* د. صباح نعوش

إعادة جدولة الديون الخارجية تحقق للدائن والمدين فوائد اقتصادية، فهي تضمن للدائن الحصول على أمواله يوما ما، وفي الوقت نفسه تعطي للمدين فترة تأجيل تتيح له إعادة ترتيب أوضاعه الاقتصادية والتجارية. لكن رغم ذلك فإن هذه العملية لا تخلو من شروط قاسية تؤثر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للدول المدينة.

نتيجة العجز المزمن في الميزانيات العامة والموازين التجارية خاصة في الدول العربية غير النفطية، انخفضت القيمة التعادلية للعملات الوطنية وارتفع معدل الضغط الضريبي واتبعت سياسات تقشفية في شتى الميادين فتضررت جميع الفئات الاجتماعية، وهبط مستوى معيشة حوالي 160 مليون عربي ينتمون إلى دول تطبق برامج الإصلاح الاقتصادي المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي.

كانت الأقطار العربية تستدين بسبب حاجتها إلى الأموال فأصبحت أكثر فقرا بسبب ثقل ديونها، وبات من المستحيل سداد أصل وفوائد الديون الخارجية في المواعيد المحددة.

تأجيل سداد الديون
وبهدف إعطاء نفس جديد لمالية الدول المدينة يقرر الدائنون منحها آجالا إضافية، ويطلق على هذه العملية اسم "إعادة جدولة الديون الخارجية" التي تقدم مكاسب لطرفي المعادلة. وتتحقق مكاسب الدائنين بحصولهم لاحقا على أموالهم بدلا من التوقف النهائي للدولة المدينة عن الدفع، في حين تتمثل مكاسب الدول المدينة باستغلال فترة التأجيل لترتيب أوضاعها المالية والتجارية، إذ عليها معالجة العجز المالي الذي يسبب اللجوء إلى التمويل الخارجي وتنمية صادراتها للحصول على الموارد المالية اللازمة لسداد ديونها المؤجلة.

بيد أن هذه العملية تخضع لشروط قاسية تؤثر بشدة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كما أنها لا تتصدى لأزمة المديونية بل تؤجلها إلى وقت لاحق. لذلك تطالب البلدان النامية بإلغاء بعض التزاماتها المالية، لكن الإلغاء بالطريقة المتبعة حاليا لا يكفي لمعالجة الأزمة ناهيك عن ارتباطه بعوامل سياسية بحتة.

هبوط مؤشر الديون العربية
هبط مؤشرا حجم الديون وخدمتها في أغلب البلدان العربية. ولم يتمخض هذا الهبوط عن جهود داخلية ترتبط بالنمو الاقتصادي وتحسن الصادرات بقدر ما نجم عن امتيازات ممنوحة من قبل الدائنين قادت إلى تأجيل سداد أقساط وفوائد جزء من الديون وإلغاء جزء آخر منها. ورغم هذا الهبوط يسجل المؤشران نسبا عالية مقارنة بالكثير من البلدان النامية. وهذا يعني أن المديونية الخارجية العربية لا تزال تشكل أزمة حقيقية على الصعيدين المالي والاقتصادي.

في عام 2000 بلغ حجم الديون الخارجية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي أكثر من 50% في تونس والمغرب واليمن، وأكثر من 100% في السودان وسوريا وموريتانيا. ووصلت خدمة الديون قياسا بالصادرات إلى أكثر من 30% في الأردن وتونس والمغرب وإلى ضعف هذه النسبة في لبنان (1). ودفعت الدول العربية غير الخليجية 13758 مليون دولار لسداد ديونها، أي أكثر من 1.5 مليون دولار بالساعة. وفيما يلي نتعرض بالبحث للعناصر التالية:

- كيفية إعادة الجدولة
- أنماط إعادة الجدولة
- شروط إعادة الجدولة
- خطورة إعادة الجدولة
- إلغاء الديون الخارجية

كيفية إعادة الجدولة

نجمت المديونية الخارجية العربية عن قروض عقدت خاصة مع الدول الأعضاء في نادي باريس الذي يضم 19 دولة صناعية تتمتع بالعضوية الدائمة في النادي، ويمكن للدول الدائنة الأخرى حضور اجتماعاته شريطة موافقة الأعضاء الدائمين والبلد المدين.


