بقلم: د. قيس جواد العزاوي
*
يتفق عدد كبير من المراقبين على أن أزمة الحصار على العراق واستدامتها مسؤولية مشتركة بين الولايات المتحدة والنظام العراقي، فالولايات المتحدة ولأسباب تتعلق بمصالحها الحيوية في المنطقة حريصة على استمرار وضع النظام العراقي في القفص وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:

د. قيس جواد العزاوي
- أولها محاصرة الشعب العراقي لاستنزاف طاقاته البشرية وإضعافه علميا وجسميا ونفسيا، وإفراغه من كوادره ونخبته العلمية. وقد نجحت في ذلك، إذ ابتعد عدد كبير من الأطفال عن المدارس بحثا عن الرزق، وانقطع العلماء العراقيون عن مواكبة التقدم العلمي، وهاجرت غالبية النخبة العلمية إلى الخارج.

- وثانيها تحييد العراق واستبعاده من معادلات التفاوض وتوازنات القوى في الشرق الأوسط. 

- وثالثها إضعاف النظام العراقي دون إسقاطه، للاستمرار في ابتزاز الدول الخليجية، بذريعة أن أمنها مهدد من العراق، لتبرير استمرار الوجود العسكري الأميركي على أراضيها.

أما النظام العراقي فإن الحصار لا يؤذيه بل يقويه. فرجاله لا ينقصهم شيء وقد أخذت الأجهزة الشعب العراقي في قبضتها الصارمة من خلال توزيع الحصص التموينية, وتحول النظام، مستغلا مأساة شعبه، إلى ضحية في الإعلام العالمي بعدما كان الجاني. وعلى المستوى المادي استغل لصالحه النفط المهرب الذي يقدر عائده بمليار دولار سنويا، فهو لا يصب في ميزانية الدولة بل يذهب إلى جيوب الرئيس وأبنائه وإخوته، كل منهم يستغله على هواه. فالرئيس صدام بنى أثناء فترة الحصار 49 قصرا جديدا بلغت كلفتها حسب دوائر الأمم المتحدة مليارين من الدولارات. وأخيرا فإن النظام العراقي يؤمن كما يقول الاستراتيجي الأميركي المعادي للحصار ميكائيل باري بأن الولايات المتحدة بحاجة ماسة إليه، لذلك فهو يسارع إلى تنفيذ ما تريد عندما تريد وتشتد الأزمة.

من يرفع الحصار؟
واليوم والعراقيون والعرب معهم يرون أن قبضة الحصار قد تفككت، والنظام مزهو بتحديه قرارات الأمم المتحدة والطائرات تهبط في بغداد ودول عديدة تهرع إلى بغداد بحثا عن مصالحها. فهل تفكك الحصار حقيقة وهل بدأ العراق يرى النور في آخر النفق؟ سؤال تكمن الإجابة عنه في طرح سؤال آخر: من يملك القدرة على رفع الحصار عن العراق؟ هل هي الرغبة والإرادة العراقية التي تفرض نفسها وتجعل الحصار يتآكل بالفعل؟ أم أن الضغط العربي والدولي والطائرات التي تهبط في بغداد ومشاهد المأساة اليومية التي يعيشها الشعب العراقي هي التي ستجعل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن تضغط على أميركا وبريطانيا لرفع الحصار؟ ولماذا لم تنفع محاولات روسيا والصين وفرنسا في رفع الحصار؟ أو على الأقل تحديد سقف زمني لرفعه، وهو ما يرغب فيه العراق وتؤيده في ذلك دول كثيرة؟

