لم يكد السادات ينتصر على إسرائيل حتى بدأ البحث عن السلام معها (الجزيرة-أرشيف)
بلال الحسن
كانت حرب رمضان 1973 حربا مجيدة، أعادت للعرب ولمصر وسوريا بالذات ثقة بالنفس، انهزت بقوة بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967. ولم يقتصر الأمر على استعادة الثقة بالنفس فقط، بل إن نظرية التفوق العسكري الإسرائيلي تراجعت إلى الخلف أثناء تلك الحرب، حتى إن إسرائيل شعرت بالخطر على وجودها، وإلى حد إصدار الأوامر من قبل رئيسة الوزراء غولدا مائير، لإعداد القنبلة الذرية للدفاع عن دولة إسرائيل. وتلت ذلك مفاوضات فك الاشتباك، ومفاوضات فصل القوات، ومفاوضات الخطوة خطوة التي قادها وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر والتي لم تثمر سوى إنجازات جزئية.

وفجأة، جاءت خطوة التراجع الكبرى، حين شاهد العرب جميعا أول وأهم زعيم عربي، رئيس جمهورية مصر العربية أنور السادات، يهبط من طائرته في القدس، ويقف تحت العلم الإسرائيلي، ويتوجه لإلقاء خطاب في الكنيست [1].

كانت هذه الزيارة بداية تغير إستراتيجي في الصراع العربي الإسرائيلي، وبعدها جاءت مفاوضات كامب ديفد بين السادات ومناحيم بيغن برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر [2]، ثم جاءت معاهدة السلام بين مصر واسرائيل [3]، واكتملت بذلك المسيرة التي أطلق عليها اسم "مسيرة السلام".

"
كانت لزيارة السادات إلى القدس بداية تغير إستراتيجي في الصراع العربي الإسرائيلي
"
تعويض غياب مصر
شكلت "مسيرة السلام" هذه صدمة عربية كبيرة، عبرت عن نفسها في انعقاد قمة عربية في بغداد [4]، أعلنت عدم اعترافها بالاتفاقيات التي وقعت، وقررت مقاطعة مصر وعزلها عربيا.

وهكذا وقع الانقسام العربي الأكبر، الذي كان يعني في حينه وربما لا يزال، استحالة شن حرب عربية على إسرائيل وقد أصبحت مصر خارج توازنات هذه الحرب.

وفي محاولة لتعويض هذه الخسارة الكبرى، برزت نظرية "الجبهة الشرقية"، وتقدمت سوريا إلى الواجهة في محاولة منها لبناء هذه الجبهة عسكريا وسياسيا بالتعاون مع العراق والأردن ولبنان. ولكن هذه الجهود لم تثمر بسبب الخلافات السورية العراقية، وكذلك بسبب توترات الوضع داخل لبنان الذي كان غارقا في أتون حرب أهلية دامية بدأت منذ العام 1975.

دافع المؤيدون لاتفاق كامب ديفد وللمعاهدة التي تلت عن تلك السياسة بالقول إنها أدت إلى استرجاع مصر أراضيها بالكامل التي تم احتلالها في حرب 1967. وانتقد المعترضون الاتفاقات بقولهم إنها عزلت مصر عن العرب، وإن السيادة في سيناء منقوصة، وإن الاتفاقيات تدفع مصر باتجاه المعسكر الأميركي وباتجاه الاقتصاد الرأسمالي الذي يتناقض مع مصالح الأغلبية الشعبية في مصر.

إضافة إلى ما تعنيه الاتفاقيات من تخل عن حلفاء مصر في الحرب، وتركهم وحيدين يواجهون ضغوط الولايات المتحدة الأميركية، ورفض إسرائيل إعادة الأرض العربية المحتلة بعد أن خرجت مصر من دائرة الحرب ومن دائرة التفاوض.

تأثير الاتفاقية على القضية

السادات فاجأ العرب بزيارته للقدس (الجزيرة-أرشيف)
ونريد هنا أن نركز على التأثير السلبي لهذه الاتفاقيات على القضية الفلسطينية، وعلى منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تقود النضال الفلسطيني وتلقى الدعم القوي والوثيق من جانب مصر. ونستطيع هنا أن نسجل النقاط الأساسية التالية:

أولا: كانت هناك قناعة لدى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وهو الذي كان حاضرا حفل خطاب الرئيس السادات الذي أعلن فيه أنه سيزور إسرائيل، وخرج من القاعة فور انتهاء الخطاب وغادر مصر متجها إلى لبنان، وأعلن هناك لكل مساعديه ولكل زواره وأحيانا للصحافة أن الفلسطينيين هم الذين سيدفعون ثمن هذه السياسة الجديدة، وسيدفعونها في لبنان بالذات.

