ليس من السهل أو اليسير تعريف المعارضة السياسية، أو تحديد هويتها بشكل دقيق وواضح، السبب في ذلك يعود إلى اختلاف هذا المفهوم بين طرف وآخر تبعاً لإطاره السياسي، أو للمرجعية الأيديولوجية التي يستمد منها منظومته المعرفية، مما فسح في المجال أمام تعدد وتنوع تعريف المعارضة.

* بقلم/ أكرم البني

أكرم البني
المعارضة.. محاولة للتعريف
ثنائية السلطة/المعارضة
أي معارضة نريد ؟!
أخيراً، بم نبدأ ؟

المعارضة.. محاولة للتعريف


المعارضة السورية هي تلك القوى التي نشأت وتطورت تاريخياً بوصفها معارضة ديمقراطية استمدت شرعية حضورها وتميزها من وضوح برامجها السياسية ومن اعتمادها النشاط السلمي، سرياً كان أو علنياً

نظر البعض إلى المعارضة من قناة معناها اللغوي ووضع تحت يافطتها كل من عارض أو اعترض على الواقع القائم، دون النظر إلى محتوى هذه المعارضة أو بنيتها، إلى حد أنه لصق صفة “معارضة" على تلك الجماعات البشرية التي تنأى بنفسها عن أنماط التكيف مع المجتمع وتأنف عن المشاركة في أنشطته المختلفة.... في حين رفض آخرون تحويل هذا المصطلح إلى عباءة فضفاضة ينزوي تحتها كل من هب ودب، واعتمدوا مفهوماً يقتصر على القوى التي تحمل مشروعاً جذرياً لقلب المجتمع وبناء نموذجها البديل على أنقاضه، ودون هذا العمق، فهم لا يرون معارضة ولا من يحزنون.... وبين هذا وذاك نهض رأي ثالث يرفض تعبير " المعارضة بشكل عام " ويؤكد على ضرورة قرنها بصفة تنسجم مع حدود ومحتوى البرنامج السياسي وأشكال النضال الذين على أساسهما تعارض ما هو قائم، فهناك معارضة وطنية، وأخرى قومية، أو ليبرالية، أو شيوعية، أو إسلامية. ومنها المسلح، أو السلمي، أو الجذري، أو الإصلاحي....الخ. ولعل هذا التعريف هو الأقدر على فهم واقع المعارضة السياسية في سورية وفرزها وتصنيفها، لنستخلص منها تلك القوى التي نشأت وتطورت تاريخياً بوصفها معارضة ديمقراطية استمدت شرعية حضورها وتميزها من وضوح برامجها السياسية ومن اعتمادها النشاط السلمي، سرياً كان أو علنياً، أسلوباً في نضالها. وندرج تحت هذا العنوان قوى سياسية مثل التجمع الوطني الديمقراطي، وحزب العمل الشيوعي، والتنظيم الشعبي الناصري، إضافة إلى بعض الفعاليات المعارضة من المثقفين ورموز النقابات المهنية.

ليس من السهل أو اليسير تعريف المعارضة السياسية، أو تحديد هويتها بشكل دقيق وواضح، السبب في ذلك يعود إلى اختلاف هذا المفهوم بين طرف وآخر تبعاً لإطاره السياسي، أو للمرجعية الأيديولوجية التي يستمد منها منظومته المعرفية، مما فسح في المجال أمام تعدد وتنوع تعريف المعارضة، فنظر إليها البعض من قناة معناها اللغوي ووضع تحت يافطتها كل من عارض أو اعترض على الواقع القائم، دون النظر إلى محتوى هذه المعارضة أو بنيتها، إلى حد أنه لصق صفة “معارضة" على تلك الجماعات البشرية التي تنأى بنفسها عن أنماط التكيف مع المجتمع وتأنف عن المشاركة في أنشطته المختلفة.... في حين رفض آخرون تحويل هذا المصطلح إلى عباءة فضفاضة ينزوي تحتها كل من هب ودب، واعتمدوا مفهوماً يقتصر على القوى التي تحمل مشروعاً جذرياً لقلب المجتمع وبناء نموذجها البديل على أنقاضه، ودون هذا العمق، فهم لا يرون معارضة ولا من يحزنون.... وبين هذا وذاك نهض رأي ثالث يرفض تعبير " المعارضة بشكل عام " ويؤكد على ضرورة قرنها بصفة تنسجم مع حدود ومحتوى البرنامج السياسي وأشكال النضال الذين على أساسهما تعارض ما هو قائم، فهناك معارضة وطنية، وأخرى قومية، أو ليبرالية، أو شيوعية، أو إسلامية. ومنها المسلح، أو السلمي، أو الجذري، أو الإصلاحي....الخ. ولعل هذا التعريف هو الأقدر على فهم واقع المعارضة السياسية في سورية وفرزها وتصنيفها، لنستخلص منها تلك القوى التي نشأت وتطورت تاريخياً بوصفها معارضة ديمقراطية استمدت شرعية حضورها وتميزها من وضوح برامجها السياسية ومن اعتمادها النشاط السلمي، سرياً كان أو علنياً، أسلوباً في نضالها. وندرج تحت هذا العنوان قوى سياسية مثل التجمع الوطني الديمقراطي، وحزب العمل الشيوعي، والتنظيم الشعبي الناصري، إضافة إلى بعض الفعاليات المعارضة من المثقفين ورموز النقابات المهنية.