أثبتت لنا مسيرة الأعوام العشرة الماضية أن النظام العراقي صمد في وجه الحصار ونجح في الحفاظ على قوته الداخلية. ولكن بأي ثمن؟ هذا هو السؤال، الثمن دفعه بشكل كارثي شعب العراق الذي خضع لحصارين، حصار القمع الداخلي، والتجويع الخارجي،.. فرجال الدولة لا ينقصهم شيء، يعيشون بنعيم ويتطببون على يد أشهر أطباء العالم (ملايين الدولارات صرفت على أمراض الرئيس، وعزت الدوري، وعدي صدام حسين، وغيرهم من الحاشية) وقائد النظام يواصل البذخ ويدخن سيكار الهافانا، وأولاده يتنافسون على أرباح تجارتهم بسلع العراق وعوائده، والأجهزة الأمنية وهي كثيرة ومرعبة تسهر على راحة المنعمين وتبطش بالمعدمين. إن الشعب هو الذي دفع غاليا ثمن الصمود، يدفعه بدماء أطفاله وشبابه وشيوخه. وأثناء الحصار فقد الوطن ثلاثة ملايين عراقي من نخبة المجتمع، تركوا البلاد لأسباب سياسية أو اقتصادية،.. صمود العراق إذن كان له ثمن باهظ جدا... ولكن هل بوسع هذا الصمود إنهاء الحصار؟


أزمة الحصار على العراق واستدامتها مسؤولية مشتركة ما بين الولايات المتحدة والنظام العراقي

الدلائل تشير إلى غير ذلك، فالتعاطف العربي والدولي المتزايد مع مأساة الشعب العراقي لم يؤثر على الولايات المتحدة وبريطانيا لكي توقفا اعتداءاتهما اليومية، فكيف يمكن إذن فك الحصار؟ لا يختلف عاقلان اليوم على أن قدرة رفع الحصار عن العراق تمتلكها دولة بعينها وهي الولايات المتحدة وتؤيدها في ذلك بريطانيا، وليس للرغبة العراقية ولا الأماني العربية ولا حتى مأساة الشعب العراقي تأثيراتها عليهما. فالدول العظمى بما فيها فرنسا وروسيا والصين تصر على ضرورة تنفيذ العراق لقرار 1284 وعودة المفتشين، وتجده المدخل الصحيح لرفع الحصار.. فكيف السبيل إذن؟ هل بإمكان النظام العراقي استمرار تحدي هذه الدول؟ وما هي قدرته على ذلك غير ما يسميه بالصمود؟.. وكم سيموت من العراقيين؟ وإلى متى ستستمر مواكب جنازات الأطفال تخترق شوارع بغداد؟ وهل يمكن التضحية بالشعب العراقي بسبب العناد الأميركي وبذريعة صمود النظام؟

سياسات متناقضة
إذا أردنا أن نتفهم عن قرب حقيقة سياسات النظام العراقي تجاه الحصار وقرارات الأمم المتحدة وانعكاساتها على شعبه وجيرانه فسوف نعود إلى البداية عندما وافق النظام في خيمة صفوان على قرارات مذلة من قبل الأمم المتحدة منها تلك المتعلقة بتدمير أسلحته. ولهذا الغرض تم تأسيس "الأونسكوم" اللجنة الخاصة المكلفة بإزالة الأسلحة العراقية عام 1991، حينها ولتأمين عوائد نفطية تساعد على استيراد بعض حاجات العراق الأساسية صدر قراران عن الأمم المتحدة: الأول رقم 706 لعام 1991 والثاني رقم 712 لعام 1991 أيضا يقترحان بيع النفط العراقي بإشراف دولي، ولكن العراق رفض رفضا قاطعا هذين القرارين على أساس أنهما قراران ينتهكان سيادة العراق على أراضيه ويتدخلان في شؤونه الداخلية كما أنهما سيطيلان من أمد العقوبات.. واستمر النظام رافضا بيع نفطه بالذرائع نفسها، وهي ذرائع منطقية، حتى عام 1997 عندما وقع العراق مع الأمم المتحدة على "مذكرة التفاهم" في 20 مايو/أيار 1997 لتنفيذ القرار 986 الصادر في 14 أبريل/نيسان عام 1995 المعروف باسم (النفط مقابل الغذاء). وكانت الحكومة العراقية قد رفضته استنادا إلى الحجج نفسها المتعلقة بالسيادة، حتى أن المجلس الوطني العراقي دان هذه "القرارات الوقحة التي تعتدي على سيادة العراق وكرامته"، أما الرئيس العراقي فقد اعتبرها  "انتهاكا للسيادة العراقية، ومن الأفضل الموت واقفين على الرضوخ لها".


