بقلم/ سالم مشكور

المشاركة السياسية سبيلا للشرعية
التيارات والأحزاب السياسية

اليمين واليسار إسلاميا

نقطة التحول

الأحزاب والتيارات السياسية

الفورة الفكرية– الثقافية

احتدام التنافس قبيل الانتخابات الرئاسية القادمة

سالم مشكور
عاشت إيران عقودا طويلة من الاستبداد الذي تغيرت هويته بتغير العوائل التي تولت الحكم في كل مرحلة وتوارثته لمئات السنين، آخرها كانت عائلة بهلوي التي حكمت قرابة ستين عاما، ولم يكن في تلك العهود محل للمشاركة السياسية باستثناء فترات قصيرة قامت فيها حكومات حاولت تغيير طبيعة الحكم إلا أنها أجهضت ليعود الوضع إلى ما كان عليه.

وخلال تلك الحقب كانت هناك قوى سياسية وتنظيمات معارضة سرية، وكانت تخضع للاعتقالات أو الملاحقة بتهم التآمر والارتباط بالأجنبي، كما هو الحال مع كل الأنظمة الاستبدادية التي يغيب فيها أي دور للإرادة الشعبية، وتصبح المشاركة السياسية حلما يراود القوى السياسية المعارضة وهدفا معلنا لعملها، وهذا ما جمع التيارات السياسية الإيرانية كافة في العمل ضد نظام الشاه الذي سقط عام 1979، في ثورة طغى فيها البعد الشعبي على دور الأحزاب السياسية، فكان طبيعيا أن تكون للشعب الكلمة الأولى وهو ما تكرس عبر عدة إجراءات اتخذتها القيادة الإيرانية الجديدة. إلا أن التطورات التي شهدتها الساحة الإيرانية منذ ذلك الحين أفرزت صورا متفاوتة لظاهرة المشاركة، بتفاوت ظروف كل مرحلة وطبيعة التيار السياسي المهيمن. ورغم أن الساحة العلنية خلت إلا من التيارات الإسلامية فإن ما بين هذه التيارات من تباين في الرؤى والمناهج خلق حالة تنوع حقيقية داخل الساحة الإيرانية، وأوجد تجربة ديمقراطية بالخصوصيات الذاتية استحقت اهتمام شعوب المنطقة التي تشترك مع إيران في الدين والقيم والثقافة الشرقية، خصوصا بعد التحول الذي شهدته هذه التجربة في الأعوام الأربعة الأخيرة.

تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على تجربة العقدين الماضيين في إيران على صعيد المشاركة السياسية والحركة الحزبية والفكرية والتنافس الحاد بين تيارين متناقضين رغم هويتهما الإسلامية العامة وإيمانهما بضرورة إقامة الحكم الإسلامي.

المشاركة السياسية سبيلا للشرعية

في الحادي عشر من فبراير/ شباط 1979 شهدت إيران انتصار ثورة كانت شعبية بكل المقاييس، توفرت لها عوامل نجاح، كان أهمها القيادة الكاريزمية للراحل الإمام الخميني، الذي حرص على إبقاء البعد الشعبي ملازما "للدولة الإسلامية التي أقامتها تلك الثورة. من هنا فإن أولى الخطوات التي قام بها كانت الدعوة إلى استفتاء عام على الهوية الإسلامية للنظام الجديد، فكان أن أجاب أكثر من 98% من الإيرانيين بنعم لنظام جمهوري إسلامي. أي أن النظام الجديد حمل بعدين هما "الجمهوري" و"الإسلامي" بما يعنيه البعد الأول من معاني المشاركة السياسية، والثاني من اعتماد الإسلام مصدرا وحيدا للتشريع ومعيارا لعمل الأجهزة الحكومية كافة.

ومنذ العام 1979 وحتى الآن توجه الإيرانيون إلى صناديق الاقتراع 21 مرة، بين استفتاء وانتخابات رئاسية ونيابية ومجالس محلية وغيرها، كما حرص المرشد الراحل للجمهورية الإسلامية على تذكير كبار المسؤولين الذين كانوا يزورونه بأن "الشعب هو الأساس والمعيار" و"تذكروا أنكم موجودون في مناصبكم بفضل الشعب، فعليكم وضع خدمته على رأس أولوياتكم".

كما أدخل مبدأ المشاركة في نص الدستور الإيراني الذي خضع لاستفتاء شعبي، فقد نصت المادة السادسة منه على أنه "تدار شؤون البلاد في جمهورية إيران الإسلامية بالاستناد إلى رأي الشعب الذي يتجلى بانتخاب رئيس الجمهورية، وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وأعضاء سائر مجالس الشورى ونظائرها، أو عن طريق الاستفتاء العام في الحالات التي نص عليها الدستور (1). وفي المادة السابعة من الدستور ورد أنه "طبقا لما ورد في الأمر، تعتبر مجالس الشورى من مصادر اتخاذ القرار وإدارة شؤون البلاد، وتشمل هذه المجالس مجلس الشورى الإسلامي ومجالس شورى المحافظة والقضاء والبلدة والقصبة والناحية والقرية وأمثالها..".

لكن الاتجاه إلى صناديق الاقتراع، باعتباره عنصرا رئيسيا من عناصر المشاركة السياسية والحياة الديمقراطية لم يقترن حتى العام 1997 بعناصر أخرى أساسية لعملية المشاركة، منها الصحافة الحرة، والعمل الحزبي الفاعل، ووراء ذلك أسباب عدة، منها أن الوضع في إيران ظل يعيش فورة إيديولوجية منذ انتصار الثورة ولسنوات. لدرجة لم تفسح المجال أمام اتساع هامش الحرية، والتنوع في المواقف، حتى داخل الإطار الإيديولوجي الإسلامي نفسه. كما أن قيام الحرب العراقية الإيرانية ساعد في تأجيل توسيع هامش الحريات الصحفية والسياسية التي بدت "ترفا سياسيا" في وقت كانت البلاد تعيش فيه حالة حرب، يقف على طرفها الآخر العراق مدعوما "بغطاء عربي وغربي، الأمر الذي ساعد السلطة في تأجيج العواطف وجمع الصفوف الشعبية باتجاه هدف واحد هو "التصدي للتآمر الخارجي"، خصوصا وأن الإيرانيين رأوا أن الولايات المتحدة لم تكن تحاصرهم اقتصاديا فحسب، بل فرضت على إيران حصارا سياسيا وإعلاميا أيضا.

