تحتل المنظمات الأمازيغية في المغرب اليوم مكانة تزداد أهمية وتحمل احتجاجا، لكنها ليست بجديدة. وقد بلغ التوتر الذي ميز الحقبة الفاصلة بين إعلان الاستقلال (مارس/ آذار 1956) والمصادقة على أول دستور (ديسمبر/ كانون الأول 1962) ذروته بمناسبة انتفاضة سكان منطقة الريف الناطقين بالبربرية، والذين انتفضوا عام 1958 حاذين حذو أمازيغ الأطلس الأعلى وتافيلالت في أغسطس/ آب 1956 ويناير/ كانون الثاني 1957.
 

الوفرة الجمعوية

"
يطالب ميثاق الجمعيات بإدماج تعليم الأمازيغية في التعليم وإنشاء شعب للغة والثقافة الأمازيغيتين بالجامعات المغربية، وإعطاء مساحة للأمازيغية في وسائل الإعلام
"

وقد أثارت آفاق وصول حاشد لأعضاء حزب الاستقلال إلى مؤسسات الدولة مخاوف الريفيين، وبعدها بأكثر من 30 سنة أخذت حركة الاحتجاج الأمازيغية شكل انتقاد هوياتي أوسع، حيث تعترض الجمعيات العديدة التي ظهرت خلال الثمانينيات والتسعينيات على التعريف الرسمي للهوية الوطنية المحددة حول العروبة والإسلام لاسيما بعد الاستقلال.

هذه الجمعيات التي لم تطور مطالب ترابية جغرافية محددة كانت تعتبر أن السكان الأمازيغ أغلبية عدديا وأن هويتهم تشكل القوام الاجتماعي والثقافي للمغرب، وبصفة أعم تعتبر أن الأمازيغ الذين لهم لغة وثقافة خاصتان بهم يشكلون "الشعب الأصلي" (السكان الأصليين) لشمال أفريقيا.

هناك أحداث عديدة ستميز بروز حركة احتجاجية أمازيغية جديدة كانعقاد دورة لجمعية الجامعة الصيفية بأغادير في أغسطس/ آب 1980 حول موضوع "الثقافة الشعبية– الوحدة في التنوع" التي تغذت دون شك من الأحداث الأخيرة لـ"الربيع البربري" التي اندلعت قبل ذلك بعدة أشهر في الجزائر.

وقد امتدت موجة القمع التي تلت هذه الأحداث إلى الحركة الأمازيغية الناشئة التي لم تتمكن من تطوير نشاط واسع النطاق إلا مع نهاية الثمانينيات تقريبا، فقد اعتقل المحامي حسن بلقاسم الذي سيصبح أحد الناشطين المرموقين للحركة الأمازيغية، بسبب كتابته اسمه ومهنته على اليافطة المعلقة على مدخل مكتبه بحرف تيفيناغ.
 
وهكذا تعين انتظار التسعينيات لتبدأ هيكلة الحركة الجمعوية. وفي هذا الصدد يؤرخ 5 أغسطس/ آب 1991 لظهور حركة مطلبية تزودت بعريضة تمثل المطالب الأمازيغية الأساسية، إذ أصدر المشاركون في الدورة الجديدة لجمعية الجامعة الصيفية بأغادير، التي جمعت معظم النشطاء البربر في المغرب وست جمعيات نصا يطالب بالاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين. إذ ينص الميثاق الذي تمت المصادقة عليه بهذه المناسبة على أن تاريخية اللغة والثقافة الأمازيغيتين مسألة ثابتة "منذ أكثر من 5 آلاف سنة حسب الوثائق الأثرية الموجودة".
 
وأقدمية الثقافة الأمازيغية ينظر إليها على أنها مشكلة لبوتقة هوياتية، بينما اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية لا تقدمان كعناصر مكونة للهوية الثقافية المغربية إلا "منذ اختراق الإسلام خلال القرن السادس" للمنطقة.
 
ومن منطلق هذا التاريخ، يطالب الميثاق بتسجيل الميزة الوطنية للغة البربرية في الدستور إلى جانب اللغة العربية. ورغم بقائها اللغة الرسمية للبلاد فإن العربية لم تعد محددة كلغة وطنية، إذ يطالب الميثاق بإدماج تعليم اللغة الأمازيغية (تمازيغت) في البرامج التعليمية الرسمية، وإنشاء شعب للغة


والثقافة الأمازيغيتين بالجامعات المغربية، وأيضا إعطاء مساحة للأمازيغية في وسائل الإعلام.

