محمد شريعتي
كيف تقيم إيران علاقاتها بالدول العربية بعد ثمانية وعشرين عاما على قيام ثورتها الإسلامية؟ وبم ترد على أسئلة تتهمها بتقديم الدعم لفرق الموت في العراق؟ وهل من مصلحتها إقامة دولة شيعية جنوبي العراق وأخرى في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية؟ وما حقيقة ما يقال بشأن استخدامها المذهب الشيعي لتحقيق مصالح سياسية وطموحات إقليمية؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الدكتور محمد شريعتي مستشار الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي.
 
حوار/ محمد عبد العاطي 

 

 

بداية وقبل فتح الملفات الحساسة المتعلقة بالسياسة الخارجية الإيرانية لاسيما في العراق ولبنان ودول الخليج. هل أجريتم في إيران مراجعة شاملة لعلاقاتكم مع العالم العربي بعد مرور 28 عاما على اندلاع ثورتكم الإسلامية؟ وإذا كنتم قد أجريتم مثل هذه المراجعة فإلى أي شيء تعزون هذا الفتور الملاحظ في العلاقة على مستوى الشعوب والحكومات؟
 
العلاقات الإيرانية العربية بشكل مجمل تسير في خط متقطع، ففور اندلاع الثورة كان هناك تعاطف عربي مع الثورة، لكن بعد قليل خف هذا التعاطف. والسبب راجع إلى عدم وضوح السياسة الخارجية للثورة بسبب تداخل الأصوات داخل الجمهورية الإسلامية وعدم توحيد الرؤية الإيرانية إزاء الكثير من المشكلات كالموقف إزاء البحرين على سبيل المثال.
 
كذلك لعب سوء فهم شعار "تصدير الثورة" دورا في إساءة العلاقات الإيرانية العربية وقد استغل خطأ بعض الإيرانيين في الداخل هذا الشعار. يضاف إلى ذلك تداعيات حرية وسائل الإعلام التي أوجدتها الثورة والتي كتب فيها محللون وكتاب مقالات تهاجم سياسات الكثير من الدول العربية ووصلت تلك الكتابات إلى حد التطاول. هذه العوامل متضافرة شكلت حوافز للشكوك والتخوفات لدى الدول العربية.
 
لكن ومن منظور إيراني هل ترى أن الجانب العربي ساهم في جمود العلاقات الإيرانية العربية أو على الأقل عدم تطورها بشكل مأمول؟
 
نعم الجانب العربي مسؤول أيضا عن فتور العلاقات الإيرانية العربية أو تدهورها خاصة بعد مساعدة معظم الدول العربية العراق في حربه إيران. تلك الحرب التي مثلت انعطافا تاريخيا مهما في العلاقات الإيرانية العربية. وقد لعب صدام بورقتي الاستفزاز الاستخباراتي والنفوذ الإعلامي لتصوير نفسه على أنه حامي البوابة الشرقية للعرب وأقنع الكثير من الحكومات العربية بذلك.
 
هذا على مستوى الحكومات أما على مستوى الشعوب العربية التي أصابها نوع من الفتور فالسبب يرجع إلى الحيرة التي انتابتها. فهي من جهة ترى الإعلام يقول لها إن العروبة في خطر من البوابة الشرقية، ومن جهة أخرى ترى إيران -التي يقال لها أنها مصدر الخطر على العروبة- تقدم الدعم للقضية الفلسطينية وتعتبر إسرائيل عدوا، الأمر الذي أحدث ارتباكا في وعيها وتصوراتها.
 
معلوم أن أغلب الدول العربية خلال ربع القرن المنصرم اتخذت موقفا مؤيدا للولايات المتحدة الأميركية في سياستها في حين أن إيران الثورة ناصبت الولايات المتحدة العداء. فهل تعتقد أن هذه الخيارات السياسية والإستراتيجية لعبت دورا في فتور أو تدهور العلاقات العربية الإيرانية؟
 
"
العلاقات الإيرانية العربية سارت في خط متقطع بسبب أخطاء ارتكبتها إيران والحكومات العربية، وحكومة المحافظين الحالية في إيران تريد إقامة علاقات طيبة مع العالم العربي، لكن ينقصها النضج ولا تريد أن تستفيد من خبرات من سبقوها

"
أنا لا أميل في تحليلي إلى أن كل شيء مؤامرة أو أنه لا توجد من الأساس مؤامرة. هناك بعض المؤامرات الخارجية وكثير من الأخطاء العربية والإيرانية. والدليل على ذلك أن العلاقات العربية الإيرانية كانت أحيانا تسير نحو الود وأحيانا تسير نحو التدهور رغم أن العامل الأميركي واحد لم يتغير لا في الجانب العربي ولا في الجانب الإيراني.
 
ما أستطيع أن أقوله لك أنه بعد هذه المدة أصبح المسؤولون في الثورة الإسلامية أكثر نضجا عن ما كانوا عليه من قبل في تعاملهم مع الشأن الخارجي، وأصبحوا يتعاملون مع الآخرين المختلفين سياسيا معهم لا على أنهم خونة ولكن بمعيار أن لهم وجهة نظر مغايرة، وبالتالي اقتنع الجانب العربي أن هؤلاء الإيرانيين يمكن التفاهم معهم، بل ويمكن التقارب معهم أيضا.
 
المشكلة أن هؤلاء المحافظين في الحكومة الإيرانية الحالية راغبون في إقامة علاقات طيبة مع العالم العربي لكنهم يفتقدون إلى النضج ولا يستفيدون من خبرات من سبقوهم.
 
 

 

 

من العرب من يتهمكم بتقديم الدعم المالي والعسكري والاستخباراتي والغطاء السياسي والديني والمذهبي لمجموعات متهمة بارتكاب مجازر وتطهير عرقي وتهجير قسري بحق أهل السنة، وعلى رأس هذه المجموعات كما يعتقد هؤلاء فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وغلاة حزب الدعوة فضلا عن جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر. فأين الحقيقة من المنظور الإيراني في كل هذه الاتهامات؟
 
في زمن صدام كان العراقيون جميعا مضطهدين لكن الشيعة كانوا الأكثر اضطهادا، ولم يجدوا مكانا غير سوريا وإيران للهجرة إليهما والإقامة فيهما. والحال نفسه انطبق مع الأكراد الذين نالهم الأذى من صدام.
 
وأثناء إقامة الكثير من الشيعة والكرد على أرضنا أقمنا علاقات قوية مع الكثير من الكيانات السياسية والزعماء والقادة المعارضين لصدام.
 
وحينما عاد هؤلاء إلى العراق بعد سقوط نظام حكم صدام استمرت إيران في المحافظة على علاقاتها معهم. لكننا كدولة ورغم علاقتنا الطيبة بهم لا نتدخل في تحديد رؤيتهم ونمط تحالفاتهم داخل العراق. بدليل أن الكثير منهم يتعاونون مع الأميركيين وأميركا عدو لنا.
 
وما أقوله عن العراق ينطبق أيضا على حزب الله في لبنان الذي تربطنا علاقة طيبة به لكن لا نفرض عليه رأيا سياسيا.
 
نحن فقط ننصح الجميع، لكننا نقول لهم حذار إن إسرائيل هي خط أحمر بالنسبة لإيران.
 

إجابتك السابقة دبلوماسية، تدور حول المطلوب ولا توضحه. ولذلك اسمح لي أن يكون سؤالي أكثر حدة واعذرني إن شعرت أنه مستفز لكن لا مناص منه. هل يعقل أن تقدموا دعما لأصدقائكم القدامى كما تقول رغم ما يشاع عن ولوغهم في دماء أهل السنة في العراق؟
 
"
فيما أعرف كسياسي فإن إيران لا تقدم دعما لما يسمى بفرق الموت لكن إذا كان هناك عمل استخباراتي فلا علم لي به، وما أستطيع تأكيده أن السياسة الإيرانية تعتبر قتل السنة في العراق خطا أحمر

"
بالنسبة لقتل السنة فإن ما يقتل من الشيعة أكثر من السنة. تصل النسبة كما أعتقد من 60-65% من عدد القتلى. وأصدقاؤنا الذين يتلقون دعمنا ليسوا أحرارا في قتل السنة فهذا خط أحمر، لكن إذا حدث قتل في مكان ما في العراق فإننا كإيران لسنا مسؤولين عنه.
 
أنت تعرف أن السلاح موجود بكثرة في العراق، وهذا السلاح يمثل مشكلة أمنية حتى لإيران نفسها، فالزائرون الإيرانيون للأماكن المقدسة ومراقد الأئمة يأتون ويعودون بسلاحهم وهو ما يمثل مشكلة أمنية.
 
أما مساعدة إيران لفيلق بدر على قتل السنة والتطهير المذهبي كما يقال فهذا أمر لا أعلم به وليس من سياسة إيران.
 
وبالنسبة لجيش المهدي المتهم بأن فرق الموت التابعة له تقوم بهذه الأعمال فأنا أعلم من مدة أنه مخترق، وأنا كسياسي أقول إنه ليس من سياسة إيران دعم فرق الموت، لكن إذا كان هناك عمل استخباراتي أنا لا أعلم به فهذا شيء آخر. 
 
هل راجعتم أصحابكم هؤلاء وسألتموهم عن حقيقة هذه الاتهامات الخطيرة التي لا تلوثهم فقط -إذا ما صحت- وإنما تلوثكم أيضا؟
 
نعم بالطبع راجعناهم، حتما راجعناهم، كوزراة خارجية وكحرس ثوري، والسياسيون يراجعونهم، وقلنا لهم إن ما تفعلونه في العراق هو خطأ، وأنا كذلك قلت لهم إن ما تفعلونه في العراق خطأ.
 
قلتم لمن؟ للحكومة العراقية أم لفصائل بعينها متهمة بهذه المجازر؟
 
قلنا للذين واجهناهم من الشيعة، قلنا لهم أنتم الآن تحكمون العراق ولابد أن يتسع صدركم، وآلة الرياسة سعة الصدر، ولابد أن تلجموا الجهات المتطرفة التي لديكم. ونحن كسياسيين وكطرف إصلاحي كانت إحدى الاعتراضات التي وجهناها لهم على سبيل المثال مسألة توقيت وطريقة إعدام صدام. قلنا لهم لماذا هذا التوقيت؟ لماذا هذا التصرف؟ قالوا سرت إشاعات على أن الأميركيين كانوا يريدون فعل شيء ما قبل إعدام صدام، فقلنا لهم هذه الشائعات ربما كان مصدرها جهات أخرى حتى تورطكم.
 
هم يتحملون مسؤولية تصرفهم، ونحن تقييمنا كسياسيين إيرانيين أنهم أساؤوا العمل. كحكوميين لم يتمكنوا من ضبط الأمن وهم موجودون في الجيش والشرطة وقوات الأمن، كذلك لم يتمكنوا من جذب أهل السنة للحكم وولدوا حساسيات بأكثر مما نتوقع. وعلى هذا الأساس فإننا نعاتبهم في طريقتهم في الحكم لكننا لا نقف ضدهم كأعداء.
 

 

إذا انتقلنا إلى نقطة أخرى غير التطهير المذهبي والتهجير القسري بحق أهل السنة كما يعتقد قطاع من الرأي العام العربي. هل من مصلحة إيران وجود عراق موحد وقوي أم عراق ضعيف مقسم إلى دويلات منها دولة شيعية في الجنوب يكون -كما يقال- عبد العزيز الحكيم أحد قادتها؟
 
أنا شخصيا أعتقد أن تقسيم العراق كارثة ليس على العراق فقط وإنما على إيران أيضا.
 
كارثة على العراق أمر مفهوم لكن ما ليس مفهوما هو أن يكون كارثة على إيران. هلا وضحت ذلك؟
 
 
 
"
ليس من مصلحة إيران تقسيم العراق أو السعودية والسبب راجع إلى أن في إيران قوميات وأقليات متعددة نخشى انفصالها ولأن الدول الصغيرة سوف تحتمي بالدول الكبيرة  

"
لأن مسألة الأقليات في إيران نفسها وضعها حساس، وأي تقسيم يسبب اعتماد الدول الصغيرة الناشئة على الدول الكبيرة مثل أميركا، وهذا ضرر لإيران. وأي مسعى في هذا الجانب أراه خطأ، حتى إنني عتبت على المسؤولين العراقيين بالنسبة للحكم الذاتي الذي قالوا لنا إنه مطلب شعبي فقلت لهم في بعض الأحيان لابد أن تقف النخب في وجه المطالب الشعبية التي فيها مفسدة على المدى الطويل. لأن مسألة الحكم الذاتي للشيعة مطلب عاطفي أكثر منه عقلاني.
 
قالوا لنا نريد حكما ذاتيا أسوة بكردستان التي فيها أمن وإعمار. فقلت لهم إنكم قصرتم في الإعمار ولم تتمكنوا رغم الأموال والدعم الأميركي وإسقاط الكثير من الديون العربية المتراكمة منذ زمن صدام في تحقيق هذا الإعمار، حتى في المناطق غير الساخنة لم تحققوا الأمن ولم تقوموا بالإعمار. وقلنا لهم بعد أن صرتم في الحكومة لابد أن تفكروا في قوت الناس. فأنا شخصيا وكثيرون ضد أي تقسيم.
 

 

 

تقول كثيرين أي أنه في إيران بعض من يعتقد أن التقسيم يخدم مصالحه. على العموم دعني أنقل إليك تخوف بعض قطاعات الرأي العام العربي وترديدها بأنكم تسعون لإضعاف المملكة العربية السعودية وذلك بتقسيمها وإقامة دولة شيعية في المنطقة الشرقية. فما وجه الدقة في هذه الهواجس وتلك التخوفات. هل ترى لها أساسا من الصحة؟ 
 
لا، ليس صحيحا، فالتقسيم في أي دولة لا يخدم إيران. تقسيم المملكة العربية السعودية لا يخدم إيران. إننا نقول للشيعة في أي دولة عربية إنكم مواطنون وتحصلون على حقوقكم كمواطنين لأننا إذا دافعنا عنكم تصبحون مشبوهين. انظر إلى الشيعة في البحرين وكيف حصلوا على مكاسب سياسية أكثر مما لو دعمتهم إيران، لقد حصلوا على هذه المكاسب لكونهم عملوا تحت مظلة المواطنة، هذه نظرية كل التيار الإصلاحي.

 

القضية الشائكة الأخيرة التي أود أن أعرف وجهة نظرك فيها متعلقة بما يردده أيضا قطاع من الرأي العام العربي ومفادها أن إيران تتخذ من المذهب الشيعي والتبشير به أداة لتحقيق مصالحها السياسية والإستراتجية. فهل بالفعل تفعلون ذلك، وهل تستغلون المذهب الشيعي لتحقيق مكاسب إقليمية؟  
 
ما أعرفه أن المحافظين الذين في الحكومة حاليا لا يفعلون ذلك. لكن من الممكن أن تكون في إيران تيارات أخرى مختلفة خارج سيطرة الحكومة، لأن مسألة الشيعة لا تؤطرها الحكومة، وليس لهم تنظيم دولي، ولا يوجد تنظيم في داخل إيران يعمل تحت عنوان أنه يتولى أمر الشيعة، فكل من هو شيعي يعمل وفق مسؤوليته لخدمة المذهب الشيعي، لكن لابد على الدولة أن تحد من هذه المسألة لأن هذا يضر بمصالح إيران، ولابد أن لا تتحرك إيران من هذا المنطلق المذهبي.
 
السؤال الأخير متعلق بما سمعناه عن تدهور صحة المرشد علي خامنئي. وفي حالة خلو مكانه، فمن برأيك المرشح لخلافته؟

إلى الآن الاسم غير مطروح، ومجلس الخبراء لابد أن ينتخب مرشدا إذا خلا المنصب لأي سبب، وقد تم تعديل الدستور في هذا الأمر حتى ينتخب واحد لهذا المنصب الحساس، والأمر فيما يتعلق بالصراع على المنصب غير واضح لأنها حالة مستجدة. أما ما أشيع عن المسألة الصحية وأن المرشد مصاب بالسرطان فغير صحيح.