ثنائية السلطة/المعارضة


شهدت ساحة العمل السياسي السوري في بحر العامين المنصرمين جواً من الانفتاح النسبي، كانتشار ظاهرة المنتديات الثقافية والسياسية، وإطلاق سراح دفعات من المعتقلين السياسيين، وتقدم خطابات نقدية معارضة للسلطة دون أن يترتب على ذلك المساءلة والاعتقال
لا يمكننا الحديث عن المعارضة السياسية في سورية دون التطرق إلى الحديث عن السلطة، الوجه الآخر من هذه الثنائية.. فكيف نستطيع فهم واقع المعارضة وما آلت إليه، دون فهم دور السلطة وطبيعة المناخ الذي فرضته، طيلة عقود، على الحياة السياسية في سورية ؟! وهل تتساوى قراءة المعارضة السياسية في ظل حكم ليبرالي مع مثيلتها في ظل الأنظمة الشمولية، مهما تكن درجة التشابه كبيرة في مواقف وبرامج هاتين المعارضتين ؟!..
إن الطابع الشمولي للسلطة في سورية، وسيطرتها على مختلف تفاصيل الحياة، ورفضها القاطع لوجود أي مستوى من الاعتراض على سياساتها تحت طائلة الاعتقال والسجن المديد، عكس نفسه بقوة على واقع وإمكانيات مختلف فصائل المعارضة السورية، لنجدها ضعيفة مفككة، تطل برأسها، كلما ارتخت قبضة النظام، وترجع القهقرى ما أن تعود الأمور إلى حالها، فيلجأ بعضها إلى سراديب العمل السري حفاظاً على إمكاناته المتواضعة في طرح ونشر مواقفه وآرائه السياسية وما يترتب على ذلك من نمو مشوه تحت الأرض. ويختار بعضها الآخر سياسة المهادنة أوالمناورة، أو العمل " بذكاء وحربقة " (كما يحلو له وصف ما يفعله) في بناء خطاب نقدي خجول، يقيه شر القمع العاري والصريح.
لكن الأمور أخذت منحى مختلفا منذ سنوات، بعد أن فرضت المستجدات العالمية نفسها بقوة على الواقع السوري، فصار بالإمكان الحديث بصوت مسموع عن قوى معارضة في سورية، ظهرت على السطح، ليس بفعل قوتها ووزنها وعزم حضورها على الأرض، بل لملء الحيز الذي تركه النظام في سياق إعادة صياغة علاقاته، كسلطة مع الدولة والمجتمع وأنشطتهما المختلفة، وهذه حقيقة مّرة يجب الاعتراف بها بكل وضوح وجرأة.
لقد أحكمت المتغيرات العالمية تأثيرها على الواقع السوري، سلطة ومعارضة. فوضعت النظام في دوامة أزمة يمكن أن نصفها بأنها أزمة الشكل الشمولي الأحادي في الحكم تجلت بعجزه عن الاستمرار في السيادة بذات الطرائق القديمة، وتالياً بأنه معني أو مجبر موضوعياً على صياغة أشكال جديدة في علاقته مع المجتمع والدولة على حد سواء. تبدأ هذه العوامل من الآثار التي خلفها انهيار المنظومة الاشتراكية وفشل أو سقوط النموذج الأحادي الشمولي في الحكم وفي قيادة المجتمع وتطويره والذي استمد منه النظام السوري الكثير من مقومات وعناصر سيادته. مروراً، بأثر ظاهرة العولمة، خاصة ما يسمى "العولمة السياسية" والحضور القوي للفكر الليبرالي ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في تقويم الأنظمة السياسية ومعايرة شرعيتها، ترتب على ذلك حملات واسعة جرت خلال العقد الأخير من أجل نصرة الحرية وحقوق الإنسان طالت معظم البلدان ذات النهج الشمولي ومنها سورية، جنباً إلى جنب مع إشهار الاشتراطات السياسية المتعلقة بالحريات في مشروع الشراكة الأوربية/السورية. مروراً أيضاً، بدور الثورة المعلوماتية وسرعة تلقي الخبر وانتشاره التي كشفت جوف المجتمعات المغلقة وفضحت أساليب القمع التي دأبت السلطات السائدة على استخدامها ضد خصومها ومعارضيها، فكفت يدها التي كانت طليقة فيما مضى، عن ممارسة ما حلا لها من ألوان القهر والاضطهاد، أو لنقل أجبرتها، تجنباً لردود الأفعال العالمية على اعتماد أشكال من الهيمنة أقل عنفاً وإثارة أو "أكثر حضارية" إن صح هذا التعبير. انتهاءاً بضغط الوضع الاقتصادي السوري الذي بات في حاجة ماسة لجذب الاستثمارات الغربية والعربية الأمر الذي يتطلب مناخاً سياسياً يخرج المجتمع بالحد الأدنى من ربقة قانون الطوارئ والأحكام العرفية ويضمن سيادة المؤسسات والحد من تطاول الأجهزة التنفيذية ووصايتها على أنشطة الحياة الاقتصادية والسياسية.