"
لن يتخلى البربر عن أمازيغيتهم ولن يهدأ لهم بال ما لم يُتخل عن التنكر لأمازيغية وطنهم
"
في عام 1994 أنشئ المجلس الوطني للتنسيق بقصد تعاضد جهود الجمعيات الأمازيغية التي يزداد عددها مع تطور المطلب الثقافي. وظهرت صحافة أمازيغية مستفيدة من مجال تعبير أوسع بفضل إلغاء قانون الرقابة المسبقة.
 
وستأخذ الأعمال التي تقوم بها هذه المنظمات منحى احتجاجيا علانية. لكن سقف مجال التعبير هذا بقي منخفضا، حيث تم في 1 مايو/ أيار 1994 اعتقال سبعة نشطاء من جمعية تيلِلِّي (الحرية) في كلميم، لتظاهرهم بلافتة مكتوبة بحروف تيفيناغ ولمطالبتهم بتعليم البربرية. ومثلوا أمام مجلس الراشدية الذي أصدرت حكما قاسيا بحقهم، ثم عفي عنهم فيما بعد.
 
بيد أن المسؤولين المغربيين لا يواجهون حركة اجتماعية انتقامية الطابع كتلك التي تشكلت عام 1980 عند الجار الجزائري إبان "الربيع البربري"، وعليه فسينكبون على التجاوب مع المطلب الأمازيغي في إطار مؤسساتي.
 
فبمناسبة الذكرى الـ41 "لثورة الملك والشعب"، يوم 20 أغسطس/ آب 1994 شرع الحسن الثاني في نوع من الانفتاح السياسي بإلقائه خطابا يمكن أن نصفه بالتاريخي، على الأقل من حيث الشكل، إذ يصرح بأن البربرية جزء من ثقافة المغرب مؤكدا مجددا أن العربية هي التي توحد المغربيين، ويحمل المستعمِر مسؤولية المحنة الهوياتية.
 
وقال الحسن الثاني إنه في أيامنا هذه تبين أن "اللهجات ضرورية، لماذا ضرورية؟ لأنه للأسف الغرب غزانا حتى في عقر دارنا، ففي أسرة من أصل ثلاث على الأقل تمزج العربية والفرنسية، ويتم الحديث في آن واحد باللغتين العربية والإسبانية، حتى إن اللغة أصبحت في أسرنا نوعا من الإسبرانتو الذي لا يفهمه إلا أعضاء الأسر المعنية".
 
إذا كان على مزيج لغوي أن يسود، وهو بالمرة أمر مستحب، فليكن مزيجا "العربية ولهجاتنا". وبالتالي فالملك يقترح تأطير "اللهجات" والنهوض بها قائلا إنه في الوقت الذي شرعنا فيه في الاشتغال والتفكير وطنيا في التعليم والتكوين الجامعي، يتعين الدعوة إلى إدخال اللهجات في البرامج التعليمية باعتبارها أسهمت إلى جانب العربية اللغة الأم التي نزل بها القرآن في صياغة تاريخ المغرب وأمجاده.
 
ونجد أن بداية تجسيد الالتفات إلى الأمازيغية كانت عام 1995 حين بدأ التلفزيون المغربي بث أول النشرات الإخبارية بالأمازيغية.
 
وبإيعاز من حسن أوريد (أحد مستشاري الملك الذي درس بالمدرسة المولوية مع الذي سيصبح عاهل المغرب فيما بعد محمد السادس)، اعترف الحسن الثاني بالأمازيغية لغة وطينة عام 1996 مع التأكيد من جديد على أن الغلبة للعربية.
 
بيد أن المطلب الذي تحمله الجمعيات المغربية المنضوية تحت لواء المجلس الوطني للتنسيق والقاضي بالاعتراف باللغة الأمازيغية في نفس مقام الأبعاد الأخرى للهوية المغربية، أي الإسلام واللغة العربية، لم يجد بعد تجسيدا رسميا له في الدستور.
 
وكان لبعض الشخصيات الدور الكبير في دفع المطلب الأمازيغي قدما. ومن أبرزها محمد شفيق -وهو شخصية بربرية قريبة من الملك ومؤلف معجم عربيبربري صدر عام 1989 وكان ذا أهمية تاريخية في المغرب- الذي سوف يزود المخزن بالدعامة الأيديولوجية التي ستساعده في التعامل مع الحركة الأمازيغية.
 
وقد عكف شفيق على تحرير بيان من أجل اعتراف رسمي بالأمازيغية في المغرب وفر حجة قوية من حيث المضمون لإصلاح لغوي وثقافي.
 
هذا "البيان البربري" الذي صدر في مارس/ آذار 2000 ستوقع عليه أكثر من 200 شخصية من مختلف الأطياف. ونجد فيه المطالبة بعدالة اجتماعية أكبر وبتمثيلية منصفة داخل الدولة وبالفصل بين الدين والدولة أيضا.
 