وافق النظام العراقي عام 1997 على صيغة "النفط مقابل الغذاء" التي تعني قبولاً بالقرارات التي صدرت عام1991 ورفضها النظام من قبل”
وعلى الرغم من هذه الممانعات وافق النظام العراقي على صيغة (النفط مقابل الغذاء) التي تعني قبولا بالقرارات التي سبقتها لعام 1991 دون أن يعرف أحد لماذا وكيف؟ وهذا يعني أن النظام بتردده الذي دام قرابة سبع سنوات أسهم فعليا في قتل آلاف مؤلفة من الأطفال وتدمير البنى التحتية للجهاز الصحي العراقي، فالمعلومات التي أدلى بها وزير الصحة حينذاك تقول إنه حتى عام 1997 وبسبب الحصار فإن هناك ما يقرب من مليوني طفل معاق وأكثر من 600 ألف مواطن أصيبوا بأمراض مزمنة، وقد خربت شبكات المياه، وخلت المستشفيات من الدواء، وهاجر الكادر الطبي العراقي إلى الخارج. أما منظمة الطفولة العالمية "اليونسيف" فتقول إنه قتل 478 ألف طفل طيلة فترة التردد العراقي بمعدل 4500 طفل شهريا.

وبقبولها قرار 986 فقد تخلت بغداد عن كل الشروط التي تفاوضت من أجلها طيلة هذه السنوات، بما فيها تقليل عدد المراقبين الدوليين إلى 90 مراقبا، وإعطاء الحكومة العراقية صلاحية تعيين الجهاز التنفيذي لعمليات التوزيع للغذاء والدواء، وقبلت بوجود 151 مراقبا وانتشار 32 ضابطا دوليا من ضباط الجمارك للتأكد من وصول المواد الغذائية فضلا عن 14 مفتشا نفطيا. هكذا تراجع نظام بغداد دون سبب يذكر ونسي السيادة والكرامة، ورضخ للقرارات "بعد خراب البصرة" مطيلا عذابات العراقيين سنوات وسنوات.

صيغة النفط مقابل الغذاء في الميزان


وبنظرة موضوعية ونقدية نقول إن القبول بهذا القرار لم يسهم في انفراج دولي يسمح برفع العقوبات، بل على العكس أتاح القرار 986 للأمم المتحدة ومن ورائها الولايات المتحدة الإشراف والتحكم في موارد النفط العراقية، وهو ما يعتبر تحايلا على الفقرة 22 من قرار 687 التي قام العراق باستيفاء شروطها باعترافه بحدود الكويت وبخطة لمراقبة تسليحه على الأمد البعيد. وهكذا تحول قرار رفع الحظر عن صادرات العراق إلى قرار لرهن مستقبل العراق وإذلاله. وبهذه الصيغة سمح النظام للولايات المتحدة بتحقيق نصر جديد عليه سيسهم في وضع العراق تحت الوصاية الأميركية إلى وقت غير محدد، إذ أدت الصيغة إلى:

1) إبقاء النفط العراقي رهن الحاجة الأميركية إليه.
2) إبقاء العراق تابعا للأمم المتحدة أو بالأحرى للولايات المتحدة فيما يتعلق بالموافقة على الترخيصات، وهي كما يعلم الجميع اليوم إحدى العقد المهمة التي تحول دون استخدام العراق لعوائده النفطية بحرية ولتلبية حاجاته الأساسية.

3) استمرار وجود الخبراء الدوليين والمراقبين فيما يخص بيع النفط أو التصرف بعائداته أو توزيع الغذاء، مما يعزز إبقاء العراق تحت الوصاية.

4) إعفاء الولايات المتحدة من مهمة إغاثة الأكراد وتخصيص المساعدات لهم لأن الاتفاق ضمن لهم حصة 13% من موارد النفط العراقية.