وحتى العام 1989 كان لكاريزما مرشد الثورة الراحل وقدراته الفائقة في توجيه الرأي العام أثر في توجيه الساحة الإيرانية، بما لا يدع مجالا للخوض في موضوعات مثل الحريات والتعددية وغيرها.


حرص المرشد الراحل للجمهورية الإسلامية على تذكير كبار المسؤولين الذين كانوا يزورونه بأن "الشعب هو الأساس والمعيار" و"تذكروا أنكم موجودون في مناصبكم بفضل الشعب، فعليكم وضع خدمته على رأس أولوياتكم".
وبغياب القيادة الكاريزمية، وتوقف الحرب العراقية الإيرانية، وتراجع الفورة الإيديولوجية، بدأت الساحة الإيرانية مرحلة جديدة من التفاعل والنزوع إلى التغيير واتضاح التباين في المواقف بين التيارات السياسية، وهو ما فسره المحللون خارج إيران على أنه ارتداد شعبي عن الشعارات الإسلامية والثورية (2) إلا أن هذا التحليل بدا سطحيا وقائما على تطبيق وصفات جاهزة مقرونة بأمنيات الأوساط الغربية، بأن يتغير الوضع الإيراني الإيديولوجي الذي ساد في السنوات العشر الأولى من عمر إيران الجمهورية.

واللافت أن التيار الذي عرف بالاعتدال والذي مثله علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي وصل إلى الرئاسة عبر انتخابات العام 1989 وتفاءل به البعض لتغيير هوية الحكم، لم يكن سوى التيار المحافظ الذي أصبح في ما بعد معارضا "للتيار الآخر" الإصلاحي، "العائد بصورة جديدة لليسار السابق الذي كان في الحكم منذ الإطاحة ببني صدر عام 1981، وحتى مجيء رفسنجاني وحكومته بعد إجراء التعديل الدستوري الذي ألغى منصب رئيس الوزراء.

والواقع أن التغيير الذي شهدته إيران لم يكن خروجا عن الإطار الإيديولوجي العام، بل محاولة للتخلي عن تفاصيل داخل هذا الإطار، بعد عشر سنوات من الاقتصاد الموجه مركزيا (بسبب الحرب)، ورغبة في تحقيق أجواء انفتاح ثقافي وفكري وسياسي واقتصادي، وهو ما جعل نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات الرئاسية الاولى بعد الحرب كبيرة، رغم كون رفسنجاني مرشحا "وحيدا" فيها، أملا في دخول مرحلة جديدة على جميع الصعد، إلا أن ما حدث هو أن التيار الجديد (المحافظ) عمل باتجاه الانفتاح الاقتصادي، في ما مارس سياسة محافظة بشدة في المجالين السياسي والثقافي، مبررا ذلك بوجود خطر غزو ثقافي غربي يستهدف تقويض أسس النظام الإسلامي الفكرية والأخلاقية. وقد تكرست هذه السياسة بعد إزاحة اليسار السابق من البرلمان عقب الانتخابات البرلمانية، وتحول مؤسسات السلطة بالكامل إلى يد المحافظين. وفي تلك المرحلة اتخذت عدة خطوات، مثل سن قانون يحظر استخدام الأطباق اللاقطة للمحطات التلفزيونية الفضائية، والضغط على رفسنجاني، المعروف بانفتاحه ثقافيا، لإقالة وزير الثقافة والإرشاد آنذاك الدكتور محمد خاتمي (وهو ما تم بالفعل) بعدما حاول خاتمي تفعيل الوزارة باتجاه الانفتاح الفكري والثقافي.

إلا أن المحافظين تصدوا حتى لخطة رفسنجاني الاقتصادية التي استهدفت إعادة بناء الاقتصاد الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب، على أساس التطوير الصناعي والتركيز على المشاريع العملاقة، في ما كان معارضو هذه السياسية يميلون إلى تنمية الاقتصاد التجاري وإنعاش البازار.

اتجاهات طلاب الجامعات الإيرانية

مع اقتراب الفترة الرئاسية الأولى لرفسنجاني من نهايتها عام 1993، كان الاقتصاد الإيراني شهد ارتفاعا كبيرا في نسبة التضخم، بما يعني ارتفاعا في تكاليف المعيشة، وتراكم الديون الخارجية (30 مليار دولار)، في ما لم تشهد الساحة السياسية والثقافية تطورا ملحوظا، الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في حجم المشاركة الشعبية في الانتخابات الرئاسية عام 1993، والتي لم يستطع رفسنجاني المرور منها سوى بثمانية ملايين صوت، بعد أن كان قد فاز في الدورة الأولى بحوالي 15 مليون صوت مع الأخذ بالاعتبار تزايد أعداد الذين يحق لهم التصويت في الدورة الثانية.

ولم يتحسن الوضع على جميع الأصعدة في أثناء الولاية الثانية للرئيس رفسنجاني، الذي كان هو الآخر يعاني من ضغط من جانب متشددي التيار المحافظ، في ما كان اليسار قد اختار الدخول في سبات شبه كامل، ليستيقظ أواخر ولاية رفسنجاني الثانية، مستغلا تنامي التذمر الشعبي من سياسة المحافظين، عندها بدأ اليسار يعيد صياغة منهجه وترتيب صفوفه لينزل إلى الساحة بقوة، مع إعلان خاتمي ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو/ أيار 1997، وشهدت عودة الزخم إلى المشاركة الشعبية التي سجلت أعلى كثافة لها، فضلا عن تمييزها عن سابقاتها بقيامها على قاعدة تنافس حقيقي وتحد شعبي لدعم مرشح في وجه مرشح آخر، امتاز أحدهما بالدعم الشعبي الأكبر، في ما كان الآخر يتمتع بدعم مراكز القرار ومؤسسات النظام.