ويقول شفيق في هذا البيان "لقد غبِنت تيموزغا (أي الأمازيغية) حقها في أكثر من مجال: في عهد الاستعمار لأن مشاداتها وإياه لم تنته إلا بعد ما دحر، وفي عهد الاستقلال لأن القوى السياسية المتنكرة لها هي التي احتكرت الوسائل المادية والمعنوية الضرورية لاتخاذ القرارات".
 
ويطالب بضرورة الإقرار بالأمازيغية ويصر على أن البربر "لن يتخلوا عن أمازيغيتهم ولن يهداً لهم بال ما لم يُتخل عن التنكر لأمازيغية وطنهم: وسيكون من حقهم التنكر لعروبته إن استمر العناد في التنكر لبربريته". كما يطالب الموقعون على البيان أيضاً بأن يعترف بالأمازيغية لغة وطنية رسمية


في الدستور وبأن تسن الحكومة قوانين تجعل تعليم البربرية إجباريا في المدارس والجامعات.

"
لا يتجاوب المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مع المطالب إلا جزئيا حسب الجمعيات الأمازيغية
"
في سياق يسعى فيه الملك والمسؤولون السياسيون لتوجيه الحركة الجمعوية، جاء البيان الأمازيغي ليفتح في حقيقة الأمر الطريق لإنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وكإشارة توتر حظر المؤتمر الذي كان مزمعا عقده في بوزنيقة من قبل الحركة الأمازيغية في يونيو/ حزيران 2001.
 
وعليه فالحكام اعتبروا حينها أن المكانة الممنوحة للأمازيغية في إعادة الصياغة الهوياتية يجب أن تقوم على مؤسسة جديدة حاذين بذلك حذو المثال الجزائري للمحافظة السامية للأمازيغية. وفي يوليو/ تموز 2001 أعلن الملك الجديد محمد السادس إنشاء هذا المعهد الذي يظهر نتيجة لإستراتيجية الاختيار التي قادها أصلا حسن أوريد ومحمد شفيق. وقد أصبح هذا الأخير أول عميد في التاريخ لهذا المعهد الملكي.

وبالنسبة للملك محمد السادس يتعلق الأمر بالنهوض "بالأمازيغية كمكون أساسي للثقافة الوطنية وتراث ثقافي زاخر شاهد على حضورها في كل معالم التاريخ والحضارة المغربية" (خطاب ألقاه في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2001 في أغادير –خنيفرة– بمناسبة الحفل الرسمي لوضع الطابع على الظهير المحدث والمنظم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية).
 
وسيسمح هذا الإقرار بتدعيم الرفع من شأن الشخصية المغربية ورموزها اللغوية الثقافية والحضارية. بيد أن تعدد الروافد الهوياتية تجد أيضا تبريرا لها في المبادئ الاقتصادية كما يتجلى ذلك من الخطاب الذي ألقاه الملك في 22 مايو/ أيار 2004 بمناسبة القمة العربية في تونس، حيث أكد بهذا الخصوص أنه "إذا كانت الأجيال السابقة قد وضعت الركائز التاريخية للأمة على وحدة العقيدة واللغة والثقافة"، فإن دعامة الوحدة بين الدول العربية يجب أن تتأسس اليوم على الاندماج الاقتصادي.

ونشير هنا إلى أن من بين "إنجازات" المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حسمه الاختيار بين الحروف الثلاثة: العربي والتيفيناغ واللاتيني، لكتابة الأمازيغية.
 
وبما أن التصويت داخل مجلس إدارته لم يمكن من الاتفاق على حرف واحد بسبب انعدام النصاب القانوني أثناء التصويت، فقد فصل الملك محمد السادس في الأمر حيث اختار بإيعاز من عميد المعهد حرف تيفيناغ لأصالته التاريخية الأمازيغية.
 
ويعد هذا الخيار في حقيقة الأمر حلا وسطا لاستبعاده الحرف اللاتيني الذي يتمسك به بعض الأمازيغ، والحرف العربي الذي يدافع عنه أمازيغ آخرون وإسلاميون. وعليه فبهذا الحل


التوفيقي تجنب الملك استقطابا سياسيا بين تيارين دخلا في


جدال سياسي حول هذه المسألة في السنوات الأخيرة.
 
 
ومن جهتها لم تقض الجمعيات الأمازيغية حاجتها بتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي لا يتجاوب حسبها إلا جزئيا مع مطالبها المتضمنة في "البيان الأمازيغي". وترفض هذه الجمعيات الاعتقاد بأن صلاحيات هذا المعهد يمكن النظر إليها كاستجابة لمطالبها.
 
