محمد السيد غنايم

يواجه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان واقعا معيشيا صعبا في ضوء غياب التشريعات والقوانين التي تكفل حمايتهم، رغم مضي أكثر من نصف قرن على وجودهم فوق الأراضي اللبنانية.

الفلسطينيون في لبنان

منظر عام لأحد المخيمات الفلسطينية في لبنان

عقدت الحكومة اللبنانية عام 1969 اتفاقا مع منظمة التحرير الفلسطينية سمي "باتفاق القاهرة" أقرت الأولى بمقتضاه بالحقوق الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، إلا أنها ألغت هذا الاتفاق فعليا عام 1982 عقب رحيل المنظمة من الأراضي اللبنانية، وفي عام 1987 ألغى المجلس النيابي اللبناني هذا الاتفاق رسميا ومن طرف واحد.

تلت تلك الفترة اتخاذ الحكومة اللبنانية العديد من الإجراءات أثرت بشكل مباشر على حياة اللاجئين الفلسطينيين، فتحت عنوان "رفض التوطين" وتأييد "حق العودة" وفق القرار رقم 194 الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948، صدرت قوانين تنظم في ظاهرها شأنا داخليا لبنانيا لكنها قصدت في واقعها التعامل مع حالة اللاجئين الفلسطينيين بما لا يسمح لهم بالاندماج في مجتمعهم الجديد ولو في إطار إنساني بحت. ومن أشهر تلك القوانين قانونا العمل والتملك.

قانون العمل

في عام 1995 أدخلت على القانون اللبناني المنظم لعمل الأجانب والصادر عام 1964، تعديلات وأحكام تضمنت تضييقات إزاء الأجانب بهدف حماية مصالح السكان اللبنانيين. هذه الأحكام شملت أكثر من 70 مهنة لا يحق لغير المواطنين اللبنانيين ممارستها، كما تعين على الأجانب الحصول على رخصة عمل من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لممارسة أي مهنة.


منذ عام 1992 وحتى عام 2000 لم يزد عدد تراخيص العمل الممنوحة للاجئين الفلسطينيين عن 500 ترخيص من أصل 50 ألفا منحت للأجانب عن نفس الفترة

لم تستثن هذه الأحكام الوضع الخاص للاجئين الفلسطينيين الذين ليس لهم في واقع الأمر دولة يمكن في إطارها تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل معها، وعلى ذلك فقد وجد اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم بعد أكثر من 50 عاما من الاغتراب مضطرين للتنافس في سوق العمل المكدس بالعديد من المغتربين الذين لا يحتاجون إلى ترخيص مسبق وفقا لمبدأ المعاملة بالمثل المطبق مع بلدانهم في هذا المجال.

ويكفي أن نعطي مثالا واحدا يبين حجم المشكلة التي يعانيها الفلسطينيون في سوق العمل، فمنذ عام 1992 وحتى عام 2000 لم يزد عدد التراخيص الممنوحة لهم عن 500 ترخيص من أصل 50 ألف ترخيص ممنوح للأجانب في نفس الفترة.

وقد أفادت إحصاءات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأنروا) أن 60% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون تحت عتبة الفقر، وأن 36% منهم لا يتمكنون من الحصول على أي مورد رزق.

قانون التملك

في 21 مارس/ آذار 2000 صدق مجلس النواب اللبناني على تعديلات أدخلت على قانون الملكية العقارية. وجاء في نص المادة 296 منه أنه "لا يجوز تملك أي حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها، أو لأي شخص إذا كان التملك يتعارض مع أحكام الدستور لجهة رفض التوطين..".

وبموجب هذا القانون فقد حرم الفلسطينيون من التملك في لبنان، ومن تملك منهم فإنه يحرم على ورثته انتقال الملكية إليهم بعد وفاته، كما ترتب عليه كذلك منع الفلسطينيين من البناء في المخيمات أو حتى إعادة بناء المتهدم منها مثل مخيمات جسر الباشا وتل الزعتر والنبطية.

وتشير الوقائع إلى أن تطبيق هذه المادة أدت إلى انعكاسات سلبية خطيرة على العديد من العائلات الفلسطينية. ورأى البعض أن الهدف من هذا القانون هو التهجير القسري للفلسطينيين من لبنان.

دوافع واعتبارات

الفقر.. الصفة الأصيلة للاجئين الفلسطينيين في لبنان

أمام تلك الإجراءات رأى كثير من المراقبين أن هناك عددا من الدوافع تقف محركا وراء إقدام السلطات اللبنانية على اتخاذ مثل تلك التدابير بحق اللاجئين الفلسطينيين، يمكن إجمالها في الآتي:

أولا- اعتبارات التركيبة الديمغرافية:
فمعلوم أن التركيبة السياسية في لبنان مكون طائفي يعتمد المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في الوظائف العامة. ويخشى المسيحيون إذا تم توطين وتجنيس نحو 400 ألف لاجئ فلسطيني أغلبهم من المسلمين السنة، أن يشكلوا أقلية تدفع الأغلبية المسلمة إلى تغيير النظام لصالح ديمقراطية عددية.

ثانيا- الفلسطينيون والحرب الأهلية:
اعتبر اللبنانيون أن اللاجئين الفلسطينيين هم المسؤولون الرئيسيون عن الحرب الأهلية في لبنان التي استمرت من 1975 وحتى 1991، هذا الأمر كان كفيلا بخلق جو من الارتياب بحقهم من قبل السياسيين الذين لم يجدوا حرجا في تغذيته من آن لآخر بين السكان الأصليين، حيث يتم تذكيرهم يوميا بالأخطار التي تترتب على احتمال تجنيسهم في ضوء ذكرى تلك الحرب الأليمة.

ثالثا- التمسك برفض التوطين وحق العودة:
يواجه الرسميون اللبنانيون بانتقادات شديدة تتعلق بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين وبأن حالهم يعد الأسوأ مقارنة مع اللاجئين في سوريا والأردن، لكن هؤلاء الرسميون يبررون الإجراءات المتخذة ضد الفلسطينيين في لبنان بأنها تهدف إلى عدم تسهيل إقامتهم للضغط باتجاه إيجاد حل لهم في إطار ما يعرف برفض التوطين المنصوص عليه في مقدمة الدستور اللبناني، وقرار حق العودة رقم 194، وأنهم يعملون ضمن تلك النصوص بما يصب في صالح القضية الفلسطينية.

وختاما فإنه رغم كل تلك الحجج المساقة فإن واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان -بشهادة اللبنانيين أنفسهم- يعد مأساويا في ضوء انعدام الكثير من الحقوق المدنية والقانونية التي تكفل لهم حدا ضئيلا من العيش الكريم، الأمر الذي لا تقوى معه تلك الحجج في تبرير هذه الإجراءات التي يقف العديد من اللبنانيين -وعلى رأسهم عدد من النواب- في مقدمة المطالبين بتغييرها.
________________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت

المصادر:
1-
مركز دراسات الوحدة الإسلامية
2- الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان
3- الفلسطينيون في لبنان وتعديل قانون الملكية، سهيل الناطور
4- مركز الأبحاث والتدريب حول قضايا التنمية، مجال
5- موقف الرئيس لحود من قانون التملك، نقلا عن النهار اللبنانية
6- موقف النائب بيار الجميل من قانون التملك، نقلا عن صحيفة اللواء
7- موقع الجزيرة نت