* محمد نذير بولقرون

قررت العديد من الأحزاب الجزائرية المشاركة في انتخابات المجلس الشعبي الوطني المقرر إجراؤها نهاية الشهر الجاري. ويحاول كل حزب كسب أكبر عدد ممكن من الأصوات اعتمادا على برنامجه الانتخابي ومتغيرات الحياة البرلمانية الجزائرية في السنوات العشرة الماضية.. وهذه محاولة لإلقاء الضوء على برامج الأحزاب ومدى قربها أو بعدها عن اهتمامات المواطن الجزائري الذي يرنو إلى اليوم الذي تخرج فيه بلاده من أزمتها الراهنة.

- بين التأجيل والإلغاء
- مواقف الأحزاب المشاركة
- مواقف الأحزاب المقاطعة
- قراءة في برامج الأحزاب
- توقعات المستقبل

بين التأجيل والإلغاء

ظهرت بوادر خلافات بين مختلف الأحزاب السياسية حول الموقف من انتخابات المجلس الشعبي الوطني التي من المقرر إجراؤها نهاية الشهر الجاري، وطالبت بعض هذه الأحزاب بتأجيل الاقتراع إلى موعد آخر يتم فيه إيجاد حل نهائي لأزمة منطقة القبائل، في حين اعتبرت أطراف أخرى أن إجراء الانتخابات في موعدها أمر ضروري باعتبار أن عهدة المجلس الحالي تنتهي في يونيو/حزيران القادم، وتأجيل الانتخابات أو إلغاؤها يعني بروز حالة فراغ دستوري قد تقتضي اللجوء إلى استحداث هيئة تشريعية غير منتخبة. وقد تبنت بعض الأحزاب صراحة الدعوة إلى اعتماد مرحلة انتقالية جديدة يتم خلالها وضع مخطط سياسي شامل يكون بديلا عن النظام القائم.

وقد ألقت الانتخابات السابقة التي جرت في يونيو/حزيران 1997 بظلالها على النقاش الدائر حول أهمية الانتخابات الحالية، حيث عادت تلك المآخذ التي سجلت على هذه الانتخابات إلى الواجهة وعبرت مختلف الأحزاب عن مخاوفها من إمكانية حدوث عمليات تزوير واسعة النطاق مثل تلك التي حدثت في الانتخابات السابقة.

وبصرف النظر عن المآخذ المسجلة على انتخابات سنة 1997، فإن الأحزاب التي تؤيد إجراء الانتخابات سارعت إلى إعلان المشاركة فيها، وهي تمثل أغلبية ساحقة داخل البرلمان الحالي. فالتجمع الوطني الديمقراطي (الحزب الحاكم) الذي يقوده وزير العدل أحمد أويحيى أعلن مشاركته في الانتخابات، وهو يحوز على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان الحالي (156 مقعدا من أصل 380). كما تشارك حركة مجتمع السلم التي يقودها محفوظ نحناح وجبهة التحرير الوطني بزعامة رئيس الحكومة علي بن فليس بالإضافة إلى أحزاب أخرى. وفي المقابل لا يمثل الحزبان الرئيسيان اللذان أعلنا مقاطعة الانتخابات سوى نسبة ضئيلة من المقاعد (22 مقعدا لجبهة القوى الاشتراكية التي يقودها حسين آيت أحمد و20 مقعدا للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي يرأسه سعيد سعدي).


يعتبر بوتفليقة محاولات إجهاض الانتخابات جزءا من الخطة الهادفة إلى إزاحته، ولذلك اعتبر أن إجراء الانتخابات في موعدها رهان سياسي لابد من كسبه لتقوية مركزه
وتساند هؤلاء في مطلبهم مجموعة من الأحزاب الصغيرة غير الممثلة في البرلمان بالإضافة إلى جماعات سياسية مثل "تنسيقية العروش"، وهي تنظيم برز في منطقة القبائل مع الحركة الاحتجاجية التي انطلقت قبل أكثر من سنة.