لا يقبل نادي باريس إعادة جدولة ديون مستحقة لصندوق النقد والبنك الدوليين
يختص نادي باريس بالنظر في الديون الرسمية والديون المضمونة رسميا، ولا ينظر في الديون القصيرة الأجل (أقل من سنة واحدة). أما الالتزامات الناجمة عن قروض ممنوحة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فلا تقبل إطلاقا إعادة الجدولة. وعلى الدولة المدينة إذن سداد الديون المترتبة على هذه القروض في التواريخ المحددة مسبقا وإلا تردت علاقاتها مع المؤسستين الدوليتين، وعندئذ يتعذر على نادي باريس إعادة جدولة ديونها، وهذا ما حدث للسودان عندما عجز عن دفع ديونه المستحقة لصندوق النقد الدولي فتراكمت متأخرات السداد، وإثر ذلك جمدت حقوق البلد في الحصول على تسهيلات جديدة، ولم يبت بإعادة برمجة ديونه منذ عام 1984.

بعد أن يقدم البلد المدين طلبا بإعادة جدولة ديونه تتولى سكرتارية نادي باريس جمع المعلومات عن الحالة الاقتصادية لهذا البلد من سلطاته العامة ومن الدول والمؤسسات الدائنة. وتحتوي المعلومات على تحليل دقيق للوضع الاقتصادي والمالي وحجم الديون الخارجية وتقسيماتها حسب مصادرها وتواريخ استحقاقها، كما تتأكد السكرتارية من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، ثم يوجه رئيس النادي (مدير الخزينة الفرنسية) دعوة إلى ممثلي الدول الدائنة وممثل الدولة المدينة لحضور الاجتماعات التي يشارك فيها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بصفة مراقب. وبعد مفاوضات لا تستغرق أكثر من ثلاثة أيام يتخذ الدائنون قرارهم بتوافق آرائهم (2)، أي عدم معارضة أحد على ما تم التوصل إليه بينهم. ويتضمن هذا القرار الذي يعرض على ممثل الدولة المدينة للموافقة عليه تفاصيل إعادة جدولة الديون، لكن هذا الاتفاق هو في الواقع توصية تدعو حكومات الدول الدائنة إلى عقد اتفاقات ثنائية مع حكومة البلد المدين.

وليس من صلاحيات نادي باريس اتخاذ قرارات قانونية، والاتفاقات الثنائية وحدها ذات قيمة قانونية. فعلى سبيل المثال بعد أن قرر النادي في يوليو/ تموز 1995 إعادة برمجة 7320 مليون دولار من مديونية الجزائر لمدة 15 سنة مع فترة سماح لمدة أربع سنوات، عقدت الجزائر اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة وكندا واليابان و14 دولة أوروبية. بطبيعة الحال يبرم كل اتفاق وفق الإجراءات الدستورية لكل بلد دائن، وعلى الصعيد العملي تعتمد هذه الاتفاقات على التوصيات، لذلك جرت العادة على تسمية قرارات النادي بالاتفاقات.

أنماط إعادة الجدولة

تستند إعادة الجدولة على مبدأ كل حالة على حدة، والاتفاق الخاص بدولة معينة لا يسري على دولة أخرى حتى وإن تشابهت أحوالهما التجارية والمالية. والقرار المتخذ بشأن دين معين لا يسري على دين آخر لنفس الدولة، أضف إلى ذلك أن الدول العربية تختلف اختلافا كبيرا في ما بينها من حيث ثقل مديونيتها وأوضاعها الاقتصادية، كما لا يستخدم نادي باريس طريقة موحدة لإعادة الجدولة. وانطلاقا من هذه الاعتبارات بات من اللازم دراسة أنماط إعادة الجدولة المطبقة على البلدان العربية.

النمط الأول: البنود التقليدية
لا توجد قواعد ثابتة في هذا النمط، فالأمر متروك للدائنين، قد يقررون تأجيل الدين لمدة 15 سنة مع فترة سماح كما هو حال الاتفاق السابق الذكر مع الجزائر، وقد تكون المدة أقصر كما هو حال أول اتفاق عقد مع المغرب عام 1983 (تسع سنوات من دون فترة سماح).

وطبق هذا النمط على الدول النامية المدينة بما فيها الدول العربية منذ إنشاء نادي باريس وحتى النصف الأول من عام 1990، فجميع الاتفاقات مع السودان (1979 و1982 و1983 و1984) وأربعة اتفاقات مع المغرب (1983 و1985 و1987 و1988) واتفاق واحد مع الصومال (1985) تمت بموجب البنود التقليدية.