المجموعة الدولية في تعاملها مع العوائد النفطية العراقية تجعل الشعب العراقي في وضع المتسول، وتدعي بأنها تقدم المساعدات للشعب العراقي في حين أن المبالغ المقررة هي من عوائد نفطه الخاصة

إن صيغة "النفط مقابل الغذاء" سمحت حينها بتصدير نفط بما قيمته ملياران من الدولارات كل ستة أشهر لشراء الأغذية والأدوية بإشراف الأمم المتحدة وتوضع عائدات المبيعات في حساب طرف ثالث حيث خصص حوالي 1.32 مليارا للإمدادات الإنسانية ومنها 260 مليون دولار للمحافظات الكردية الثلاث: دهوك، وأربيل، والسليمانية، كما استقطعت من المليارين 30% أي 600 مليون (أصبحت نسبة الاستقطاعات الآن 25%) لصندوق التعويضات عن أضرار الغزو العراقي للكويت و20 مليون دولار لتسديد نفقات لجنة التفتيش عن الأسلحة. بعد اتفاق فبراير/شباط 1998 الذي عقده السكرتير العام للأمم المتحدة مع العراق فإن الأمم المتحدة سمحت للعراق أن يبيع من نفطه ما قيمته 5.2 مليارات دولار كل ستة أشهر.

أما قرار 1154 فقد حسن قليلاً من الأوضاع الإنسانية والصحية في العراق، ولكنه لم يكن كافياً بسبب المبالغ الكبيرة التي تستقطع من الدخول النفطية، وبسبب المماطلة البيروقراطية غير المبررة التي تطبقها لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، ولعدم الأخذ بالاعتبار حاجات الاستثمار الضرورية الكبرى المستعجلة لصيانة وإعادة بناء البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية المهدمة حالياً، ولإرساء الدورة الاقتصادية الطبيعية في البلاد. إن ما هو مهين ومشين في الوقت ذاته هو تعامل المجموعة الدولية مع العوائد النفطية العراقية، فهي تجعل الشعب العراقي في وضع المتسول، وتحتال خلقياً عندما تدعي بأنها تقدم المساعدات للشعب العراقي في حين أن المبالغ المقررة للعراق هي من عوائد نفطه الخاصة.

وعلى إثر أزمة تفتيش القصور الرئاسية تدهورت الأحوال وقصفت الولايات المتحدة وبريطانيا بغداد من جديد في عملية ثعلب الصحراء عام 1998، وقيل حينها إنها قصفت وجود لجنة الأونسكوم ورجالها إذ حال ذلك دون عودة المفتشين إلى العراق.

أما القرار 1284 الصادر في ديسمبر/كانون الأول عام 1999فيبدو غامضا لأنه يقرر إجراءات لوقف العقوبات الاقتصادية ولكنه يربطها بلجنة مراقبة جديدة لنزع السلاح العراقي. ولا يضع القرار الجديد حدوداً على تصدير النفط من الناحية النظرية ولكن من الناحية العملية فإن العراق عاجز عن تصدير ما يشاء نظراً لحاجة المنشآت النفطية (الأنابيب، المضخات، محطات التصدير) إلى إصلاح وتأهيل، وبعد ضغط دولي اضطرت الأمم المتحدة إلى تخصيص 600 مليون دولار لكي يقوم العراق بتطوير وصيانة المنشآت النفطية، ولكن الولايات المتحدة وضعت عقبات دون ذلك. ومن ناحيته فقد رفض النظام العراقي قبول هذا القرار لأنه يسمح بعودة المفتشين الدوليين عن السلاح. أما الأمم المتحدة فإنها تصر على عودة المفتشين للتأكد من عدم وجود أسلحة الدمار الشامل، وتعتبر ذلك الطريق الوحيد لتجميد الحظر ورفعه، في وقت يطالب النظام العراقي بالرفع الفوري للعقوبات. ويتجلى إصرار الأمم المتحدة فيما صرح به الدكتور هانز بليكس رئيس لجنة الرصد والتحقق والتفتيش "أنموفيك" لجريدة الحياة في الثامن من مارس/آذار 2000 عندما أكد بأن جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بما فيهم العراق يدركون أن القرار 1284 ملزم، وأنه لابد من دخول "الأنموفيك" إلى جميع المواقع التي يراد تفتيشها وحق الوصول إلى المواقع والوثائق والسجلات والأفراد.