كان عرفات يرى أن خروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، والخلاف السياسي بين الفلسطينيين ومصر، سيغري كل خصوم القضية الفلسطينية بتركيز الهجمات ضدها. ولم يكن هذا التصور نظريا، أو بعيدا عن الواقع، فقد تواصلت الحرب اللبنانية، وبدت في بعض الأحيان وكأن لا حل لها.

ثانيا: وقعت في ظل اتفاقات كامب ديفد حرب إسرائيل ضد لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية في مطلع يونيو/حزيران 1982، وقادت تلك الحرب إلى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وإلى احتلال إسرائيل العاصمة بيروت في أول حدث من نوعه تحتل فيه إسرائيل عاصمة عربية.

ثالثا: أما بصدد الاتفاقيات نفسها، فقد تضمنت تراجعا مصريا كبيرا عن دعم الفلسطينيين الذين كانوا يتطلعون إلى دولة فلسطينية، وسجلوا ذلك في قرارات صادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني، وأبرزها برنامج النقاط العشر الذي تم إقراره عام 1974. فقد سجل اتفاق كامب ديفد (اتفاق إطار السلام) أنه ستكون هناك "ترتيبات انتقالية بالنسبة إلى الضفة الغربية وغزة لفترة لا تتجاوز خمس سنوات، ولتوفير حكم ذاتي كامل لسكان الضفة الغربية وغزة".

وهكذا أصبح المطروح للتفاوض هو الحكم الذاتي وليس الدولة الفلسطينية. ولا بد أن نلاحظ هنا بدقة أن الاتفاق يتحدث عن حكم ذاتي لـ "السكان". ومع أن هذه الكلمة تبدو بريئة إلا أنها تتضمن حسب المفهوم الإسرائيلي القول بأن الحكم الذاتي هو "للسكان" وليس "للأرض"، حيث الأرض ستبقى لإسرائيل. وحتى هذه الصيغة فستتم عبر علاقة تقوم بين الحكم الذاتي الفلسطيني والأردن، سياسة وأمنا، حتى لا تتطور إلى دولة.

رابعا: حين بدأت المفاوضات بين مصر وإسرائيل في فندق مينا هاوس في القاهرة، دعت مصر منظمة التحرير الفلسطينية للاشتراك في التفاوض حول الحكم الذاتي، ولكن المنظمة رفضت، وكان أن بادرت مصر إلى صياغة مشروع للحكم الذاتي الفلسطيني تضمن قراءة قانونية لاتفاق كامب ديفد تفيد بأن الحكم الذاتي هو للسكان وللأرض في آن واحد [5].

وتضمن هذا المشروع في البند الذي يحمل عنوان "مدى الحكم الذاتي" وفي الفقرة "ب" ما يلي: "تمتد سلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى كل من السكان والأرض على السواء". وقد رفضت إسرائيل هذا المضمون للمشروع المصري، وعادت وأكدت على لسان مناحيم بيغن أن الحكم الذاتي هو للسكان وليس للأرض (التي ستبقى تحت سيطرة إسرائيل). وهنا بادرت مصر إلى سحب مشروعها من التفاوض.

وهكذا، فإن النتائج المباشرة لاتفاق كامب ديفد أدت إلى تنازل مصري عن دعم مطلب الدولة الفلسطينية، ثم أدت إلى أن يصبح مطلب إسرائيل بأن الحكم الذاتي هو للسكان فقط ولا يشمل الأرض مطلبا مطروحا على الطاولة، وتدعمه نصوص اتفاق كامب ديفد.

"
النتائج المباشرة لاتفاق كامب ديفد أدت إلى تنازل مصري عن دعم مطلب الدولة الفلسطينية
"

خامسا: بعد حرب لبنان في العام 1982، وفور انتهاء الحرب، وبينما كان عرفات يغادر بيروت إلى تونس، أصدر الرئيس الأميركي رونالد ريغان مبادرة حملت اسمه [6] وتضمنت توجها يدعو الفلسطينيين إلى التوقف عن النضال المسلح والتوجه إلى العمل السياسي فقط.