في هذا السياق اعتبر العديد منها أن الحركة الاحتجاجية يجب أن تركز على التشريع وعلى الدستور، منتقدة القوانين والأحكام المصادق عليها والصادرة في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي عام 1996، لا سيما مذكرة لوزارة الداخلية تحظر أن تقيد في سجلات الحالة المدنية أسماء مولدين جدد قد "تشير إلى اسم مدينة أو قرية أو قبيلة".
 
هذا التشريع المؤذي كان يستهدف في واقع الأمر الأبوين اللذين اختارا أسماء بربرية لأطفالهم مثل أنير وإيدير ونوميديا، وتحتم على الكثير منهم الشروع في إجراءات قانونية طويلة لإحراز إقرار باختيارهم.
 
بصفة أوسع تعتقد تلك الجمعيات بأن إعادة صياغة الهوية كما هي جارية من قبل الملك تبقى هشة ولا تستند إلى إقرار دستوري بالأمازيغية. وإذا كان النص الدستوري للعام 1962 قد ألغى عبارة "المغرب دولة عربية" التي كانت مسجلة في "القانون الأساسي للمملكة" المصادق عليه في 2 يونيو/ حزيران 1961 وحدد المغرب على أنه جزء من "المغرب الكبير"، فإن إنشاء اتحاد المغرب العربي غيَّر من المعطى.
 
فالدستور الجديد للعام 1996 يؤكد في ديباجته أن "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وهي جزء من المغرب العربي الكبير".
 
أما الأمازيغية فلم تحظ بوضع اللغة الرسمية، والقوانين تبقى تحرر وتصدر باللغة العربية وحدها، حتى وإن كانت تترجم إلى الفرنسية.

وفي إطار المطالبة بتسجيل الاعتراف اللغوي والهوياتي في الدستور أصدر ستة مسؤولين جمعويين نهاية 2003 "ميثاق المطالب الأمازيغية بشأن مراجعة الوثيقة الدستورية".
 
ويندد هؤلاء بكون الدستور ما زال يتجاهل كل إشارة "لهوية الأمة" بينما يعترف "برسمية اللغة العربية خارج احترام معطى التعدد اللغوي وتجاهلها لامتدادها التاريخي الذي طُمس ببحث المشرِّع الدستوري عن فضاء جغرافي متوهم للدولة المغربية في "المغرب العربي".
 
كما طالب هؤلاء النشطاء "بدسترة مبدأ العلمانية" معتبرين أن مطالب الحركة الأمازيغية يجب ألا يتوقف عند "أمزغة" (أي جعلها أمازيغية) المؤسسات.
 
وتتبنى جمعيات محلية أخرى نفس النقد، ولنكتف بمثال واحد في هذا الشأن وهو مثال المشاركين في مظاهرة، في ديسمبر/ كانون الأول 2003 في خميسات، نظمتها تنسيقية جمعيات


المغرب الأوسط (أميافا) الأمازيغية التي سترفع هي الأخرى شعار "دستور علماني وديمقراطي".
 

نجحت إذن المطالب التي تحملها الجمعيات الأمازيغية في وضع مسألة الهوية الأمازيغية في قلب النقاش السياسي العام، وفق معادلة "دولة=لغة" التي هيكلت منذ الاستقلال الشق الهوياتي والبناء المؤسساتي للمغرب وتمت مراجعتها مثلما هو الأمر في الجزائر.
 
الإقرار بالأمازيغية كقيمة هوياتية وطنية الذي نجم عن تلك المراجعة يظهر أن عمليات إعادة صياغة الهوية هي من فعل عمل احتجاجي داخلي في المغرب يأخذ شكل سيرورة محلية المنشأ تقلل من تداعيات النظام الدولي.
 
لكن من جهة أخرى ينبغي أن نتساءل عما إذا لم يكن الاعتراف بالأمازيغية بمثابة توظيف من قبل الحكومات التي لا تسير إلا بصعوبة كبيرة في مواجهة صعود الحركة الهوياتية الأخرى وتأصلها في المجتمع، ألا وهي الحركة الإسلامية.
 
اهتمام الحكومات هذا بالأمازيغية قد يقوم هذا المعنى كعنصر يأتي لموازنة الإسلام السياسي، في كل الحالات يمكن أن نؤكد أننا انتقلنا في المغرب كما في الجزائر من إدارة سياسية


مبنية على معالجة قمعية بحتة إلى إدارة نظام اجتماعي


محدد كنظام ثقافي.
_______________
Didier Le Saout: باحث في معهد أوروبا-المغرب، جامعة باريس الثامنة (فرنسا)، ونقله إلى العربية د. عبد النور بن عنتر