الحصار مسؤولية مشتركة بين أمريكا والنظام
ويبقى أن نتساءل هل عرقل نظام بغداد عملية رفع الحصار عليه؟ سؤال يحتمل العديد من الإجابات. بداية لا يختلف عربيان على أن الولايات المتحدة تريد إطالة الحصار على العراق وتعمل كل ما في وسعها من أجل إبقاء العراق خارج معادلة موازين القوى في الشرق الأوسط، ولكن هل أدرك النظام العراقي هذه الحقيقة وعمل على تذليلها؟ نحن نقول بأن نظام بغداد انتهج سياسات غير منضبطة ومتغيرة بشكل لا يوحي بالثقة. فمن رفضه لقرارات الأمم المتحدة القاطع إلى قبوله بها، ومن رفضه تفتيش القصور الرئاسية واعتبارها مسألة سيادة وكرامة إلى القبول غير المشروط بتفتيشها، ومن تأكيد النظام على تدمير كامل سلاحه إلى اعتراف طارق عزيز للجنة التفتيش على إثر هروب حسين كامل وصدام كامل إلى الأردن بوجود كميات كبيرة من الأسلحة واتهام حسين كامل بإخفائها.. ومن الشكوى من قلة الماء والغذاء إلى بناء الرئيس إبان فترة الحصار 49 قصراً بلغت تكلفتها مليارين من الدولارت تضاف إلى عشرات من قصوره الأخرى. ومن الهجوم على عضو لجنة التفتيش المدعو "ريتر" والقول بأنه جاسوس إسرائيلي إلى استقباله بعد استقالته من لجنة التفتيش في بغداد استقبال الأبطال ونقل أحاديثه لصحف النظام وإعلامه،.. كلها سياسات متناقضة تنزع مصداقية النظام.


سياسات النظام العراقي تمنع رفع الحصار عنه وتحرج  القريبين منه وتغضب البعيدين عنه

وفي الوقت الذي تسعى فيه كل الأطراف الدولية المستنكرة لاستمرار الحصار على العراق للتسريع في إنهائه يترأس الرئيس العراقي في العاشر من مارس/آذار 2000 اجتماعاً ضم وزيري التصنيع العسكري والنفط وكبار الجنرالات والخبراء بشؤون الصناعة العسكرية العراقية ويعلن "لابد أن نشرع الأسلحة بوجه الأعداء لكي ننتصر عليهم" ويطالب بإنتاج كثيف لأسلحة فاعلة تحقق النصر الأكيد. وفي وقت يعلن النظام عن رغبته بالعودة إلى الساحة العربية، ويحضر اجتماع وزراء الخارجية العرب وتفتح نقطة حدود عرعر مع السعودية ويساهم رجال أعمال سعوديون في معرض بغداد يخرج الرئيس صدام في أول مناسبة لكي يهاجم في خطاباته الملوك والعروش والقادة العرب ويعتبرهم خونة ومتخاذلين. ويقيم الاحتفالات السنوية بذكرى احتلال الكويت وتخليد أم المعارك واعتبارها معركة الكرامة والوطنية. ويدفع عدي في الوقت نفسه لكي يضع الكويت ضمن خارطة العراق .. حتى الدول الكبرى التي تطالب برفع الحصار مثل روسيا والصين وفرنسا لم تسلم من الهجوم فقد اتهمت افتتاحية صحيفة "بابل" هذه الدول في 22/7/2000 بإطالة الحصار لتحقيق مكاسب مادية.

إلى متى...؟

لقد حالت سياسات النظام العراقي غير المسؤولة دون رفع الحصار عليه وأغضبت بشكل شبه دائم القريبين والبعيدين منه، فحلفاء وأصدقاء نظام بغداد يئسوا من سوء إدارة السياسة العراقية غير المستقرة والمتقلبة التي تجهض أغلب محاولاتهم لتبييض سمعته خارجياً وتطبيع التعامل معه إقليمياً. أمام هذا المأزق الذي لا مخرج في الأفق له نتساءل ما الذي ينتظره النظام لتغيير سياساته الداخلية والعربية والدولية؟ هل ينتظر التضحية بأطفال العراق وتحويل شعبه إلى معاقين ومهاجرين ومسجونين والى متى ؟

ـــــــــــــــ
* محلل سياسي، وأستاذ محاضر في معهد الدراسات الإسلامية بباريس والجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن.