تركت انتفاضة الأقصى بعد مرور ثلاث سنوات على انطلاقتها نتائج بالغة الأثر على إسرائيل، وقد تشير الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تمر بها إسرائيل إلى فاعلية الانتفاضة من الناحية الاقتصادية.

وأخذ البعض ينظر إلى مدى جدوى استمرار الانتفاضة وقدرتها على أن تقود إلى تغيرات سياسية تحتم على الحكومة الإسرائيلية تغيير تعاملها مع القضية الفلسطينية أو الإطاحة بتوجهات الحكومة اليمينية الحالية في ظل استمرار التردي والتراجع الاقتصادي، فمعدلات النمو في تراجع والتضخم في تصاعد ونسب البطالة في ارتفاع مستمر، وعجز الميزانية الذي كادت الحكومة تقضي عليه قبل انطلاق الانتفاضة تزايد بشكل ملحوظ، ما يذكر بالأزمة التي واجهتها تل أبيب في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

وبعد أن عاشت إسرائيل عقدا ذهبيا في التسعينيات وزاد تدفق الاستثمارات الأجنبية، حيث أغرى توقيع اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين المستثمرين الأجانب ظنا منهم بأن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على عهد جديد ينعم بالسلم والهدوء والتطور.

ومن جهة أخرى فإن العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية -بحجة كبح جماح قوى المقاومة الفلسطينية- أدى إلى واقع اقتصادي مرير على الفلسطينيين إذ دمر جزء كبير من البنية التحتية، وخربت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وهدمت منازل عديدة، وفرضت الإجراءات الإسرائيلية قيودا شديدة على العمال الفلسطينيين فمنعتهم من الانتقال إلى أماكن عملهم سواء في مناطق السلطة الفلسطينية أو داخل إسرائيل، فارتفعت معدلات البطالة لتصل إلى نحو 40%، وزاد عدد الفلسطينيين المصنفين بمن يعيشون تحت خط الفقر إلى أكثر من 60%، فغيرت المستجدات في قراءة الاقتصاد الفلسطيني، ودفع هذا الواقع الفلسطينيين للتأقلم مع الوضع الجديد، وفرض عليهم ابتكار بدائل جديدة تقلل من اعتمادهم على الاقتصاد الإسرائيلي.

ورغم تدفق المساعدات والمعونات الأميركية على إسرائيل -ما حال دون انهيارها الاقتصادي- فإن مثل هذه المساعدات تعد باهظة الثمن، كما أنها لم تعمل على إنهاء الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تل أبيب، ولم تزل المخاوف التي تنتاب أصحاب رؤوس الأموال الأجنبية التي دفعتهم للبحث عن أماكن أكثر أمنا، بل وتجاوز الأمر الأجانب إلى الإسرائيليين أنفسهم، فنقل الكثير من رجال أعمالهم أموالهم من بلدهم إلى دول أخرى وخاصة إلى الولايات المتحدة.

وتجاوز تأثير الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية التي تلعب الانتفاضة الفلسطينية الدور الأكبر في تعزيزها إلى تفكير الكثير من الإسرائيليين بما يسمى بالهجرة العكسية، فالمواطن في إسرائيل أصبح لا ينعم بالأمن والرفاه الذي كان الهدف الذي دفعه للهجرة إلى إسرائيل في السابق، لأن الأزمة الاقتصادية أخذت تلامس مجريات حياته الطبيعية وتؤثر عليه بشكل كبير.