السلطات الجزائرية من جهتها سعت لاتخاذ إجراءات سياسية عاجلة لامتصاص التوتر القائم في منطقة القبائل وتهيئة ظروف مناسبة لإجراء الانتخابات. وفي هذا الإطار كلف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رئيس الحكومة بمباشرة حوار مع ممثلي الحركة الاحتجاجية في القبائل لإيجاد حل نهائي للأزمة، وقد انتهى هذا الحوار باتخاذ قرار بتعديل الدستور وإضافة مادة تعتمد الأمازيغية (لغة البربر) لغة وطنية. وقد تمت المصادقة على هذا التعديل من طرف البرلمان بغرفتيه دون إحالته على استفتاء شعبي بيد أن هذا القرار لم ينه الشكوك التي كانت تحوم حول إمكانية إجراء الانتخابات في منطقة القبائل. وقد جرى الحديث عن اتصالات أخرى قامت بها الرئاسة الجزائرية عبر وسطاء مع ممثلي الحركة الاحتجاجية في منطقة القبائل دون التوصل إلى إقناعهم بالتخلي عن مواقفهم الرافضة لإجراء الانتخابات.

وقد اعتبر الرئيس بوتفليقة أن الأحداث التي شهدتها منطقة القبائل كانت تستهدفه بصفة خاصة، إذ إن بعض الأحزاب السياسية وخاصة جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وتيارات أخرى مناوئة لسياسته أرادت استثمار الوضع لإضعاف مركزه وإجباره على التنحي عن الرئاسة قبل نهاية عهدته التي تستمر إلى غاية سنة 2004.

وبدا واضحا أن الرئيس بوتفليقة يعتبر محاولات إجهاض الانتخابات جزءا من الخطة الهادفة إلى إزاحته، ولذلك اعتبر أن إجراء الانتخابات في موعدها رهان سياسي لابد من كسبه لتقوية مركزه.

مواقف الأحزاب المشاركة في الانتخابات

اعتبر التجمع الوطني الديمقراطي (الحزب الحاكم) المشاركة في الانتخابات أمرا ضروريا لتجاوز مخاطر الدخول في مرحلة انتقالية جديدة قد تزيد في تأزيم الوضع، وقد دعا الحزب من خلال الحملة الانتخابية التي قادها الأمين العام للحزب أحمد أويحيى (وزير العدل الحالي) إلى مشاركة مكثفة في الانتخابات، واعتبر ذلك ضمانا لتجنب حدوث صدمة مشابهة لتلك التي حدثت في ديسمبر/كانون الأول 1991 عندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ (المحظورة) بأغلبية مقاعد البرلمان في الدور الأول من الانتخابات. ويرى التجمع الوطني الديمقراطي أن مشاركة قوية في الانتخابات سوف ترجح كفة الوطنيين والديمقراطيين على من يصفهم بالأصوليين الإسلاميين الذين يمثلون -حسب رأيه- خطرا حقيقيا على الاستقرار باعتبارهم مسؤولين عن حالة الاضطراب السياسي والأمني الذي عاشته البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن.

من جهتها اعتبرت جبهة التحرير الوطني التي يقودها رئيس الحكومة علي بن فليس المشاركة في الانتخابات أمرا ضروريا لتجنب حالة فراغ دستوري. وقد اعتبر بن فليس في تصريحات له أثناء الحملة الانتخابية أن القرار الذي اتخذه الحزب بالمشاركة كان نابعا من الحرص على المصلحة الوطنية في المقام الأول. وترى جبهة التحرير الوطني أن تأجيل الانتخابات أو إلغاءها سيؤدي حتما إلى غياب المؤسسة التشريعية وما يترتب عن ذلك من فراغ لا يخدم الاستقرار السياسي في البلاد بل يفتح المجال أمام انزلاق آخر بإطالة المرحلة الانتقالية وتأجيل الحل النهائي للأزمة الجزائرية.

وقد ذهب بن فليس في بعض تصريحاته إلى حد القول "إن الحزب الذي اضطلع بمهمة إعادة بعث الدولة الجزائرية بعد سنوات طويلة من الاستعمار (وهي إشارة إلى جبهة التحرير الوطني التي فجرت الثورة الجزائرية وتولت الحكم بعد الاستقلال) لا يمكنه أن يشارك في هدم هذه الدولة". وقد كانت هذه التصريحات تلميحا إلى أن عدم إجراء الانتخابات هو أمر في غير مصلحة الدولة الجزائرية وليس السلطة فحسب.