كما تضمنت الإعلان عن رفض إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك رفض ضم هذه المنطقة إلى إسرائيل، داعية إلى تحقيق الحكم الذاتي للفلسطينيين بالارتباط مع الأردن. وهكذا، فإن مبادرة ريغان كرست: مبدأ الحكم الذاتي، ومبدأ أن الحكم الذاتي للسكان من دون الأرض، وقيام ارتباط فلسطيني أردني في التسوية، وكل ذلك بعيدا عن الدولة الفلسطينية.

وبهذا كان على القيادة الفلسطينية، وبعد الخروج من بيروت والتمركز في عواصم عربية عدة، أن تناضل من جديد لتأكيد مطلبها بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة. وقاد هذا الوضع إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر العام 1987 التي حركت الوضع الدولي باتجاه عمل ما، بعد سنوات من الجمود.

ولكن من المهم أن نسجل هنا إشارة مصرية ذات دلالة، إذ حين خرج عرفات من مدينة طرابلس اللبنانية عام 1984، بحماية سفن فرنسية، وتوجه نحو مصر وقناة السويس، استقبلته في عرض البحر قوات عسكرية مصرية بحرية.

وأعلنت مصر بعد أن أصبح حسني مبارك رئيسا لها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وكذلك الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولته المستقلة. ويشكل هذان البندان خروجا عن التفسير الأميركي والإسرائيلي لاتفاق كامب ديفد، وقد شكلا بداية للعودة إلى علاقات تعاون بين مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ولكن ماذا عن المستقبل؟
لقد تم توقيع معاهدة السلام بين مصر واسرائيل في مارس/آذار 1979، وبحلول هذا الشهر عام 2009 يكون قد مضى على توقيعها ثلاثون عاما. وهنا يطرح سؤال: هل هذه الاتفاقية، ببنودها وقيودها، أبدية، أم أنه يمكن إلغاؤها أو تطويرها أو تعديلها؟ هناك مبررات كثيرة لطرح هذا السؤال، أهمها أن الاتفاقية تمنع تمركز الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء.

والمسموح به حسب الاتفاقية هو 750 رجل شرطة فقط. وحين طالبت إسرائيل مصر بحماية أقسى لحدودها مع قطاع غزة بسبب تهريب أسلحة إلى غزة، طلبت مصر بالمقابل السماح لها بزيادة عدد قواتها في المنطقة ورفع العدد إلى 1500 رجل شرطة، ولكن إسرائيل رفضت حتى لا يكون ذلك مدخلا لطلب تعديل الاتفاقية.

ومن البديهي أن سيطرة مصر عسكريا على سيناء يتيح لها مجالا أوسع لحماية أمنها، ويتيح لها -وهذا هو الأهم- البدء في بناء مشاريع تنمية وإسكان فيها هي في أشد الحاجة إليها، ولكنها لا تستطيع أن تبادر إلى البدء في مشاريع التنمية من دون قدرة على السيطرة الأمنية الشاملة. والبحث في هذه القضية يفتح الباب أمام مطالبة مصر بخروج قوات المراقبة الدولية من سيناء أيضا، ومن أجل أن تكتمل سيادتها عليها.

لم يعش السادات كثيرا بعد توقيع اتفاقية السلام فقد اغتاله ناشطون إسلاميون (الجزيرة-أرشيف)

نقد الاتفاقية
لقد تعرضت اتفاقية كامب ديفد إلى نقد مصري حاد. والملفت للنظر أن هذا النقد بدأ من داخل المؤسسة الدبلوماسية المصرية ومن أعلى مستوياتها. بدأ أولا عبر وزير الخارجية إسماعيل فهمي الذي كان منسجما مع الرئيس السادات في سياسة التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكنه اختلف معه حين قرر زيارة إسرائيل، ورأى في ذلك تنازلا يستدعي الاستقالة [7].

وكذلك عبر وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل، الذي تسلم الوزارة مؤيدا لزيارة السادات للقدس، ولكنه ما لبث أن استقال وهو يرافق الرئيس الرئيس السادات في مفاوضات كامب ديفد [8]. وعندما أصدر بعد ذلك مذكراته عن فترة عمله في وزارة الخارجية بعنوان "السلام الضائع"، قال إنه طلب من الرئيس السادات عند تعيينه وزيرا أن يشرح له أسس السياسة المصرية.

وأضاف أنه شاهد في كامب ديفد الرئيس السادات وهو يتنازل عن هذه الأسس واحدا بعد الآخر، ولذلك بادر إلى تقديم استقالته وهو لا يزال في كامب ديفد، ولكنه لم يغادر المكان لكي لا يشكل ذهابه إحراجا للرئيس.

