الدول العربية.

وقد وصل اليهود الشرقيون في إسرائيل إلى مناصب رفيعة في مختلف المجالات تقريبا، وخاصة يهود المشرق العربي كالعراقيين، إلا أنهم استوعبوا في إطار الدولة الصهيوني الغربي، ولا يزالون يكافحون من أجل الحصول على تمثيل متساو في الجوانب الرمزية والمادية. وفي بعض الأحيان تضطر القيادات الصهيونية الغربية لتهدئتهم كما فعل رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك بالاعتذار لهم باسمه وباسم حزب العمل عن المآسي التي تعرضوا لها في عملية استيعابهم، ولكن يبقى ذلك ضمن التوظيف النفعي لهم كمخزن أصوات، ودليل ذلك استمرار الفجوات الواسعة بين الطرفين في مستوى التعليم ومعدلات الجريمة ومستوى الدخل، وغيرها من الأمور التي تكشف الوجه العنصري للصهيونية.

العنصرية ضد المواطنين الفلسطينيين
يبلغ تعداد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل قرابة مليون نسمة، ويشكلون حوالي 20% من السكان، وقد خضعوا للحكم العسكري منذ إعلان الدولة في 1948 حتى 1966، ولا يحظى هؤلاء بالمساواة مع المواطنين الآخرين. وتتعامل معهم السياسة الإسرائيلية كأقلية معادية، شأنها شأن بقية الشعب الفلسطيني والعرب عموما، ويتضح ذلك من خلال عديد من المؤشرات، منها:
ابتداء يعتبر "يوم الاستقلال" الرسمي للدولة هو نفسه يوم النكبة بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين، الذي تم فيه إعلان قيام الدولة الاستيطانية على أنقاض مجتمعهم، وفقدوا أقاربهم الذين تحولوا إلى لاجئين، وأراضيهم التي صودرت لصالح المستوطنين وللأغراض العسكرية.
ورغم أن هذه الأراضي اعتبرت "أراضي دولة"، فهي تمنح لليهود فقط، ويحرم منها الفلسطينيون.

يعيش بعض الفلسطينيين في إسرائيل بصفتهم لاجئين، حيث تعرف السلطات الإسرائيلية اللاجئ بأنه الفلسطيني الذي كان في أراض تحتلها دولة معادية أثناء حرب 1948، وحتى بعد دخول تلك الأراضي إلى الولاية القانونية لإسرائيل بعد انسحاب الجيوش العربية وإنشاء الدولة، لا يزال هؤلاء "لاجئين"، ويسمون "الحاضرين الغائبين"، ولا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم ومنازلهم التي حولت إلى "القيِّم على أملاك الغائبين"!.

وتفرض على المواطنين الفلسطينيين قيود كثيرة في البناء والتوسع العمراني، ولا يتم الاعتراف بمدنهم، فلا تذكر في الخرائط، ولا تمد بالخدمات اللازمة، من أجل تهميش سكانها لإجبارهم على الرحيل. وفي الغالب توكل قضاياهم إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

ولا يتساوى الفلسطينيون واليهود في الدخل وفرص التعليم والوظائف، سواء في القطاع الخاص أو العام، ولا يعملون في الأعمال المتطورة المرتبطة بالقطاع العسكري المقتصرة على اليهود.

أما من حيث المشاركة السياسية فتوجد فوارق هيكلية بين أحزابهم التي لا تتلقى أي دعم من أطراف خارجية، ويعتبر اتصالهم بالدول العربية عملا معاديا للأمن الإسرائيلي. وفي المقابل يعتبر كثير من الأحزاب الإسرائيلية امتدادا لأحزاب كانت قائمة من الأصل في أوروبا قبل إنشاء إسرائيل وتتلقى الدعم الخارجي. ولا يوجد للفلسطينيين في إسرائيل تنظيمات خارجية مثل الوكالة اليهودية التي تتولى تنظيم الهجرات لإسرائيل، وإمدادها بالدعم والتبرعات والدعاية لها في الخارج.

تقيد إسرائيل حرية تعبير المواطنين الفلسطينيين عن الرأي من خلال المظاهرات أو الصحف، وتتعامل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية معهم كما تتعامل مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، بما في ذلك إطلاق الرصاص عليهم، كما حدث في حكم باراك ومقتل 13 مواطنا منهم، وإغلاق صحيفة "صوت الحق والحرية" الناطقة باسم الحركة الإسلامية، وأخيرا محاولة حظر حزب التجمع الديمقراطي وحرمان النائبين عزمي بشارة وأحمد الطيبي من الترشيح للانتخابات.

في كل الائتلافات الحكومية يظل الفلسطينيون أقلية معارضة ولا يشاركون في صنع القرارات الهامة، ويعتبر الصوت العربي سبة لأي مرشح يهودي، ويطالب بعض النواب اليهود بحرمانهم من التصويت في بعض القضايا، ويطالب البعض بإلغاء اعتبار اللغة العربية لغة رسمية، ويطالب آخرون بترحيلهم من الدولة.

المؤشرات السابقة -وهي نماذج قليلة- تؤكد استمرار الطبيعة الاستعمارية لإسرائيل في مواجهة الشعب الفلسطيني. والمثير أن كل هذه الإجراءات التمييزية تتم بناء على منظومة ضخمة من القوانين العنصرية ابتداء من تعريف الدولة في قانونها الأساسي لنفسها بأنها دولة اليهود، وقانون العودة، وقوانين الجنسية الإسرائيلية، وانتهاء بقوانين مصادرة الأراضي، أو حتى فرض قيود على المشاركة السياسية والانتخابات.

وتبرر النخب الصهيونية ذلك التمييز بالعديد من المبررات، من قبيل اعتبار أن وضع الفلسطينيين في إسرائيل أفضل من مثيله في الدول العربية، أو أنه تطور بشكل ملموس منذ 1948، أو أنهم لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي، على الرغم من أن قطاعات كبيرة من اليهود لا تخدم أيضا في الجيش، أو أنهم غير قابلين للاندماج في الاقتصاد الإسرائيلي الحديث بسبب تخلف بناهم التقليدية، رغم أن كثيرا من اليهود تقليديون، وأن هناك سياسة تهميش متعمدة للفلسطينيين.

العسكرة والديمقراطية


تتغلغل قيم العسكرة في الثقافة السياسية الإسرائيلية المبنية على العنف، وقيم التفوق والاستعلاء، ويعتبر الجيش عاملا مهما في تحقيق أدوار صهر الثقافات المختلفة، لا سيما مع تعدد الخلفيات الإثنية للمهاجرين، وامتصاص التوتر الداخلي وتصريفه باتجاه الخارج

تنبع عسكرة المجتمع الإسرائيلي من طبيعته الأصيلة كمجتمع استيطاني إحلالي قائم على العنف، ولا يمكن استمراره في محيطه الحضاري الرافض إلا من خلال القوة، كما تنبع من دور إسرائيل الدولي كرأس حربة للاستعمار الغربي، ووكيل لتنفيذ السياسات الاستعمارية.

وتعتبر إسرائيل أكبر مخزن أسلحة للولايات المتحدة في المنطقة العربية، وتحتل الصناعات العسكرية نسبة كبيرة من اقتصادها القومي تتجاوز الثلث، كما تلتهم ميزانية الدفاع قسما كبيرا من ميزانية الدولة، وتتزايد بحكم تزايد المواجهات الخارجية، ويشغل العسكريون مواقع متقدمة في معظم مؤسسات الدولة، حتى بعد تركهم الخدمة العسكرية، مثل الأحزاب السياسية، ورئاسة البلديات، وصولا إلى الوزارات وقمة النظام السياسي للدولة متمثلا في رئاسة الوزراء.

ويعتبر معظم السكان اليهود في إسرائيل جنودا، حيث يستمر بقاء الأفراد لفترات طويلة تصل إلى سن الأربعين في الاحتياطي الإسرائيلي. وذلك إلى جانب المستوطنين في الضفة الغربية وغزة الذين يعيشون حياة عسكرية، ويشكلون مليشيات لا تتولى فقط الدفاع عن الوجود الاستيطاني، ولكن يقومون بإرهاب الفلسطينيين والاعتداء عليهم وسرقة محاصيلهم، وأحيانا احتلال منازلهم، أو حتى قتلهم، وكل ذلك بتأييد ضمني أحيانا ومعلن أحيانا أخرى من المؤسسات الإسرائيلية التنفيذية والقضائية.

وتتغلغل قيم العسكرة في الثقافة السياسية الإسرائيلية المبنية على العنف وقيم التفوق والاستعلاء، ويعتبر الجيش عاملا مهما في تحقيق أدوار صهر الثقافات المختلفة، لا سيما مع تعدد الخلفيات الإثنية للمهاجرين وامتصاص التوتر الداخلي وتصريفه باتجاه الخارج، إضافة إلى امتصاص جزء من طاقة العمل في الصناعات العسكرية.

ومع ذلك يمكن القول إن عسكرة المجتمع الإسرائيلي بدأت تواجه تحديات عديدة في المرحلة الأخيرة، منها أن قطاعات كبيرة من السكان لا تخدم في الجيش، فإضافة إلى معظم المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، لا يخدم كثير من اليهود الحريديم (الأرثوذكس المتشددين) في الجيش، كما لا يقومون بأي عمل على الإطلاق، ويكتفون بدراسة التوراة، وذلك بعكس المتدينين الصهاينة الذين يخدمون في وحدات خاصة. ويولد هذا الموقف شعورا بالتمييز لدى القطاعات العلمانية في تحمل التكلفة الأمنية للمجتمع، وتعتبر قضية تجنيد المتدينين قضية صراعية هامة بين المتدينين والعلمانيين.

ولوقت قريب كانت قضايا الأمن من المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها، إلا أنها بدأت تصبح موضوعا بحثيا وإعلاميا مؤخرا، بعد الإفراج عن الوثائق التي مر عليها ثلاثون عاما، وكشفت جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال مراحل تأسيس الدولة، ودفنتها الرواية التاريخية التي كتبها العسكريون أنفسهم، وتم تعميمها على المناهج الدراسية والمؤسسات التربوية، كما بدأت تثار إعلاميا مسائل الفساد في الجيش ماليا وإداريا والتحرش الجنسي وإدمان المخدرات.

وفي أعقاب انتفاضة 1987، بدأت صورة الجيش تهتز، ويضعف الدافع للخدمة العسكرية، حيث بدا ذلك الجيش المدرب على أحدث الوسائل القتالية يطارد الأطفال والنساء في الأزقة الفلسطينية، ويواجه رماة الحجارة. وأثناء المقاومة اللبنانية، برزت ظاهرة انتحار الجنود. وفي ظل الانتفاضة الحالية أصبح العمل العسكري في نظر كثير من الإسرائيليين عملا مشينا، لأنه يقوم على القتل وليس القتال، وزادت معدلات الهروب من الخدمة العسكرية أو رفضها.

على الرغم من وجود العديد من ملامح الديمقراطية في إسرائيل، فإن السياسة الإسرائيلية تظل مجافية لجوهر الديمقراطية، وتقتصر على الأشكال دون المضمون الذي يعكس طابعا استعماريا عنصريا عنيفا وممزقا داخليا، وغير واثق من ذاته، يتبدى في العصبية التي يتعامل بها مع محيطه الفلسطيني والعربي، واعتماده المفرط على القوة لإثبات وجوده، وهو ما يؤكد استمرار أزمة شرعية الوجود.
_______________
* باحث في الشؤون الإسرائيلية، القاهرة