اتجه السادات للسلام بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول باعتباره خياره الوحيد (الجزيرة-أرشيف)

أحمد دياب
تمر السنون وتبقى في صفحات التاريخ وقائع وأحداث كثيرة ملفوفة بالأسرار ومحاطة بالأساطير، بل وعصية على التفسير والتبرير، رغم أن لها تداعيات خطيرة في مسيرة الأوطان ومصائر الشعوب.

فالأسئلة تبقى ملعقة بشأن ماهية البدائل والخيارات التي كانت مطروحة أمام صناع هذه الأحداث والوقائع، وهل كان هذا القرار أو ذاك محض اضطرار أملته ضرورات وتحديات موضوعية لا قبل للمسؤولين بردها، أو هو مجرد اختيار حركته رغبات وانفعالات شخصية.

وفي حدث من قبيل معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، فإن الأسئلة بشأن الخيارات البديلة لا تكتسب أهمية فقط، بل مشروعية أيضا.

فالمعاهدة التي وقعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات تمثل انقلابا في انتهاك "المحرمات" وكسر "التابوهات" المصرية والعربية تجاه إسرائيل، برره السادات بانعدام "البدائل والخيارات" أمامه، فهل كان الأمر كذلك حقا؟! وحتى بافتراض أن "السلام والصلح" لم يكن له بديل أو خيار آخر، فهل كان من الممكن أن تكون النتائج أفضل؟

ذريعة غياب البديل
إن القول بغياب البديل مجرد ذريعة تعفي الحاكم من تبعة مسؤوليته عن سوء الأداء في سياساته الخارجية. وعندما تضيق خيارات الحاكم ما بين الأبيض والأسود، أو الخنوع تحت شعار "الواقعية" والمواجهة غير المسؤولة باسم "الثورية"، فإن هذا أكبر دليل على إفلاس الحاكم سياسيا.

فبينهما خيارات وبدائل عديدة، حقيقية وموضوعية، لكنها رهن بجسارة الفكر وحرية الإرادة وصلابة الفعل. أما حين يصل القرار السياسي إلى الإقرار بأنه لا يملك بدائل غير ما هو معروض، أو مفروض عليه، فإن العمل السياسي يفقد أهليته وشرعيته. فمعيار قيمة القرار أنه اختيار بين بدائل.

وبدون ادعاء الحكمة بأثر رجعي يمكن القول، بل التأكيد، إنه كانت هناك خيارات وبدائل أخرى، وإن النتائج كان يمكن تكون أفضل مما جرى خاصة بشأن ترتيبات الأمن في سيناء.

"
يأتي في مقدمة هذه "البدائل" على المستوى الداخلي انتهاج "إستراتيجية الصمود" وتمتين الجبهة الداخلية عبر بناء القوة الذاتية المصرية، وبالذات القوة العسكرية على أساس أن بناء القوة هو الأساس في حسابات الحرب والسلام معا
"
خيار الصمود
يأتي في مقدمة هذه "البدائل" على المستوى الداخلي انتهاج "إستراتيجية الصمود" وتمتين الجبهة الداخلية عبر بناء القوة الذاتية المصرية، وبالذات القوة العسكرية على أساس أن بناء القوة هو الأساس في حسابات الحرب والسلام معا.

وتجربة مصر نفسها بعد هزيمة 1967 تعد نموذجا دالا في هذا السياق، حيث لم يكن هناك جندي مصري واحد على الطريق من سيناء للقاهرة! وكانت البداية بعد 20 يوما فقط من قبول وقف إطلاق النار في أول يوليو/تموز 1967. وفي سبتمبر/أيلول 1970 كانت القوات المسلحة المصرية جاهزة للقتال والتحرير.

السادات أسقط خيار الحرب
وعلى النقيض من ذلك عمد السادات إلى إسقاط خيار الحرب وتذرع بفكرة "تنويع مصادر السلاح" لإضعاف القوات المسلحة، وركز في إعلامه على ضرورة استرداد الأرض المصرية المحتلة بالطرق السلمية تحت شعار "السلام من أجل الطعام"، وعلى ضخامة نفقات الحروب وآثارها المدمرة على الاقتصاد المصري جراء الانشغال بقضية "شعب آخر".

إن الحكمة المستقرة في علم إدارة الصراعات الدولية تقول: إن السلام الحقيقي لا يصنعه إلا الاستعداد لخوض حرب حقيقية، أي أن الإعداد الحقيقي لاحتمالات الحرب هو الطريق السليم لصنع "بديل" سلما أم حربا.

ومن هنا كانت خطورة الالتزام الذي قطعه السادات على نفسه بأن تكون حرب أكتوبر/تشرين الأول هي "آخر الحروب". فالخيار الإستراتيجي لأي دولة ينبغي أن يتركز على صيانة الأمن والحقوق والمصالح، لا الحرب ولا السلام.

خيار وحدة العرب
أما الخيار الثاني الذي كان متاحا أمام السادات بديلا عن السلام مع إسرائيل فهو المحافظة على وحدة الصف العربي، التي "تعمدت" بالنار وحدث الامتزاج بين نقطة الدم ونقطة البترول، من أجل وضع إستراتيجية عربية موحدة والضغط على الولايات المتحدة عبر سلاح النفط (الذي تطوع السادات لرفعه خدمة لصديقه هنري كيسنجر رغم ممانعة الملك فيصل) لإجبار إسرائيل على استرداد الأرض وتحقيق سلام مشرف في مؤتمر جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة،
وبدعم واضح من الاتحاد السوفياتي، فضلا عن أوروبا واليابان بسبب ضغط حظر البترول عليهما.

لقد كان نصر 1973 نصرا في معركة تكتيكية لم يحسم الصراع فيها على المستوى الإستراتيجي، ولكنه مهد لحسمه لصالح العرب. وبدلا من التقدم على طريق تحقيق الهدف الإستراتيجي العربي، حدث ما لم يكن متوقعا وعقد السادات صلحا منفردا مع إسرائيل، رغم أن معظم الحقائق السياسية والعسكرية بعد الحرب كانت في صالحه، حتى بعد حدوث "الثغرة"، ورغم أن مصر لم تستعد بالحرب سوى سبع مساحة سيناء.

وقد أبدى وزير خارجية أميركا حينذاك هنري كيسنجر خلال مفاوضاته مع الإسرائيليين في نوفمبر/تشرين الثاني 1973 استغرابه من حقيقة أن السادات لا يستعمل ما في يده من أوراق تمكنه من الحصول على مطلبه الأساسي وهو انسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها في عام 1967.

لقد انتقل السادات من نصر تكتيكي إلى استسلام مبدئي بدعوى غياب البدائل والخيارات. أما الحقيقة فهي أن السلام كان خيار السادات الأول والأخير رغبة في التقرب من الغرب، سواء باعتباره "استهواء" شخصيا من قبيل الإعجاب بالنظام الرأسمالي وما يوفره من حياة الترف دون أن يعجب طبعا بالجانب الديمقراطي منه، أو باعتباره "وسيلة" لتأمين نظامه في مواجهة خصومه السياسيين في الداخل، وكفّ أذى أميركا والغرب عنه في الخارج، بزعم أن عداء الغرب لسلفه هو الذي جلب عليه المصائب والهزائم.
_______________
باحث مصري

التعليقات