لقد أصبحت السلطة مكرهة موضوعياً على إعادة تأهيل نفسها وتكييفها مع المستجدات العالمية بالانفتاح على الآخر وإرساء قواعد جديدة في علاقتها مع المجتمع بمستوياته المختلفة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ترافق ذلك مع مشروع الإصلاح والتطوير الذي أطلقه الرئيس بشار الأسد. فشهدت ساحة العمل السياسي في بحر العامين المنصرمين جواً من الانفتاح النسبي، كانتشار ظاهرة المنتديات الثقافية والسياسية، وإطلاق سراح دفعات من المعتقلين السياسيين، وتقدم خطابات نقدية معارضة للسلطة دون أن يترتب على ذلك المساءلة والاعتقال. ولا يغير من محتوى هذه الحقيقة ما لمسناه بعدئذ من ردة أو ممارسات تشير إلى تراجع دور السلطة على هذا الصعيد، جسدتها قرارات المنع والتضييق على المنتديات، والاعتقالات الأخيرة التي طاولت عشرة من نشطاء المجتمع المدني ومحاكمتهم ومحاصرة نشاطات بعض المحامين الذين تنطحوا للدفاع عن معتقلي ربيع دمشق. إذ أن إلحاح الضرورة الموضوعية لابد أن يعيد الأمور إلى نصابها، مع الاعتراف الصريح أن ما حدث زاد عملية التحول الديمقراطي المستحقة، صعوبة وتعقيداً، وأفقد الفعاليات الديمقراطية مكسباً هاماً كانت قد حققته على هذه الطريق. ولعل النتائج التي تمخضت عن أحداث سبتمبر/ أيلول في نيويورك وواشنطن زادت الأمور تعقيداً على تعقيد. فما حصل أن المناخ السياسي المحموم بالعنف الذي ساد بعد تلك الأحداث فرض نفسه بقوة على واقع ومجريات العملية الديمقراطية التي كانت ترخي ظلالها بقوة على الساحة العالمية، فتراجعت إلى مرتبة متأخرة شعارات الحرية وحقوق الإنسان التي كانت تنظم مفردات اللغة السياسية أمام حضور وتقدم استراتيجية مكافحة الإرهاب وخطط الإدارة الأمريكية في حشد وتعبئة كل القوى تحت لواء حملتها الأمنية/العسكرية المسعورة.
من زاوية أخرى، كان للمتغيرات العالمية أثرها الكبير أيضاً، على بنية ودور قوى المعارضة السورية، دفعتها لاعتماد الحوار السياسي المفتوح والنشاط العلني الواضح والصريح طريقاً رئيساً في نضالها، وحثتها على إعادة صياغة علاقتها مع الآخر فرداً كان أو جماعة وفق روح الندية والاحترام، كما شجعتها (مع حفظ الفوارق بين هذا الفصيل أو ذاك) على دفع النضال الديمقراطي إلى المرتبة الأولى من سلم أولياتها على حساب الموقع الذي كانت تحتله أهدافها ومواقفها السياسية الخاصة، ساندها في ذلك نشوء هيئات جديدة داعمة لهذا الاتجاه، كلجان إحياء المجتمع المدني، ولجان وجمعيات حقوق الإنسان، وأيضا التحول الملحوظ الذي شهدته بعض القوى ذات التوجه الاشتراكي أو ذات الأصول الدينية حين وجدت في المشروع الديمقراطي مادة مناسبة لتجديد هويتها وخطابها السياسيين.

أي معارضة نريد ؟!..


تحتاج القوى الديموقراطية السورية إلى فسحة أوسع من الزمن والى فرص تاريخية مناسبة كي تستطع إثبات وجودها وتصنع من كيانات متفرقة ومفككة حضوراً موحداً ومميزاً يحوز ثقة المجتمع ومؤسساته

لقد آن الأوان لدفع مفهوم المعارضة السياسية في سورية خطوة إلى الأمام، واعتبار المعارضة المنشودة التي تستحق هذا الاسم، قولاً وفعلاً، هي "المعارضة الديمقراطية" التي تأتي كرد سياسي طبيعي على واقع الحياة الشمولي، الأحادي الذي عرفته البلاد خلال عقود، والتي تلتف حول برنامج عام للتغيير الديمقراطي وتنظم ممارساتها وسائل سلمية علنية وصريحة تقوم على مبادئ حرية الرأي والتعبير، فاتحة ذراعيها لاستقبال كافة المنظمات والشخصيات الديمقراطية، من أي موقع جاءت. مع التأكيد أن مثل هذه المعارضة تبقى على مسافة واضحة وبينة، من كل القوى التي تتنكر لوسائل النضال الديمقراطي السلمي، أو التي مازالت تحمل في أحشائها بديلاً سياسياً معادياً للديمقراطية، قومياً كان، أو شيوعياً، أو إسلامياً.
من قناة هذا المفهوم يمكن النظر إلى واقع القوى المعارضة في سورية، وإبراز العوامل الذاتية التي تقف حائلاً بينها وبين هذا الطموح:

  1. إن القوى السياسية الوطنية المرشحة موضوعياً، لبناء الجسم الرئيس لهذه المعارضة، قوى متنافرة تنحدر من منابت أيديولوجية وسياسية شديدة التعارض، ومعظمها مازال عاجزاً عن التحرر، إن لم نقل متردد في نفض يده من ثوابت فكرية وإيديولوجية عفا عليها الزمن وغدت تتناقض مع جوهر وروح الفكر الديمقراطي.
  2. الدور المعرقل لأزمة الثقة التي تتغلغل عميقاً في الحياة السياسية السورية بين صفوف القوى المرشحة لبناء معارضة سلمية، وأيضاً بينها وبين السلطة. أزمة ثقة مركبة ومزمنة خلقتها معاناة ماض مثقل بالجراح والألم، وأساليب سياسية لم يعد لها اليوم، أي حظ في الحياة. ودون تجاوز هذه الأزمة ومعالجة أسبابها بروح التسامح وأولوية المصلحة العليا للوطن والشعب لا يمكن أن نحلم بمستقبل للحياة السياسية السورية تسود فيها لغة الحوار وتتشبع بروح قبول الآخر وبشرعية وجود معارضة سياسية تنبذ العنف وتخوض صراعات سلمية تنمي روح المنافسة الشريفة والسعي نحو الأفضل وتشارك بقسطها في عملية الانفتاح الديمقراطي وفي التصدي لمهام البناء والتنمية ومواجهة ما يعترض الوطن من تحديات ومخاطر.
  3. استمرار العجز عن تقريب وجهات النظر المختلفة حول ماهية المرحلة الراهنة وحول محتوى برنامج الإصلاح والتغيير الذي طرحته السلطة وطابع ردود أفعالها في علاقتها مع العمل المعارض. وإذا يرى البعض أن مثل هذه التباينات ظاهرة صحية، فإن استمرارها يضعف الحضور الموحد للعمل الديمقراطي، ويحد من جدواه وفاعليته. وما يزيد الطين بلة استمرار التقصير في العمل على بناء ونشر الثقافة الديمقراطية ( ولنسّميها مجازاً ثقافة المعارضة) لما لها من دور هام وكبير في خلق المناخ الروحي والمفهومي المساعد على توليف اللحمة السياسية وعلى بناء وتكريس وعي جديد حول الحياة السياسية الديمقراطية وحول ثنائية، السلطة ـ المعارضة، افتقد إليها المجتمع السوري منذ زمن بعيد.
  4. لا نقصد نشر الغسيل، أو إذاعة الأسرار، بل نقف موقفاً نقدياً يدعو للتجاوز، عندما نشير إلى روح التنافس المرضي التي تطل برأسها، بين الفينة والأخرى، في صفوف بعض قوى المعارضة السورية. فلا يزال هناك من يدعي ملكيته للحق التاريخي في الزعامة والريادة، ومن تحكمه الحسابات الذاتية والمصالح الحزبية الضيقة، كما هناك من لا يخجل من استخدام وسائل بيروقراطية أو سلطوية إن صح التعبير لنصرة أفكاره ومواقفه الخاصة تتنافى وتتناقض مع الروح الديمقراطية التي يدعو لها.
  5. إن التجربة العيانية المشتركة التي عايشتها قوى العمل الديمقراطي في سورية مازالت قصيرة ومحدودة لم تمكنها من امتحان فكرها وممارستها على أرض الواقع، ويحتاج الأمر إلى فسحة أوسع من الزمن والى فرص تاريخية مناسبة كي تستطع إثبات وجودها وتصنع من كيانات متفرقة ومفككة حضوراً موحداً ومميزاً يحوز ثقة المجتمع ومؤسساته. ولا يخفى على أحد أن "المناخ الجديد" والنشاط العلني المحدودة الذي مارسته هذه القوى وفر فرصة اللقاء والتعارف بين كوادرها المختلفة، ومكنها من تحسس وزنها وقواها جيداً، وساعدها كي تخطو، خطواتها الأولى والمتعثرة، في بناء خطابها السياسي الخاص وفي تحقيق تواصل مباشر وعلني مازال محدوداً وضعيفاً مع جمهورها.

أخيراً، بم نبدأ ؟

إن مطلب التغيير الديمقراطي في سورية، أصبح مسلمة لا يختلف أحد على مشروعيتها وراهنيتها (مع حفظ الفوارق والاجتهادات بين مختلف الفصائل السياسية) وأن شروط إنجازه يحتاج إلى وعي ومسؤولية، كما إلى معارضة قادرة على انتزاع ثقة المجتمع عبر استنباط المهام المناسبة دون مغالاة أو تطرف، وعبر نجاحها في تأكيد احترامها للآخر موقفاً وسلوكاً، خاصة لجهة نشر وترسيخ الوعي الصحي حول ثنائية السلطة/المعارضة دون مناورات أو التفاف... الأمر الذي يتطلب من كافة القوى والشخصيات التي يعنيها نجاح مشروع التغيير الديمقراطي المبادرة إلى دعمه ورفض الاستسلام للأمر الواقع، وأن لا تساق وراء موجات المد والجزر التي تشهدها حركة الإصلاح في سورية، بل أن تعمل، بكل صبر وجلد على تعزيز جهودها وبناء ما تهمش وأخضع من منظمات المجتمع المدني، وعلى تثبيت أية مكاسب، مهما تكن محدودة، حول شرعية المشاركة في الشأن العام، اجتماعية كانت أو سياسية أو ثقافية، بما في ذلك احتضان أبسط أشكال العمل العفوي لحل أية معضلة من المعضلات الإنسانية المتعددة التي تشهدها الحياة اليومية. جنباً إلى جنب مع ضرورة إعلان اختلافها وتعميم رفضها لكل أنواع القسر والقهر من أي طرف جاء واستثمار كل فرصة سانحة لتحسين شروط نضالها، وبخاصة لجهة تعديل أو إلغاء القوانين المكبلة للحريات، وفي القلب منها قانون الطوارئ والأحكام العرفية مما يعيد العلاقة طبيعية بين السلطات الثلاث، التنفيذية والقضائية والتشريعية، ويفسح في المجال لإرساء جو حي وصحي في الحياة السياسية السورية، يوفر فرصة غالية لكسر حاجز الخوف وقتل "البعبع" الذي تغلغل عميقاً في نفوس البشر، ويشجع الجميع على العودة للمشاركة في إدارة شؤونهم العامة والتصدي للمهمات الجسام والتحديات الكبيرة التي تقف حائلاً أمام تطور مجتمعنا وازدهاره.
ولعل ما نحتاجه، بداية، هو التحرر من كوابح الماضي وآلامه وتعقيداته، وأن نبني وعياً جديداً، لا يأخذ الديمقراطية وسيلة نسعى من خلالها إلى تحقيق هدف ما أو اكتساب نصر سياسي عابر، بل كونها، غاية بحد ذاتها، توجب علينا أن نتعلم ونعلم كيف ننصهر في بوتقتها، فكراً وسياسةً وسلوكاً.

_______________
* كاتب سوري