بينت الدراسات أن بنود إعادة جدولة الديون غير ملائمة لمديونية البلدان الفقيرة حيث أدت إلى ارتفاع خدمة ديونها ارتفاعا كبيرا في فترة قصيرة

بينت الدراسات والتقارير أن هذه البنود غير ملائمة لمديونية البلدان الفقيرة بدليل ارتفاع خدمة ديونها ارتفاعا كبيرا في فترة قصيرة. وحسب صندوق النقد الدولي (3) انتقلت خدمة ديونها من 17% من الصادرات عام 1980 إلى 30% منها عام 1986. ولأسباب لا مجال لتفصيلها قرر مؤتمر قمة الدول السبع الكبرى المنعقد بتورنتو عام 1988 مبادئ جديدة لإعادة جدولة ديون تلك البلدان، عندئذ ظهرت أنماط أخرى وأصبحت البنود التقليدية تسري حاليا على الدول المدينة غير الفقيرة وفق تصنيفات البنك العالمي، وخضعت ديون الجزائر عام 1994 وعام 1995 لهذه البنود.

النمط الثاني: بنود هيوستن لعام 1990

  • الديون العادية تعاد جدولتها لمدة 15 سنة أو أكثر مع فترة سماح لمدة سنتين أو أكثر، وتحتسب الفوائد الجديدة حسب أسعار السوق.
  • المساعدات الرسمية للتنمية تعاد جدولتها لمدة 20 سنة مع فترة سماح لمدة 10 سنوات.
  • يجب ألا تزيد أسعار الفائدة الجديدة على أسعار الفائدة الأصلية.

يشترط لتطبيق هذه البنود ألا يزيد الدخل الفردي في الدولة المدينة على 2995 دولارا، ويتعين أن تكون مديونيتها مرتفعة، وجرت العادة في نادي باريس على اعتبار المديونية مرتفعة إن انطبق عليها معياران من المعايير الثلاثة التالية:

  • حجم المديونية يفوق 50% من الناتج المحلي الإجمالي.
  • حجم المديونية يزيد على 275% من الصادرات.
  • خدمة الديون تفوق 30% من الصادرات.

وتتضمن هذه البنود إمكانية تبديل الديون شريطة موافقة الدول الدائنة. ويمكن تبديل 20% من الديون العادية، في حين لا توجد نسبة محددة لتبديل المساعدات الرسمية للتنمية. ويتبدل الدين بعدة وسائل أهمها حصول الدولة الدائنة على سلع من الدولة المدينة مقابل قيمة الدين، كما يمكن تبديل عملة السداد من قابلة للتحويل إلى محلية. وفي أغلب الحالات تتنازل الدولة الدائنة عن حقوقها لصالح مستثمرين، ويقوم المستثمرون بمقايضة الدين مع الدولة المدينة بأسهم في شركات محلية أو بمبالغ نقدية بالعملة المحلية للبلد المدين تستخدم لإقامة مشاريع فيه.

حتى الربع الأول من عام 2002 تمت معاملة 16 دولة وفق هذه البنود، والأردن في طليعة البلدان العربية التي طبقت عليها بنود هيوستن، وتعتمد المالية الداخلية والخارجية لهذا البلد اعتمادا كبيرا على الإيرادات الخارجية نظرا لضعف الموارد الذاتية، وتتخذ هذه الإيرادات شكلين أساسيين:

  • أولهما: المساعدات الإنمائية بما فيها المنح المجانية المقررة من قبل بلدان الخليج والدول الغربية.
  • ثانيهما: تحويلات العمال الأردنيين المقيمين في الخارج.


عانت الأردن بعد حرب الخليج الثانية أثناء محاولاتها إعادة جدولة ديونها للمرة الثانية من إجراءات تفاوض بطيئة جدا بسبب موقفها في هذه الحرب، ثم تغير الحال تماما بعد توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1994 فانخفض حجم الدين الخارجي الكلي للمملكة من 186% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1991 إلى 81% منه عام 2000

فعلى سبيل المثال في النصف الثاني من الثمانينيات تراجعت المساعدات الخارجية وتحويلات الأردنيين لهبوط أسعار النفط الذي أثر بشدة في مالية دول الخليج. وقد انعكس هذا الأمر مباشرة على مقدرة الأردن على سداد ديونه الخارجية فاضطر إلى اللجوء لأول مرة إلى نادي باريس في يوليو/ تموز 1989.

كما تردى الوضع المالي للبلد مرة أخرى عقب حرب الخليج الثانية، فطلبت الحكومة إعادة جدولة ديونها مرة ثانية، لكن ترتيبات التفاوض كانت بطيئة جدا لأسباب سياسية ترتبط بموقف الأردن من هذه الحرب. ولم يوقع الاتفاق الثاني مع نادي باريس إلا في نهاية فبراير/ شباط 1992 إذ أعيدت جدولة 771 مليون دولار. وطبقت على هذين الاتفاقين البنود التقليدية، ثم عقدت ثلاثة اتفاقات أخرى حسب بنود هيوستن في يونيو/حزيران 1994 ومايو/أيار 1997 ومايو/أيار 1999 مع إمكانية تبديل الديون، وألغت الولايات المتحدة 696 مليون دولار من ديونها على الأردن البالغة 950 مليونا، وتم هذا الإلغاء على ثلاث مراحل: 190 مليونا عام 1994، و252 مليونا عام 1995، و254 مليونا عام 1996. وقررت بريطانيا وألمانيا إعفاءات أخرى. وفي النتيجة النهائية هبط الحجم الكلي للديون الخارجية الأردنية من 186% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1991 إلى 81% منه عام 2000. ويلاحظ أن عمليات الإلغاء تمت بعد معاهدة السلام مع إسرائيل.

النمط الثالث: بنود نابولي لعام 1994

  • تلغى الديون العادية بنسبة 67% كحد أقصى، وتعاد جدولة النسبة المتبقية لمدة 23 سنة مع فترة سماح لمدة ست سنوات بأسعار الفائدة السائدة في السوق.
  • إعادة جدولة المساعدات الرسمية للتنمية لمدة 40 سنة مع فترة سماح لمدة 16 سنة، ولا تزيد أسعار الفائدة الجديدة على أسعار الفائدة الأصلية.
  • يشترط ألا يزيد الدخل الفردي للبلد المدين على 755 دولارا، وتسري بنود هيوستن على إمكانية تبديل الدين.

عقدت بموجب بنود نابولي اتفاقات مع 32 دولة تعد من البلدان الأكثر فقرا، منها اتفاق واحد مع موريتانيا عام 1995، وجميع الاتفاقات مع اليمن عام 1996 و1997 و2001.

النمط الرابع: بنود كولونيا لعام 1999

  • الديون العادية تلغى بنسبة 90% فأكثر، وتعاد جدولة النسبة المتبقية حسب بنود نابولي.
  • المساعدات الرسمية للتنمية تعامل كما وردت في بنود نابولي.
  • يمكن تبديل الدين حسب بنود هيوستن، ويشترط أن تستجيب الدولة المدينة للشروط الواردة في بنود نابولي، كما يتعين أن يعتبرها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي من الدول الأكثر فقرا ذات المديونية المرتفعة. وقد وضعت هاتان المؤسستان الدوليتان قائمة بالبلدان المؤهلة للاستفادة من بنود كولونيا وعددها 41 دولة من بينها أربعة بلدان عربية سنذكرها لاحقا.

شروط إعادة الجدولة

لا يوافق نادي باريس على إعادة الجدولة إلا إذا استفحل العجز في ميزان مدفوعات الدولة المدينة أو ازدادت متأخرات ديونها، فهو يشترط إذن وجود حالة عسر شديد تعرقل الوفاء بالالتزامات المالية. وتبرم الاتفاقات بعد تطبيق البرنامج الإصلاحي الذي يقترحه صندوق النقد الدولي على الدولة المدينة، ويرمي هذا البرنامج إلى توازن الميزانية العامة والميزان التجاري لأن ضبط العجز المالي يحد من التضخم ومعالجة العجز التجاري تقود إلى تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي. ولتحقيق ذلك يتناول البرنامج جميع أدوات السياسة المالية والاقتصادية المتعلقة بالمواضيع التالية:

  • التجارة الخارجية
  • العملة المحلية
  • النفقات العامة بمختلف صورها
  • كذلك الضرائب المباشرة وغير المباشرة
  • قوانين الاستثمارات.

مشكلة التطبيق
لا شك أن هذه الأهداف ضرورية في جميع الحالات، إذ لا بد من سياسة مالية وتجارية سليمة حتى في حالة غياب أزمة المديونية الخارجية. لكن المشكلة تتعلق بأساليب تحقيقها، فقد أثبتت تجارب البلدان العربية التي لجأت إلى إعادة جدولة ديونها أن برامج الإصلاح الاقتصادي قادت إلى نتائج اجتماعية واقتصادية سيئة، فمن أجل معالجة العجز المالي تنصل القطاع العام عن دوره في إحداث فرص جديدة للعمل رغم استفحال البطالة وتقلص الدعم الحكومي للسلع الاستهلاكية الضرورية للمعيشة وازدادت الضرائب المباشرة وغير المباشرة.

ومن الزاوية التجارية اعتمدت الإصلاحات بموجب تلك البرامج على تخفيض قيمة العملة الوطنية. ويرى صندوق النقد الدولي أن التخفيض يقود إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتحويلات العمال المغتربين، وكذلك إلى معالجة عجز الميزان التجاري وبالتالي إلى تقليص التمويل الخارجي فتخف أزمة المديونية. أما الدول المعنية فترى أن هذه العملية النقدية تمس أصحاب الدخول المنخفضة وتحدث ردود فعل داخلية قد تكون عنيفة، كما أنها غير فاعلة في تحسين الأوضاع التجارية.

فعلى سبيل المثال طلب صندوق النقد الدولي من الحكومة الجزائرية عام 1992 (قبل إعادة الجدولة بسنتين) تخفيض قيمة الدينار بنسبة 50%. رفضت الحكومة في ذلك الحين هذا الطلب إذ لم تجد حكمة من تخفيض القيمة التعادلية للدينار، لأن الصادرات تقتصر على النفط والغاز الطبيعي، أي على مواد يجري تسعيرها في السوق العالمية بالدولار لا بالدينار. لكن الخلافات بين صندوق النقد الدولي والدول المدينة تنتهي بترجيح وجهات نظر الصندوق حتى وإن كانت غير سليمة، لأن نادي باريس لا ينظر أساسا في طلبات إعادة الجدولة إلا بعد موافقة صندوق النقد الدولي، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فلا بد من الاستمرار ببرامج الإصلاح قبل وطيلة فترة الاتفاق على إعادة الجدولة، ففي المغرب مثلا البرامج مطبقة منذ عشرين سنة.

خطورة إعادة الجدولة

ترتكز برامج صندوق النقد الدولي على تقليص النفقات وزيادة الإيرادات دون أن تعطي أهمية مماثلة لتحسين الصادرات وهي الطريق الطبيعية لخدمة الديون الخارجية، فزيادة الصادرات تتطلب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية والقروض الخارجية.

ولما كانت مالية الدولة المدينة في حالة عسر شديد فإن المستثمرين والمقرضين يترددون كثيرا بل ويرفضون الاستثمار والإقراض. لا تساعد تلك البرامج إذن على سداد الديون بقدر ما تحاول منع اللجوء إلى الاقتراض مجددا، وهكذا هبطت التدفقات الخارجية المتأتية من القروض فأصبحت التحويلات الصافية سلبية في الأقطار العربية.

نتائج برامج إعادة الجدولة
حسب الدراسات (4) لم تقد برامج الصندوق إلى تخفيف حدة المديونية بل أدت إلى العكس تماما، ففي 36 دولة نامية طبقت فيها هذه البرامج انتقل ثقل مديونيتها الخارجية قياسا بالناتج المحلي الإجمالي من 82% في منتصف الثمانينيات إلى 154% في منتصف التسعينيات. أما في الدول النامية المدينة التي لم تطبق هذه البرامج فقد انتقل ثقل المديونية من 56% إلى 76% فقط في الفترة نفسها.


إعادة جدولة مبلغ معين لمدة 15 سنة يقود إلى دفع ضعف هذا المبلغ على الأقل في نهاية الفترة
تقود إعادة الجدولة إلى ارتفاع كلفة الدين، فعندما يؤجل مبلغ معين لمدة محددة، على الدولة أن تدفع فوائد إضافية عند حلول مواعيد استحقاق الديون المؤجلة إذ تسري الفوائد طوال فترة التأجيل. ودون الدخول في التفاصيل الفنية فإن إعادة جدولة مبلغ معين لمدة 15 سنة تقود إلى دفع ضعف هذا المبلغ على الأقل في نهاية هذه المدة، ناهيك عن أن الدولة المدينة لا تستطيع أن تقدر بدقة المبلغ الذي ستدفعه فعلا في فترة التأجيل، لأن أسعار الفائدة قد تكون معومة أي غير محددة مقدما لارتباطها بأحوال السوق، فعلى سبيل المثال فإن 35% من القروض الخارجية التونسية عقدت بأسعار معومة. واضطرت الدول المدينة إلى التفاوض بشأن تأجيل ديونها مما أدى إلى تراكمها وارتفاع الفوائد وكذلك إلى اتباع سياسات تقشفية في مختلف الميادين، وبالتالي انقلبت الحلول إلى مشاكل إضافية ودخلت البلدان المدينة في حلقة مفرغة.

لا بد للدول المثقلة بالديون من مراجعة سياساتها بدلا من الاعتماد على الدائنين، ففي أغلب الدول العربية هنالك مجالات واسعة لتنمية الصادرات وتقليص النفقات خاصة المصروفات العسكرية.

عصا الديمقراطية
في الأصل يسعى نادي باريس إلى التخفيف من وطأة الديون بغض النظر عن أنظمة حكم البلدان المدينة، ولكن ظهرت منذ نهاية الثمانينيات فكرة ربط منح الموارد المالية (القروض والمساعدات والهبات والاستثمارات المباشرة) بالديمقراطية.

في أغلب الأحيان اعتمد مفهوم الديمقراطية هذا على مدى ملاءمة أنظمة الحكم في البلدان النامية مع التطلعات السياسية والمصالح الاقتصادية للدول المانحة، ولم يعد ينظر إلى المشاكل الحقيقية كالفقر والبطالة واختلال الموازين الداخلية والخارجية، وقد انعكس هذا التطور مباشرة على نادي باريس فراح يلغي ديون بعض الدول ويعيد جدولة ديون دول أخرى بشروط مختلفة أو يرفض القيام بهذا أو ذاك.

يهتم نادي باريس بمصالح الدول الدائنة، وجميع أنماط إعادة الجدولة نابعة عن قرارات اتخذتها مؤتمرات قمة الدول السبع الكبرى، لذلك يقترح البعض (5) الاستعاضة عن النادي بهيئة دولية تعبر عن تطلعات البلدان الدائنة والمدينة وتشرف عليها منظمة الأمم المتحدة.

إلغاء الديون الخارجية


عملية إلغاء الديون حاليا تثير المخاوف وتخلق جوا غير مريح إذ إنها تنطبق على الديون قبل إعادة جدولتها لأول مرة وليس على أصل الدين الحالي كما أنها تلغي كلية أحيانا على الديون العسكرية وليس على الديون المخصصة للتنمية

الإلغاء يحذف الدين، في حين تقتصر إعادة الجدولة حسب البنود التقليدية على تغيير تواريخ الاستحقاق. وحتى عام 1988 كانت الدول الغربية الدائنة ممثلة بنادي باريس تعارض بشدة هذه الفكرة مكتفية بإعادة الجدولة وفق البنود التقليدية، واتخذ المدافعون عن قضايا العالم الثالث مواقف تتأرجح بين زيادة المساعدات الرسمية للتنمية وإلغاء الديون.

ولما كانت القروض العسكرية تنسجم مع مصالح الدول المانحة، بات من اللازم إلغاء جميع الديون الناجمة عنها بغض النظر عن المستوى الاقتصادي للدول المدينة. أما الديون المدنية المخصصة للتنمية فيتعين إلغاء نسبة منها تتناسب مع درجة النمو، خاصة إن لم يسهم هذا النوع من القروض في تحسين الصادرات الكفيلة بسداد الدين، وفي الوقت الحاضر يتم الإلغاء على أسس مختلفة تماما تثير المخاوف وتخلق جوا غير مريح.

لاحظنا أن نسبة إلغاء الديون تصل حسب بنود كولونيا إلى أكثر من 90% من حجم الديون الخارجية، ولكن ما هي الدول المستفيدة من هذه البنود وكيف تحسب هذه النسبة؟

كما ذكرنا فإن صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وضعا قائمة بأسماء الدول المؤهلة للاستفادة من بنود كولونيا من بينها أربعة بلدان عربية هي موريتانيا واليمن والسودان والصومال. وعلى الصعيد العملي عقد اتفاق واحد مع موريتانيا عام 2000 تناول ديون بلغ حجمها 99 مليون دولار. أما الاتفاق المبرم مع اليمن عام 2001 فقد استند إلى بنود نابولي لا إلى بنود كولونيا. ولم يستطع السودان منذ عام 1984 والصومال منذ عام 1987 التفاوض مع نادي باريس وبالتالي لم تتم إعادة جدولة ديونهما رغم تفاقم أزماتهما المالية.

مشكلة حصر بنود كولونيا
إن حصر تطبيق بنود كولونيا في الدول ذات الدخل الفردي المنخفض لن يعالج أزمة المديونية ومشكلة الفقر، فعلى افتراض إلغاء جميع ديون هذه البلدان العربية الأربعة سوف يتم حذف 25 مليار دولار، أي أقل من 8% من المديونية العربية الكلية، ناهيك عن أن غالبية الفقراء يقيمون في البلدان العربية الأخرى، وتصح هذه الملاحظة على المستوى العالمي أيضا. هنالك دول مثقلة بالديون الخارجية (كالهند وباكستان وبنغلاديش وإندونيسيا ونيجيريا والمكسيك والبرازيل) غير مشمولة في تلك القائمة علما بأن 80% من فقراء العالم يعيشون فيها (6).

الإلغاء على أصل الدين
الإلغاء لا يسري إلا على قيمة الديون قبل إعادة جدولتها لأول مرة، ونأخذ مثالا لذلك السودان، ففي عام 1979 (تاريخ أول اتفاق مع نادي باريس) بلغ الحجم الكلي للديون الخارجية 3802 مليون دولار، في تلك الفترة لم تكن الديون المستحقة لأعضاء نادي باريس تشكل سوى 21% من الحجم الكلي، أي حوالي 800 مليون دولار، أما الديون الأخرى فقد نجمت عن قروض عقدت مع الأقطار العربية وبلدان الكتلة الشرقية وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المصرفية (7).

مثال السودان
إذا افترضنا أن الدول الغربية قررت عام 2002 إلغاء 90% من ديون السودان فإن هذه النسبة لا تسري على حجم الديون لعام 2002 بل على حجمها لعام 1979، وفي ما يخص الديون المستحقة لأعضاء نادي باريس فقط، وهكذا تطبق نسبة 90% على 800 مليون دولار فيكون مبلغ الإلغاء 720 مليون دولار. والحقيقة أنه قد ارتفعت ديون السودان في هذه الفترة بسبب الحرب الأهلية وتراكم المتأخرات وضعف الصادرات في عام 2002 مما جعل ديونه الخارجية تتجاوز 20530 مليون دولار ليحصل هذا البلد في نهاية المطاف على إلغاء بنسبة تقل عن 4% من مجموع ديونه (العلاقة بين 20530 و720 مليون دولار).

دور العوامل السياسية في إلغاء الديون
بطبيعة الحال ما قيل عن السودان ينطبق أيضا على البلدان المدينة الأخرى، لكن إلغاء الديون قد يتجاوز إلى حد كبير بنود كولونيا عندما تتدخل عوامل سياسية، ومنذ إنشاء نادي باريس وحتى الآن لم تحصل أي دولة في العالم على تسهيلات أكثر من تلك التي منحت لبولونيا ومصر، وقد أكد البيان الاقتصادي الختامي لمؤتمر الدول السبع الكبرى المنعقد بلندن في يوليو/ تموز 1991 على الطابع الاستثنائي لهذه التسهيلات. وهذه إشارة واضحة موجهة للبلدان النامية المثقلة بديونها إلى عدم إمكانية حصولها على معاملة مماثلة (8).

في مايو/ أيار 1991 تقرر إلغاء 50% من ديون مصر الخارجية المستحقة لدول نادي باريس. فعلى سبيل المثال (9) تنازلت الولايات المتحدة عن ديونها العسكرية البالغة 7.1 مليارات دولار، كما حصلت مصر على امتيازات من دول غير أعضاء في النادي حيث قررت دول الخليج حذف 6.2 مليارات دولار من المديونية المصرية.

وحسب وجهة نظر الحكومة المصرية فإنه لا بد من هذا الإجراء لأن الدولة تحملت خسارة بمبلغ 20 مليار دولار بسبب أزمة الخليج التي أدت إلى انكماش الصادرات وانخفاض تحويلات العمال المغتربين نظرا لعودة 600 ألف شخص منهم إلى بلدهم.

ومما لا شك فيه أن مصر تعاني من مشاكل مالية واقتصادية كثيرة وأن إلغاء بعض الديون يساعد على خلق مناخ مناسب للتنمية، ولكن يجب ألا يتم ربط هذا الإلغاء بخسارة غير موجودة أساسا. فلم نجد في الإحصاءات العربية والدولية ما يدل على تلك الخسارة، بل بالعكس تماما (10) لقد تحسن مركز ميزان المدفوعات بسبب الأزمة، فارتفعت الصادرات الكلية من 2853 مليون دولار عام 1989 إلى 3605 ملايين عام 1990 وإلى 3857 مليونا عام 1991 (11)، ونجمت هذه الزيادة عن ارتفاع أسعار النفط في الفترة الواقعة بين أغسطس/ آب 1990 وفبراير/ شباط 1991 فانتقل صافي عوائد الصادرات النفطية من 1019 مليونا عام 1989 إلى 1396 مليونا عام 1990 (12). كما تغير كليا مركز الميزان التجاري الذي يشمل الميزان التجاري وتحويلات العمال المغتربين إذ سجل فائضا بمبلغ 209 ملايين عام 1990 وبمبلغ 2274 مليونا عام 1991 بعد أن كان يعاني من عجز طيلة السنوات. لم يحدث مثل هذا التحسن في أي دولة عربية أخرى. وشهدت المساعدات الإنمائية الخارجية زيادة هائلة مباشرة بعد أزمة الخليج، فقد ارتفعت من 1569 مليونا عام 1989 إلى 5446 مليونا عام 1990 أي بزيادة قدرها 247% (13)، ولا توجد دولة أخرى سجلت مثل هذه الزيادة الكبيرة.