ويقسم أحد المفكرين الإيرانيين (3)، طبيعة المشاركة السياسية في إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية وحتى العام 1997، إلى مرحلتين، الأولى هي المرحلة الكاريزمية، التي انتهت بتوقف الحرب ووفاة مرشد الثورة الراحل، واتخذت فيها المشاركة الشعبية شكل الاندفاعة الجماهيرية التي يحركها الولاء للقائد، والامتثال لنداءاته. أما المرحلة الثانية فهي المرحلة الأوليغارشية التي بدأت بعد توقف الحرب ووصول رفسنجاني والتيار المحافظ إلى مفاصل السلطة، وفي تلك المرحلة كانت المشاركة تتم عبر نشاط مجموعات ضغط غير رسمية، وتأثير الأشخاص والعلاقات في تحريك المشاركة.

وإذا كانت هذه المرحلة قد انتهت بالانتخابات الرئاسية عام 1997فإن تلك الانتخابات وطبيعة المشاركة الشعبية فيها اتخذت طابعا "ديمقراطيا"، رأى فيه المنظرون الإيرانيون عودة إلى روح الثورة الإسلامية وأهدافها في إلغاء الاستبداد وترسيخ أسس القانون والحياة البرلمانية"(4).

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المشاركة بأشكالها وأنماطها في تلك الفترة وفي المرحلة اللاحقة ظلت محصورة في إطار إسلامية النظام، رغم ما في داخل هذا الإطار من تنوع في الرأي، إلا أن الأمر لم يتجاوزه ليشمل اتجاهات سياسية أخرى غير دينية، بل إن إقصاء المثقفين للترشيح للانتخابات شمل حتى أعضاء أو قريبين من تنظيمات إسلامية تؤمن بإقامة النظام الإسلامي، لكن ترفض الإيمان بنظرية ولاية الفقيه شكلا لنظام الحكم، وهذا هو حال حركة الحرية التي يتزعمها إبراهيم يزدي، والتي تعرض غالبية قيادييها للاعتقال مؤخرا بعدما وجه القضاء إليهم تهمة التآمر ضد النظام الإسلامي.

التيارات والأحزاب السياسية

كلما كانت الدول تتمتع بالحريات والممارسات الديمقراطية ووجود التيارات السياسية كلما ساعد في إيجاد الأرضية الملائمة لظهور وعمل التيارات والأحزاب السياسية بشكل علني، وفي إيران عبر تاريخها الطويل تجربة برلمانية، رغم محدوديتها بسبب الوضع السياسي. وخلال مراحل القمع السياسي التي مرت بها إيران في العهد الملكي انحسرت التجربة البرلمانية وكذلك الحزبية العلنية وتحول عمل الأحزاب إلى النشاط السري، في ما كان هناك حزب واحد فقط يعمل في العلن في السنوات الأخيرة من العهد الملكي هو حزب السلطة (رستاخيز) أي "البعث". في ما نشطت في السر أحزاب وتيارات دينية وقومية وماركسية.


كلما كانت الدول تتمتع بالحريات والممارسات الديمقراطية ووجود التيارات السياسية كلما ساعد في إيجاد الأرضية الملائمة لظهور وعمل التيارات والأحزاب السياسية بشكل علني.
وبعد قيام الجمهورية الإسلامية بادر العديد من هذه الأحزاب إلى العمل العلني في مرحلة لم تكن إيران قد شهدت فيها استقرار الوضع الداخلي بعد، إلا أن الأمور سارت باتجاه حظر جميع الأحزاب والتنظيمات غير الإسلامية التي لم تستطع أن تشق طريقها إلى البرلمان بسبب عدم إحراز شروط أهلية الترشيح وأهمها الإيمان الإيديولوجي بالإسلام ونظام ولاية الفقيه، وهي الشروط التي تراقب توفرها في المرشحين، لجنة "تأييد أهلية المرشحين في وزارة الداخلية" وبعدها اللجنة المختصة المنبثقة عن مجلس "حراس الدستور".

ومع تطور الصراع بين السلطة والأحزاب غير الدينية تم حظر نشاط جميع هذه الأحزاب، بما في ذلك منظمة "مجاهدي خلق" التي بدأت نشاطها في عهد الشاه تنظيما إسلاميا، وانتهت منظمة تسعى للمواءمة بين الماركسية والإسلام، بسبب تأثر قادتها بالفكر الماركسي، إبان اعتقالهم مع قياديي الحزب الشيوعي قبل الثورة.

أما الأحزاب التي بادرت إلى العمل العلني مع بداية عهد الجمهورية الإسلامية قبل حظرها رسميا فهي عديدة، منها حزب توده (الحزب الشيوعي الإيراني) وهناك منظمات تابعة له تتبنى الفكر الماركسي، مثل منظمة "فدائيان خلق" وكذلك منظمة "مجاهدي خلق" وأحزاب قومية علمانية.

فمنذ العام 1980 بدأ دور التنظيمات غير الإسلامية يتراجع، بعد تعرضها لموجة اعتقالات إثر مواجهات مع السلطة، وهو ما حدث بشكل رئيسي مع منظمة مجاهدي خلق، في ما تم اعتقال عدد من قادة وكوادر الحزب الشيوعي الإيراني (توده) والتنظيمات الصغيرة الدائرة في فلكه. ومع إقالة بني صدر من رئاسة الجمهورية عام 1981 تم رسميا "إزاحة التيار الليبرالي الذي كانت حركة الحرية التي كان يتزعمها رئيس الحكومة المؤقتة مهدي بازركان، توضع في خانته. رغم أنها كانت الأقرب بين التنظيمات السياسية للإيديولوجية الإسلامية وعلماء الدين (5)، مما اضطر هذه التنظيمات إلى العودة إلى العمل السياسي السلبي.

وقد ساعدت ظروف الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) في تقليل آثار الفوارق في المواقف والرؤى بين التنظيمات الإسلامية الوحيدة التي ظلت في الساحة، من خلال انشغال الجميع بأجواء التعبئة البشرية والعسكرية لدعم جبهات الحرب، وبقيت التجاذبات بين هذه القوى محدودة، حتى توقف الحرب عام 1988ودخول البلاد مرحلة انفتاح نسبي، واتجاهها إلى الاستقرار، مما فتح باب النقاش بين التيارات السياسية المختلفة حول شؤون عدة، أهمها الحريات الثقافية والسياسية، والنظام الاقتصادي الذي يجب أن تسير عليه إيران بعد انتهاء مرحلة اقتصاد الحرب، شديد التوجيه مركزيا، إضافة إلى بدء الحديث عن موضوعات جديدة لم تألفها الساحة الإيرانية من قبل، مثل مفاهيم "المجتمع المدني" وعلاقة الدين والدولة والديمقراطية والتعددية وقبول الآخر. كما بدأ المفكرون الدينيون الإصلاحيون أمثال البروفيسور عبد الكريم سروش بطرح نظريات جديدة حول المفاهيم سالفة الذكر، رغم أن طرح هذه الموضوعات ظل محدودا نسبيا، خصوصا بعدما بدأ الفرز يتضح داخل الساحة السياسية والفكرية وحتى الدينية الإيرانية بين يمين ويسار، وسيطرة اليمين المتشدد على مفاصل السلطة والمؤسسات الدستورية الأساسية مثل مجلس الشورى (البرلمان) والقضاء والسلطة التنفيذية.

وقد شهدت تلك المرحلة ضغوطا على الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي كان يعد إصلاحيا معتدلا، اضطرته أخيرا إلى الطلب إلى وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي آنذاك الدكتور محمد خاتمي إلى الاستقالة بعدما لعبت وزارته دورا كبيرا في تسهيل نشر الأفكار والنظريات الجديدة. كما اتخذت الأجهزة الأمنية إجراءات تضيقية على مفكرين ومثقفين، فمنع عبد الكريم سروش من إلقاء محاضراته في الجامعة، في ما لم تشهد الأحزاب والتنظيمات السياسية الإسلامية نشاطات ملحوظة في تلك المرحلة التي شهدت –مع ذلك– بداية تبلور تيارات واتجاهات سياسية جديدة، فظهر تنظيم كوادر البناء، في ما كانت هناك حركة "مجاهدي انقلاب إسلامي" صاحبة التاريخ الطويل.

لم تشهد الساحة الصحفية تطورا ملحوظا في تلك المرحلة، بسبب عدم توفر أجواء الانفتاح المطلوبة. كانت السنوات الأخيرة من عهد رفسنجاني شهدت ظهور جيل جديد من المثقفين الدينيين الذين جاءوا بآراء إصلاحية جريئة حاولوا تمريرها عبر بعض المجلات الثقافية والمحاضرات المتفرقة، وكان أبناء هذا الجيل في غالبيتهم من كوادر اتسمت بالراديكالية أو انتمت إلى تيارات عرفت بالراديكالية الثورية في المرحلة السابقة، والكثير منهم كان يعمل ضمن قوات حرس الثورة الإسلامية أو جهاز المخابرات.

كان هؤلاء قد كوفئوا على خدمتهم طيلة فترة الحرب، بإرسالهم على نفقة الحكومة لإكمال دراساتهم العليا في أوروبا، فتوزعوا بين لندن وباريس وهامبورغ، ليعودوا بعدها منقلبين على تشددهم الإيديولوجي الثوري السابق إلى تشدد معاكس، في تبني أفكار إصلاحية ودعوات إلى إقامة المجتمع المدني والديمقراطية والتعددية، وهي مفاهيم كانت توضع في المرحلة السابقة في خانة الفكر المنحرف المنافي للدين.

وإلى هؤلاء كانت الساحة الداخلية شهدت تحول العديد من كوادر اليسار السابق الذين حكموا حتى عام 1988، وأزيحوا بعد وصول رفسنجاني إلى الرئاسة، حتى من المجلس النيابي، إلى أفكار أكثر اعتدالا "واتجاها" نحو الإصلاح السياسي، كل هذه التغييرات بدت وكأنها تحضير غير مخطط له لمرحلة لاحقة، بدأت مع الانتخابات الرئاسية عام 1997 وإعلان خاتمي ترشيح نفسه فيها منافسا لرئيس البرلمان السابق علي أكبر ناطق نوري.

اليمين واليسار إسلاميا

لم تكن التنظيمات والتيارات الإسلامية التي بقيت وحدها في الساحة الإيرانية، بعد انحسار وجود ونشاط القوى غير الإسلامية، متشابهة في اتجاهاتها ومواقفها ورؤاها في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إلا أن الفكر السياسي الإيراني منذ بداية الثمانينيات بدأ يعتمد تقسيم اليمين واليسار، لتصنيف التيارات الموجودة معتمدا في ذلك على عدة معايير، منها طبيعة فهم الدين، والمنهج الاقتصادي، فمثلا وضعت في خانة تيار اليسار الحركات والتنظيمات التي تميز بين الدين والفقه، وتعتقد بالفقه الحيوي المتحرك، في ما وضعت في خانة اليمين الحركات التي تؤمن بالفقه التقليدي، وتتعامل مع المعرفة الدينية بقدر كبير من التقليدية والأصولية المتصلبة والتقليدية، ومن هنا فإنهم يعتبرون القوة الدينية الأقوى في الساحة.

الحياة السياسية في ايران

أما على الصعيد الاقتصادي الذي يعتبر العامل الأول في نشوء التيارات السياسية في إيران بعد الثورة الإسلامية فإن اليسار عرف باتجاهه نحو الاقتصاد المغلق والموجه مركزيا من قبل الدولة، وهو في ذلك قريب إلى الفكر الاشتراكي الغربي، في ما يدعو اليمين إلى اقتصاد السوق وترك المجال لمعادلة العرض والطلب، مع أقل قدر من تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي، مسترشدا في ذلك بنموذج الدول الرأسمالية، ودول جنوب شرق آسيا (6)، لكنه يدعم حرية الاقتصاد التجاري دون الصناعي، داعيا إلى تخصيص المؤسسات التجارية.

على الصعيد السياسي اتسم تيار اليسار بطغيان البعد الثوري، خصوصا على صعيد السياسة الخارجية، وكان ذلك التيار وراء نظرية دعم حركات التحرر ضد الأنظمة، ماديا ومعنويا، وهو ما عرف آنذاك بمبدأ تصدير الثورة، كما اتسم التيار بالتصلب في موضوع العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب، وحتى مع الاتحاد السوفياتي السابق، في ما كان اليمين أكثر هدوءا في نظرته إلى الأطراف الدولية، وكان لا يمانع من قيام علاقات تجارية مع الغرب، وحتى الولايات المتحدة شرط ألا يشيع ذلك علاقة هيمنة من جانب الأطراف الأخرى على إيران.

لا يمكن عند الحديث عن الاتجاهات السياسية في إيران بين 1981 و1997 تحديد أي من التنظيمات كان في خانة اليسار أو اليمين، ذلك أن الكثير من هذه التنظيمات تنقلت من خانة إلى أخرى، بعد ظهور تيارات معارضة داخلها. كما أن الانقسام بين يمين ويسار حدث داخل تنظيمات إسلامية موجودة قبل الفرز، ومنها منظمة "مجاهدي انقلاب إسلامي" وحزب "جمهوري إسلامي" الذي تأسس بأمر من مرشد الثورة الإسلامية الراحل آية الله الخميني، بهدف جمع الشخصيات والتنظيمات الإسلامية في إطار واحد، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق، وتعرضت هذه التنظيمات لانقسامات داخلية على أساس اليمين واليسار ووفق المعايير التي سلف الحديث عنها.

تنظيم "مجاهدي انقلاب إسلامي" جاء حصيلة اندماج سبع مجموعات عارضت الشاه وسلكت طريق المعارضة المسلحة، وذلك بعد أشهر من انتصار الثورة الإسلامية، إلا أن تباينات برزت داخل التنظيم أدت إلى فرز بين كوادره القيادية بين يمين ويسار، انتهى باستقالة كوادر اليسار ليظل التنظيم يمينيا فقط، وليعلن زعيمه حسين راستي كاشاني حله عام 1986 (7). إلا أن التنظيم عاد إلى الالتئام بكوادره اليسارية المستقيلة سابقا وبينهم بهزاد نبوي ومحسن آرمين وسعيد حجاريان ومصطفى تاج زاده ومحمد سلامتي وآخرون، وهؤلاء أصبحوا في عهد خاتمي من رموز التيار الإصلاحي، وبهذا انتقل هذا التنظيم من خانة اليمين إلى اليسار.


اليمين واليسار انبثقا من رحم التيار الإسلامي في ثورة فبراير/ شباط 1979 ووفقا لطبيعة الرؤية التي امتلكها كل جناح بالنسبة للقضايا السياسية والدينية والاقتصادية

أما حزب "جمهوري إسلامي" الذي تأسس عام 1981 بهدف "حماية منجزات الثورة" فلم يسلم هو الآخر من الفرز الداخلي بين يمين ويسار، بدأ بالنقاش حول قانون الأراضي (تحديد سقف للملكية الفردية) وقانون العمل، إلا أن النقاش تطور إلى انقسام حول حدود وصلاحيات الولي الفقيه (المرشد). واللافت هنا أن جناح اليسار داخل الحزب كان يدافع عن مفهوم الولاية المطلقة للمرشد، بناء لمقتضيات المصلحة التي تجيز له تعطيل بعض الأحكام الشرعية الأولية، في ما كان اليمين داخل الحزب يعتقد بثبات الأحكام الأولية (الابتدائية) في ما الأحكام الحكومية (التي تقتضيها ضرورات الحكم) تمثل في رأيه بدعة مستحدثة، وإن حدود صلاحيات المرشد تسري على الأحكام الابتدائية فقط (8). وقد تغيرت المواقف في ما بعد، بحيث نرى اليسار الآن يعارض الولاية المطلقة، في ما يتمسك بها اليمين الذي يرى في المساس بها مساسا بأركان النظام الإسلامي، واللافت أيضا أن الانقسام انتقل حتى إلى داخل تجمع رجال الدين "روحانيت مبارز" التي أدى تباين المواقف داخلها إلى انبثاق تنظيم يساري لرجال الدين، هو "روحانيون مبارز" من داخل التنظيم الأول.

من هنا نرى أن كلا اليمين واليسار انبثقا من رحم التيار الإسلامي في ثورة فبراير/ شباط 1979 ووفقا لطبيعة الرؤية التي امتلكها كل جناح بالنسبة للقضايا السياسية والدينية والاقتصادية، كما أن تغير الظروف والتجارب التي مرت بها التيارات ساعدت في تغيير الكثير من مواقفها، وهذا ما سيتضح أكثر لدى الحديث عن مرحلة خاتمي منذ العام 1997.

وفي مرحلة ما قبل خاتمي لا يمكن الحديث عن وجود أحزاب وتنظيمات، بقدر إمكانية الحديث عن تجمعات توزعت بين شريحة رجال الدين والشرائح الطلابية والمهنية، فاليسار كان يقوده في تلك الفترة تنظيم "روحانيون مبارز" الذي كان يرأسه الشيخ مهدي كروبي، وفي القطاع الجامعي كان تنظيم "دفتر تحكيم وحدت" ينشط باعتباره تيارا طلابيا يساريا، إضافة إلى تنظيمات نقابية للمعلمين والعمال والموظفين، وكان تنظيم "مجاهدي انقلاب إسلامي" بعد إعادة تشكيله، الأقرب إلى طبيعة التركيبة الحزبية الحديثة. أما في تيار اليمين فيأتي تنظيم "روحانيت مبارز" في المقدمة، إضافة إلى تنظيمات وتجمعات نقابية وطلابية، نظيرة لما عند اليسار، في ما يظل تنظيم "جمعية المؤتلفة الإسلامية" الأكثر تنظيما" والأقوى دورا، بسبب تلاحمها مع قوى البازار، صاحبة القوة التقليدية في الساحة الإيرانية.

مايو/ أيار 1997 نقطة التحول


شجعت الأجواء الجديدة التي عاشتها إيران منذ الانتخابات الرئاسية عام 1997، ووصول خاتمي إلى الرئاسة، على تنشيط العمل السياسي المنظم، فنشطت أحزاب قديمة واستحدثت تنظيمات أخرى.
لم تفاجئ الانتخابات الرئاسية عام 1997، التي أوصلت خاتمي إلى الرئاسة بنسبة عالية بلغت 70% من أصوات الناخبين، المراقبين للوضع الإيراني فحسب، بل شكلت تفاصيلها وحرارة المنافسة فيها مفاجأة للكثير من القوى السياسية الإيرانية التي كانت اختارت الانزواء، فاندفعت في تجديد حيويتها، والانخراط في مرحلة جديدة شكلت مفصلا مهما في تاريخ إيران السياسي المعاصر.

وكعادتهم بادر المراقبون للوضع الإيراني من الخارج إلى وصف ما جرى بالانقلاب على ثورة فبراير/ شباط 1979، إلا أن تطورات الساحة الداخلية تبين أن ما جرى كان محاولة لتجديد حياة النظام الإسلامي وليس خروجا عنه، رغم أن ذلك لا يلغي قيام تنظيمات وتيارات سياسية رافضة للنظام الإسلامي بمعاودة نشاطاتها ونشر أفكارها، مما أثار حفيظة الأحزاب المحافظة التي رأت في التيار الإصلاحي غطاء لأفكار تستهدف الإطاحة بالنظام الإسلامي.

الأحزاب والتيارات السياسية

شجعت الأجواء الجديدة التي عاشتها إيران منذ الانتخابات الرئاسية عام 1997، ووصول خاتمي إلى الرئاسة، وانسحاب المحافظين من الحكومة، ثم من الغالبية البرلمانية، على تنشيط العمل السياسي المنظم، فنشطت أحزاب قديمة واستحدثت تنظيمات أخرى. إذ عادت منظمة "مجاهدي انقلاب إسلامي" الإسلامية اليسارية إلى العمل بنشاط كبير، كذلك انضم تجمع "كوادر البناء والإعمار" التي أسسها الرئيس السابق رفسنجاني إلى التيار الإصلاحي، رغم تصنيفهم في خانة المحافظين المعتدلين سابقا. كما أيدت تنظيمات ليبرالية وقومية الرئيس خاتمي.

إلا أن الأحزاب السياسية الإيرانية، خصوصا الإسلامية منها، ليست جماهيرية، بل إن غالبيتها أحزاب نخب وكوادر، وتجمعات مهنية أو أحزاب انتخابات، تنشط قبل الحملات الانتخابية وتعود إلى الظل بعد انتهائها. ولهذه الظاهرة أسباب اجتماعية وتاريخية لا مجال للتفصيل فيها هنا.

كما أن التنظيمات والأحزاب لم تقدم برامج عمل ورؤى واضحة حول مختلف الشؤون التي تهم الشأن الداخلي والخارجي، بل اكتفت بطرح شعارات عامة، ساعدت في ترسيخ تقسيم الساحة السياسية إلى محافظ وإصلاحي، أو يمين ويسار.

وتقع في خانة "الإصلاحيين" جميع التنظيمات والتجمعات والجمعيات المهنية التي أيدت الرئيس خاتمي في الانتخابات الرئاسية ودعمت سياساته بعد ذلك، وقد اصطلح على تسمية هذه التنظيمات "تيار خرداد" نسبة إلى شهر خرداد حسب التقويم الإيراني الذي جرت فيه الانتخابات عام 1997، ويضم التيار الآخر (المحافظ) جميع التنظيمات والمجموعات المصنفة سابقا في خانة اليمين، والتي هزم مرشحها علي أكبر ناطق نوري في الانتخابات أمام خاتمي، كما خسر هذا التيار الغالبية البرلمانية في أول انتخابات برلمانية جرت بعد انتخاب خاتمي.

وتقف على رأس تنظيمات خرداد منظمة "مجاهدي انقلاب إسلامي" ومن رموزها بهزاد نبوي ومحسن آرمين وغيرهم، وهو الحزب الأكثر تنظيما. وكذلك حزب "جبهة المشاركة" الذي تأسس بعد الانتخابات الرئاسية، وحزب "التضامن" وتجمع "روحانيون مبارز" لرجال الدين. إضافة إلى التنظيم الطلابي الأقوى لليسار وهو "دفتر تحكيم وحدت" وتنظيمات مثل "حركة الحرية" وأحزاب قومية وعلمانية أخرى غير مرخص لها بالعمل رسميا.

أما أحزاب اليمين فيقف على رأسها تنظيم "روحانيت مبارز" الذي يمثل رجال الدين، وجمعية المؤتلفة الإسلامية، وتمثل قوى البازار ونقابات وتجمعات مهنية وطلابية عديدة.

وقد أفرزت السنوات الأربع الماضية تقسيمات فرعية تفصيلية للتيارين الرئيسيين مثل المحافظين المعتدلين والمحافظين المتشددين والإصلاحيين المتشددين والإصلاحيين المعتدلين.

الفورة الفكرية الثقافية

لم يكن مستغربا أن تشهد مرحلة الرئيس خاتمي فورة فكرية–ثقافية، حاول أن يحدثها عندما كان وزيرا للثقافة والإرشاد، إلا أنه، وكما سبق القول، واجه ضغوطا أدت إلى استقالته، وإدخال وزارة الثقافة في حالة سبات، وكان من أولى الخطوات التي قام بها خاتمي بعد وصوله إلى الرئاسة أن اختار الدكتور عطاء الله مهاجراني المثقف والمفكر التجديدي وزيرا للثقافة، وهي من الوزارات التي أصر خاتمي على أن يكون وزراؤها من اختياره دون تدخل المرشد، وقد استطاع مهاجراني أن يمر بصعوبة عبر مصفاة البرلمان ذي الأغلبية المحافظة آنذاك.

وقد استطاع مهاجراني أن يطلق حركة فكرية ثقافية، ساعدتها أجواء الحرية التي اتسع هامشها إلى حد كبير، إلا أنه لم يسلم من الضغوط، وتعرض مرتين للاستجواب أمام البرلمان، ثم انتهى به الأمر كما انتهى بخاتمي من قبل عندما أقنعه الرئيس بضرورة الاستقالة.

في مرحلة خاتمي احتدم الصدام بين التيارين التقليدي المحافظ والتجديدي، خصوصا وأن العامل الديني- الثقافي شكل محور هذا التضاد، وأصبح التجديد يعني لدى قوى الممانعة من التقليديين، استهدافا لأسس النظام الإسلامي وقيمه، ولم يعد التضاد بين التيارين محصورا في أزقة الحوزة الدينية في قم، بل نزل إلى الساحة السياسية ليتحول إلى صراع اجتماعي بين غالبية متجاوبة مع شعارات التجديد، بل إن هذه الأغلبية أيدت خاتمي كونه طرح شعارات ونظريات تجديدية وانفتاحية، وبين أقلية رأت في التجديد خروجا عن النص الديني والقيمي للمجتمع. وبلغ التناقض أشده عندما طرح العديد من مفكري حركة التجديد نظرية القراءات المتعددة للدين ما دام باب الاجتهاد مفتوحا وما دامت الاجتهادات متباينة، الامر الذي استدعى استنفارا لدى فقهاء التيار الممانع للتجديد والتعاطي مع هذه النظرية كبدعة تؤدي إلى الإطاحة بالثوابت.

ازدهرت حركة التأليف والنشر، ووصل عدد الكتب الصادرة كل عام إلى عدة آلاف عنوان جديد، في ما تنفذ الطبعات من السوق بسرعة، وكأن المؤلفين أخذوا يعوضون عن سنوات السبات وقلة الإنتاج الفكري في مجالات لم يكن أحد يجازف بالخوض فيها في مراحل سابقة، مثل المجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان وقبول الآخر والتعددية وحرية الرأي. ووصل الأمر إلى الإطاحة بـ"حرمات" كانت خارج إطار التناول، مثل رجال الدين، لدرجة أن المفكر عبد الكريم سروش قال في حوار أجراه معه كاتب هذه السطور ونشر في صحيفة النهار البيروتية إن "رجال الدين لا قدسية لهم، بل هم الذين ابتدعوا هذه القدسية ويطالبوننا باحترامها" (9). وتبع سروش الكثير من المفكرين الذين رأوا (وبينهم رجال دين أيضا) أن "علوم الشريعة ليست مقدسة من حيث هي تفسير بشري لنص مقدس، وقد يكون التفسير صائبا أو خاطئا"، ومن هؤلاء الشيخ محسن كديور الذي سجن بسبب أفكاره. وكانت الصحافة من أهم ميادين الغليان الفكري– الثقافي في السنوات الأربع الماضية. وللمرة الأولى بعد حوالي عقدين بدأت تصدر صحف جديدة تتناول الشؤون المختلفة بجرأة كبيرة، حتى بدأت واجهات أكشاك بيع الصحف تضيق بعددها الكبير (10). إلا أن الصحافة الإصلاحية تطرفت في خطها، واعتمدت خطابا "حادا" وصل أحيانا إلى حد التجريح الشخصي برموز النظام التقليديين، مثل الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، الذي دعم شخصيا وعبر أنصاره في تنظيم كوادر البناء وصول خاتمي للرئاسة، ومنع حدوث تزوير أثناء الانتخابات. وكان واضحا أن النهج الذي اتبعته تلك الصحف سيؤدي بها إلى الإغلاق، وهو ما حدث فعلا عندما أغلق القضاء أكثر من عشرين مطبوعة، وحكم على كبار الكتاب والصحفيين بالسجن، ومنهم ما شاء الله شمس الواعظين، وأكبر كنجي ومسعود بهنود وآخرون. إلا أن الأمر لم يتوقف، بل صدرت صحف أخرى إصلاحية جديدة، غير أنها بدت متعظة بما حدث لسابقاتها، فاعتمدت خطابا "أقل تشنجا"، تحاشيا لسيف القضاء.

وتمثل الصحافة المنبر الوحيد لتيار خاتمي لعرض أفكاره ومواقفه، في ظل اتهامه لأجهزة الإعلام المرئي والمسموع بالانحياز للتيار المحافظ. (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون خاضعة لإشراف المرشد مباشرة).

احتدام التنافس قبيل الانتخابات الرئاسية القادمة

تبدو مفارقة كبيرة أن يجعل الرئيس محمد خاتمي نظرية حوار الحضارات والثقافات التي أطلقها عنوانا لتطلعاته الإصلاحية الثقافية على الصعيد العالمي، في ما يظل الحوار غائبا عن الساحة الداخلية لإيران بين أبناء الثقافة الواحدة والخط الفكري العام الواحد. ورغم الشعارات الإصلاحية التي رفعها أنصار خاتمي والمستفيدين من سياسته الانفتاحية، وأولها شعارات المجتمع المدني والديمقراطية، وهي ما تستلزم إحلال منطق الحوار وقبول الآخر، فإن هذا المنطق يبدو غائبا حتى عند غالبية رافعي هذه الشعارات، فضلا عن معارضيهم في حين يسيطر منطق الإلغاء على سلوك كلا التيارين المتنافسين، ليس منذ الانتخابات الرئاسية عام 1997، بل منذ بداية تبلور التيارين بعد إقالة بني صدر. فاليسار القديم كان في السلطة في حوالي ثماني سنوات، مارس خلالها عملية إلغاء للتيار الآخر (اليمين) حيثما أمكن، وعندما هيمن اليمين على مفاصل السلطة بعيد وصول رفسنجاني إلى الرئاسة عام 1989 مارس هو الآخر عملية إلغاء قاسية ضد اليسار الذي خرج من مواقع السلطة تماما، حتى الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وعندما عاد اليسار متجددا ومتزعما تيارا إصلاحيا مارس أيضا سياسة الإلغاء حيثما استطاع، أو التوعد بها، وهو ما يفقد العملية الديمقراطية التي تشهد إيران مرحلة متقدمة لها منذ أربع سنوات أهم عناصر نجاحها وديمومتها.