أما خارج نطاق المؤسسة، فإن دعوات مصرية عديدة تنطلق عبر الأوساط السياسية أو الصحافية أو الحزبية تطالب بتعديل الاتفاقية أو إلغائها، في كل مرة تقترب فيها الذكرى السنوية لتوقيعها. مثلا في العام 2004 وفي الذكرى الخامسة والعشرين لها، دعا العضو المؤسس لحركة "كفاية" المهندس أحمد بهاء الدين شعبان إلى إلغاء الاتفاقية لأن سيناء لم تسترجع بالكامل كما يقال، بل هي مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، منها أجزاء ممنوعة على المصريين. وهناك فيتو حقيقي -حسب قوله- على أي تعمير حقيقي لسيناء، ما عدا بعض المشروعات السياحية التي تعتبر من وجهة نظر إسرائيل رهينة.

ومن ناحيته قال أستاذ القانون الدولي في جامعة القاهرة  الدكتور علي الغتيت إن "من حق مصر أن تطلب تغيير بعض بنود الاتفاقية خاصة بعد مرور ربع قرن على إبرامها"، مشيرا إلى أن "مصر لم تنبه إسرائيل إلى ما ارتكبته من إخلالات ببنود الاتفاقية، بالاعتداء على الفلسطينيين والشعب اللبناني". وقال إن "العدوان المستمر من إسرائيل على الشعب الفلسطيني، وعدوانها الأخير على لبنان، هو إخلال صريح باتفاقات كامب ديفد".

وفي العام 2009 تقدم عضو مجلس الشعب محمد العمدة بدعوى ضد رئاسة الجمهورية وضد رئيس الوزراء، مطالبا بضرورة تجميد اتفاقية كامب ديفد. وقد نظرت المحكمة بالقضية وقررت تأجيل النظر فيها.

ودعا مدير مركز البحوث العربية والأفريقية الدكتور حلمي شعراوي خلال ندوة في نقابة الصحافيين إلى إعادة النظر في الاتفاقية، مؤكدا أنها تسببت في إحداث ارتباك في مصر خلال العدوان على غزة، لأن سيناء وفق الاتفاقية منزوعة السلاح. وفعل ذلك أيضا خبراء وقضاة ونواب ومحامون.

"
اتفاق أوسلو الموقع عام 1993، قام في جوهره على ما ورد في اتفاق كامب ديفد المصري بخصوص الحكم الذاتي
"
وأخيرا لا بد أن نشير إلى أن اتفاق أوسلو الموقع عام 1993، قام في جوهره على ما ورد في اتفاق كامب ديفد المصري، بخصوص الحكم الذاتي. لقد أراد الفلسطينيون حكما ذاتيا كاملا يتطور إلى دولة فلسطينية. وعملت إسرائيل من أجل حكم ذاتي للسكان، مع رفض واقعي لإنشاء دولة فلسطينية، ومارست إسرائيل هذا الموقف مدعومة باتفاقية دولية رعتها دولة عظمى، وبمبادرات من رؤساء هذه الدولة العظمى، من ريغان إلى جورج بوش، تؤكد على الشيء نفسه.

إن اتفاقية كامب ديفد ليست مجرد اتفاقية، إنها استراتيجية أميركية إسرائيلية تمت الموافقة عليها من قبل أكبر دولة عربية. وجعلت هذه الاتفاقية من نفسها سقفا أميركيا وإسرائيليا للتفاوض مع الفلسطينيين والعرب، ولذلك لم تتقدم أية مفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل، وبين العرب وإسرائيل، منذ ذلك الحين. ولا بد من عمل فلسطيني وعربي دؤوب لاختراق سقف اتفاقات كامب ديفد.
_______________
كاتب فلسطيني

[1] تمت زيارة السادات لإسرائيل في 20/11/1977.

[2] انتهت مفاوضات كامب ديفد في 17/9/1978.

[3] تم إنجاز المعاهدة في 26/3/1979.

[4] انعقد مؤتمر القمة العربية التاسع في 20/11/1978

[5] نشرت جريدة الأهرام المشروع المصري للحكم الذاتي الفلسطيني كنص غير رسمي بتاريخ 5/2/1980.

[6] أعلنت مبادرة ريغان في 2/9/1982.

[7] استقال إسماعيل فهمي من وزارة الخارجية في 9/11/1977.

[8] استقال محمد إبراهيم كامل من وزارة الخارجية في 16/9/1978.

شارك برأيك