قاد الإلغاء إلى تخفيف عبء الديون المصرية حيث انتقل حجمها من 51696 مليون دولار عام 1989 إلى 28179 مليونا عام 1997 أي ما يعادل على التوالي 159% و37% من الناتج المحلي الإجمالي. كما هبطت خدمة الديون في هذه الفترة من 2739 مليونا إلى 1366 مليونا أي 83% و25% من قيمة الصادرات. لهذا السبب ارتفع حجم الاحتياطيات الرسمية للبنك المركزي من 1520 مليونا إلى 18667 مليونا. لم تكن هذه الامتيازات تستند إلى اعتبارات اقتصادية بل كانت ثمنا لدور الحكومة المصرية في تحسين العلاقات العربية مع إسرائيل ولوقوفها إلى جانب القوى المتحالفة ضد العراق إبان أزمة الخليج الثانية.

أهداف حقيقية


تسعى الدول الصناعية الكبرى إلى استفحال المديونية الخارجية للبلدان النامية بطرق عديدة، منها بيع الأسلحة وتمويل مشاريع غير إنتاجية، ثم يجري إلغاء قسط من الديون يتناسب حجمه مع المكاسب السياسية والاقتصادية للدول الدائنة
انطلاقا من حالات إلغاء ديون البلدان العربية وغير العربية نستنتج أن الدول الصناعية الكبرى تسعى إلى استفحال المديونية الخارجية لهذه البلدان بطرق عديدة، منها بيع الأسلحة وتمويل مشاريع غير إنتاجية، ثم يجري إلغاء قسط من الديون يتناسب حجمه مع المكاسب السياسية والاقتصادية للدول الدائنة، فلو كانت هذه الدول حريصة فعلا على سلامة مالية البلدان المدينة وعلى مستوى معيشة مواطنيها لبذلت الجهود في سبيل إزالة العقبات أمام صادرات البلدان المدينة، خاصة أن التنظيم التجاري العالمي الجديد يدعو إلى ذلك، وعندئذ ترتفع مقدرة هذه البلدان على مواجهة أزمتها المالية، وهكذا تتخلص من برامج صندوق النقد الدولي وتنتفي الحكمة من إعادة الجدولة والإلغاء، وتصبح العلاقات الاقتصادية الدولية مبنية على أسس سليمة.

الخاتمة
بالنظر لتفاقم أزمة المديونية الخارجية لجأت البلدان العربية أكثر من ثلاثين مرة إلى نادي باريس لإعادة برمجة التزاماتها المالية ناهيك عن الاتفاقات العديدة المبرمة مع نادي لندن وتلك التي عقدت خارج إطار هذين الناديين. وقد مُنحت أقطار عربية امتيازات مالية مهمة تصل إلى إلغاء بعض ديونها، ولم تحصل أقطار أخرى حتى على فترة سماح كافية. تباينت هذه المعاملة نتيجة تدخل عوامل سياسية وعدم الاعتماد على الاعتبارات المالية والمؤشرات الاقتصادية. لكن إعادة الجدولة لن تقود إلى معالجة المديونية العربية على المدى الطويل لأنها كقاعدة عامة تقتصر على تأجيل السداد، كما تستوجب تطبيق برامج مقترحة من قبل صندوق النقد الدولي تؤثر بصورة سيئة في معيشة المواطنين.

لذا فقد بات من اللازم مواجهة السبب الأساسي لأزمة المديونية العربية المتمثل بحدة التوترات السياسية التي تتطلب تخصيص مبالغ طائلة للإنفاق العسكري، والعمل على تقليص هذا الإنفاق سوف يقود إلى ارتفاع معدلات الاستثمار والإنتاج والاستهلاك وإلى تحسن العلاقات التجارية العربية الخارجية والبينية وبالتالي إلى زيادة المقدرة المالية لخدمة الديون دون حاجة لإعادة جدولتها.
_______________
* باحث اقتصادي

المصادر:
1- جامعة الدول العربية، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، 2001.
2- www.clubdeparis.org
3- روبرت باول، تخفيف أعباء الديون عن البلدان الفقيرة، مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، العدد الرابع، ديسمبر/ كانون الأول 2000.
4- Kolko, G. “De la faillite des dôgmes”. Le Monde diplomatique. Paris. Mai 1998.
5- Dette & Développement

6- World Bank. World Debt Tables. External Debt of Developing Countries. Washington. 1986-1987.
7- De la Chapelle, B. “Le Club de Paris et la dette mondiale depuis 1956”. La Documentation française n° 1992. Juin 1993.
8- عزت أبو العز، تجربة جمهورية مصر العربية في مجال إدارة الدين العام، صندوق النقد العربي، سلسلة بحوث ومناقشات حلقات العمل. العدد الرابع، أبو ظبي 1998.
9- صباح نعوش، "أزمة المالية الخارجية في الدول العربية"، دار المدى، دمشق، 1998.
10- جامعة الدول العربية، التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1996.
11- منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، التقرير السنوي لعام 1993.
12- OCDE. Le rapport annuel de 1994.