يقول الإيرانيون إن الحوار واحترام الرأي الآخر يعد أحد الأسس الثقافية والقومية للإيرانيين، إلا أن غياب هذه الخصال إنما جاء بسبب حقب الاستبداد والانحطاط التي شهدتها إيران، خلال قرون عديدة (11). ويحاول الإيرانيون جاهدين إبعاد هذه الخصال السلبية عن جوهر الدين الإسلامي، رغم أن بعض الفقهاء في قم ي طرح نظريات وآراء تحاول إثبات أن العنف وفرض الرأي إنما هما من جوهر الدين، تحت عنوان المصلحة العامة.

وكثيرا ما يقع المتابعون للوضع الإيراني في مطب الانحياز العاطفي لتيار الإصلاح. وهو إنحياز قائم على افتراض أن كل آراء هذا التيار صائبة ما دام ينشد الإصلاح، في حين أن هذا التيار يضم متشددين لا يقلون عن متشددي خصومهم المحافظين خطرا على الديمقراطية والحرية.

وبينما يسيطر التيار المحافظ على مفاصل قوة رئيسية في تركيبة النظام الإيراني، فقد دفعه منطق الإلغاء إلى شن حملة واسعة ضد خصومهم من الإصلاحيين، اشتدت مع اقتراب الانتخابات القادمة، في حين لم تستطع السلطتان التنفيذية والتشريعية اللتان يمسك بهما تيار خاتمي موازنة قوة القضاء، ومجلس حراس الدستور الذي يملك صلاحية رفض أي قانون يصدر عن البرلمان.

وينشط الإصلاحيون منذ شهور لدفع الرئيس محمد خاتمي للترشح لدورة ثانية، في ما هو يتصرف بغموض حيال هذا الأمر مفضلا في ما يبدو، ترك خصومه في حيرة، خصوصا وأن خصومه بانتظار إعلان موقفه ليتسنى لهم التحرك (12). ويسعى هؤلاء إلى التأثير على شعبية خاتمي وحفظ حجم المشاركة الشعبية في الانتخابات، للقول بأن شعبيته تراجعت، في ما يسعى أنصاره إلى دفع الناخبين إلى مشاركة كثيفة لإثبات أن شعبيته مستمرة وأن الشعب مصر على مواصلة نهج الإصلاح، والواقع أن حقائق الشارع الإيراني تؤكد أن الغالبية المؤيدة لخاتمي لم تتراجع عن تأييده رغم انزعاج بعض الأطراف من تساهله مع خصومه، إلا أنه أثبت في الأعوام الأربع الأخيرة أن مرونة خاتمي كانت دهاء وليس ضعفا، لأن العكس كان سيؤدي ربما إلى إقالته بتهم شتى.

مدينة طهران

وأخيرا:
فقد نشط الإصلاحيون منذ شهور لدفع الرئيس محمد خاتمي للترشح لدورة ثانية، فيما تصرف هو بغموض حيال هذا الأمر مفضلاً، فيما يبدو، ترك خصومه في حيرة، خصوصاً وأن خصومه كانوا بانتظار إعلان موقفه ليتسنى لهم التحرك. وقد سعى هؤلاء طوال الأشهر الأخيرة إلى التأثير في شعبية خاتمي وخفض حجم المشاركة الشعبية في الانتخابات للقول بأن شعبيته تراجعت، فيما يسعى أنصاره إلى دفع الناخبين إلى مشاركة كثيفة لإثبات أن شعبيته مستمرة وأن الشعب مصر على مواصلة نهج الإصلاح. والواقع أن حقائق الشارع الإيراني تؤكد أن الغالبية المؤيدة لخاتمي لم تتراجع عن تأييده رغم انزعاج بعض الأطراف من تساهله مع خصومه، إلا أن خاتمي أثبت في الأعوام الأربعة الأخيرة أن مرونته كانت دهاءً وليست ضعفاً، لأن العكس كان سيؤدي ربما إلى إقالته بتهم شتى.
_______________

* باحث عراقي متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية.

هوامش:
1- الدستور الإيراني، رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، 1997، إيران– طهران.

2- يقول الكاتب الفرنسي فرانسوا ولنسون إن "إيران بدأت تخلع ثوبها الإسلامي وتتجه إلى الفصل بين الدين والسياسة بعد رحيل الخميني"– لاكردا، باريس، (يوليو/ تموز1990).

3- انظر د. حسن بشيرية، جامعه مدني و"توسعة سياسي در إيران" (المجتمع المدني والتنمية السياسية في إيران). مؤسسة "نشر علوم نوين"– طهران– 1999، ص 85.

4- المصدر السابق ص 69.

5- مقابلة مع محسن آرمين– مجلة "راه نو" العدد الأول يونيو/ حزيران 1997– ص 18.

6- حجت مرتجى "جناحهاي سياسي در إيران إمروز" (فارسي)، منشورات "نقش ونكار"– طهران، 1999، ص 44

7- ظريفي نيا حميد رضا، "كالبد شكافي جناحهاي سياسي إيران"- "فارسي“ منشورات "آزادي أنديشه"، طهران، 1999، ص 65.

8- نفسه ص 65.

9- عبد الكريم سروش، صحيفة النهار اللبنانية، 2/9/1999، حوار: سالم مشكور.

10- انظر سالم مشكور "الصراع الثقافي بين المحافظين والمتشددين في إيران"– صحيفة النهار 17/ 3 / 1999.

11- مسعود رضوي- "جامعه مدني، دوم خرداد، وخاتمي
(فارسي) منشورات فرزان طهران، 2000 م- ص 7.
12- سالم مشكور، "خاتمي واللعب بأعصاب خصومه"، النهار-10/3/2001.