رفضت الأحزاب الإسلامية الثلاثة فكرة الدخول في مرحلة انتقالية جديدة يتم خلالها إنشاء مؤسسات سياسية مؤقتة تضطلع بمهمة صياغة تصور جديد لنظام سياسي بديل، وينبع موقفهم هذا من قناعتهم بأن دعاة عدم إجراء الانتخابات يريدون إقصاءهم من الساحة السياسية
نفس المواقف اتخذها الإسلاميون ممثلين بثلاثة أحزاب رئيسية هي حركة مجتمع السلم وحركة النهضة وحركة الإصلاح الوطني، وقد رفض الثلاثة فكرة الدخول في مرحلة انتقالية جديدة يتم خلالها إنشاء مؤسسات سياسية مؤقتة تضطلع بمهمة صياغة تصور جديد لنظام سياسي بديل. وينبع موقف الإسلاميين هذا من قناعتهم بأن دعاة عدم إجراء الانتخابات يريدون إقصاءهم من الساحة السياسية خاصة أن بعض المقاطعين يعتبرون أن إجراء الانتخابات سيكون في صالح الإسلاميين وستنتهي العملية بتكرار سيناريو انتخابات سنة 1991 الملغاة.

مواقف الإسلاميين بدت غير منسجمة، فبينما سارعت حركة النهضة إلى إعلان مشاركتها في الانتخابات في وقت مبكر بقيت حركة مجتمع السلم مترددة في اتخاذ قرارها، ورغم تقديم قوائم للمترشحين فإن زعيم الحركة محفوظ نحناح ظل يلوح بإمكانية الانسحاب من العملية في أي لحظة. هذا الموقف تم تفسيره على أنه محاولة من الحركة لتأجيل الفصل النهائي في مسألة الانتخابات إلى حين بروز معطيات واضحة عن احتمالات تنظيم الاقتراع في موعده، وقد حاول نحناح تبرير موقفه بالقول إن حركته ليست مع المشاركة ولا مع المقاطعة، إلا أنه باشر حملته الانتخابية بعد أن بدت قوة احتمال إجراء الانتخابات في موعدها.

وإضافة إلى أهم الأحزاب الممثلة في البرلمان الحالي، فإن 20 حزبا آخر تشارك في الانتخابات بالإضافة إلى الأحرار (المستقلون) وهم في مجملهم يمثلون أغلبية الأحزاب المعتمدة رسميا في الجزائر. وقد تراجع حزب العمال الذي تقوده لويزة حنون عن الدعوة إلى التأجيل وقدم مرشحيه في مناطق مختلفة بما فيها منطقة القبائل.

ولا يرى دعاة المشاركة في الانتخابات أن الوضع في منطقة القبائل سوف يحول دون تنظيم الاقتراع في موعده. ويذهب البعض منهم إلى القول إن إجراء الانتخابات بمنطقة القبائل أمر ممكن إذا التزم دعاة المقاطعة بالعمل السياسي في إطار ديمقراطي وسلمي ولم يلجؤوا إلى العنف.

المبرر الآخر الذي يسوقه دعاة المشاركة هو التأكيد على أهمية الضمانات التي قدمها الرئيس بوتفليقة لزعماء الأحزاب بخصوص حرية الانتخابات ونزاهتها، وهي ضمانات قدمها الرئيس خلال لقاءات نظمها مع مختلف قادة الأحزاب السياسية بعد الإعلان عن تاريخ إجراء الانتخابات، وتتضمن إنشاء لجنة سياسية لمراقبة الانتخابات لا تكون الإدارة طرفا فيها وتقليص عدد المكاتب المتنقلة وهي عادة المكاتب التي تحوم الشكوك حول مصداقية نتائجها باعتبار أنها لا يمكن أن تخضع لرقابة مباشرة من طرف الأحزاب المتنافسة في الانتخابات.

ورغم الاعتراف بأهمية الضمانات التي حصل عليها المشاركون فإن الخطاب السياسي الذي ساد الحملة الانتخابية ركز على ضرورة حماية أصوات الشعب، وذهبت حركة مجتمع السلم إلى حد القول إن هناك نية في التزوير، كما طالبت معظم الأحزاب بضرورة تنفيذ الوعود التي قطعها الرئيس بوتفليقة باحترام إرادة الشعب.

مواقف الأحزاب المقاطعة للانتخابات


موقف الأحزاب المعارضة للانتخابات غير موحد، ولم تستطع هذه الأحزاب تنسيق مواقفها في إطار جبهة موحدة لمقاطعة الانتخابات أو للضغط على السلطة وإجبارها على تأجيلها أو إلغائها، لكنها اشتركت جميعا في اتخاذ الوضع غير المستقر بمنطقة القبائل كمبرر للدعوة إلى عدم إجراء الانتخابات

لم يكن موقف الأحزاب المعارضة للانتخابات موحدا، ولم تستطع هذه الأحزاب تنسيق مواقفها في إطار جبهة موحدة لمقاطعة الانتخابات أو للضغط على السلطة وإجبارها على تأجيلها أوإلغائها، لكنها اشتركت جميعا في اتخاذ الوضع غير المستقر بمنطقة القبائل كمبرر للدعوة إلى عدم إجراء الانتخابات. وتكاد تكون هذه النقطة الوحيدة التي جمعت الأحزاب المعارضة للانتخابات.

التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية
أول حزب دعا إلى مقاطعة الانتخابات هو التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي يرأسه سعيد سعدي، وقد كان هذا الموقف منتظرا من الحزب الذي انسحب من الائتلاف الحكومي قبل عام من الآن كرد فعل على الطريقة التي تعاملت بها السلطة مع أحداث القبائل، وكان التجمع يريد في البداية بناء جبهة واسعة لرفض الانتخابات بواسطة التنسيق مع الأحزاب وبعض الجماعات المعروفة بمعارضتها للرئيس بوتفليقة مثل الحركة الاجتماعية الديمقراطية (الحزب الشيوعي) وحركة المواطنين من أجل الدفاع عن الجمهورية وهي جمعية أسسها بعض المعارضين للرئيس بوتفليقة وخاصة سياسة الوئام المدني والمصالحة. وكان التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية يأمل في تقارب مع جبهة القوى الاشتراكية باعتباره الحزب الأساسي الذي يتقاسم معه النفوذ في منطقة القبائل، غير أن الخلافات التاريخية القائمة بين الحزبين حالت دون تحقيق هذا الهدف.

جبهة القوى الاشتراكية
وفي مقابل هذا الموقف برزت جبهة القوى الاشتراكية على الساحة برفضها للانتخابات، لكنها أعلنت أنها ليست مع المقاطعة، وتم تفسير هذا الموقف على أنه محاولة للابتعاد عن الموقف المعلن من طرف التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي كان يريد تزعم حركة المقاطعة. وقد عبر حسين آيت أحمد عن موقفه من الانتخابات في رسالة وجهها من منفاه الاختياري بسويسرا إلى المجلس الوطني لجبهة القوى الاشتراكية الذي اجتمع يوم 26 مارس/آذار الماضي لتحديد الموقف من الانتخابات، وفي هذه الرسالة قال آيت أحمد "إن المشاركة أو المقاطعة ليس لها أي معنى من الناحية الواقعية، ولإعطاء معنى للمشاركة أو المقاطعة فيجب أن نكون مواطنين أولا"، ودعا إلى ما أسماه بـ"عصيان انتخابي سلمي ووطني".

ويقوم موقف جبهة القوى الاشتراكية على رفض الانتخابات في الظروف القائمة من حيث المبدأ ويحاول طرح بديل يتمثل في الدخول في مرحلة انتقالية جديدة يتم خلالها وضع أسس نظام سياسي ديمقراطي واضح، وهو طرح كان قد عرضه الحزب على الرئيس بوتفليقة وقادة الجيش في مذكرة أرسلها إليهم قبل عام من الآن.

وقد حاولت جبهة القوى الاشتراكية توسيع جبهة معارضة الانتخابات بالسعي لبناء تحالف مع شخصيات سياسية، وفي هذا الإطار تم توقيع بيان مشترك في 14 أبريل/نيسان الماضي مع أحمد طالب الإبراهيمي الذي كان يقود حركة الوفاء والعدل (لم تعتمدها وزارة الداخلية) وعلي يحيى عبد النور وهو محام ناشط في ميدان حقوق الانسان، والجنرال المتقاعد رشيد بن يلس. وقد دعا هذا البيان إلى مقاطعة الانتخابات وطالب بضرورة فتح مفاوضات مع السلطة لإيجاد مخرج للأزمة السياسية الجزائرية.

الهدف الأساسي الذي أرادت جبهة القوى الاشتراكية تحقيقه هو جعل رفض الانتخابات موقفا وطنيا وليس موقف منطقة القبائل لوحدها، كما أرادت استثمار الوضع القائم في القبائل سياسيا لإرغام السلطة على تبني حل سياسي جذري يشارك في صياغته كل الفاعلين السياسيين.

تنسيقية العروش
وفي مقابل هذه الأحزاب السياسية الرافضة للانتخابات تتخذ تنسيقية العروش بمنطقة القبائل -وهي حركة برزت إلى الوجود مع أحداث المنطقة- موقفا أكثر راديكالية بالدعوة إلى منع الانتخابات ولو بالقوة. وتجد هذه الحركة دعما مباشرا من التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، في حين تعارضها جبهة القوى الاشتراكية وتتهمها بالتواطؤ مع السلطة من خلال الدعوة إلى العنف. ولا تتبنى تنسيقية العروش موقفا وطنيا من الانتخابات بل تكتفي بالسعي إلى عدم إجرائها في منطقة القبائل فقط بالدعوة إلى تنظيم مظاهرات وإضرابات يوم الانتخابات في 30 مايو/أيار الجاري.

وإضافة إلى الوضع في منطقة القبائل فإن الأطراف الداعية إلى مقاطعة الانتخابات تركز على نية السلطة في التزوير كمبرر آخر لعدم جدوى إجراء الانتخابات، لكن هذا المبرر لا يبدو الدافع الأساسي باعتبار أن الأحزاب التي نددت بالتزوير الذي شهدته انتخابات سنة 1997 لم تنسحب من البرلمان، بل إن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية انضم لاحقا إلى الائتلاف الحكومي.

وتعول الأحزاب الداعية إلى المقاطعة على أمرين أساسيين: الأول هو فشل السلطة في تنظيم الاقتراع بمنطقة القبائل، والثاني هو تسجيل نسب مشاركة ضعيفة جدا، وفي حال حدوث ذلك فإن مصداقية الانتخابات ستكون محل استفهام.

وطيلة الحملة الانتخابية لم تسجل الساحة السياسية في الجزائر نشاطا كبيرا لدعاة المقاطعة على اختلاف توجهاتهم، وهو ما يعزز الاعتقاد بأنهم لم يحققوا نجاحا كبيرا في محاولاتهم تجنيد الرأي العام لرفض الانتخابات أو تبني البدائل التي يطرحونها في خطابهم السياسي.

قراءة في برامج الأحزاب


لاتزال المسائل السياسية المرتبطة بالموقف من المصالحة الوطنية والوئام المدني تشكل القاعدة الأساسية للخطاب السياسي لمختلف الأحزاب والتيارات، على عكس القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي لا تثور حولها خلافات كبيرة بين الأحزاب الكبرى

إطلالة على التيارات السياسية
عادة ما تصنف التيارات السياسية في الجزائر إلى ثلاثة أصناف هي: التيار الوطني الذي يمثله على وجه الخصوص التجمع الوطني الديمقراطي (الحزب الحاكم) وجبهة التحرير الوطني، وهو تيار تبنى مواقف معتدلة من مجمل القضايا السياسية المطروحة ويسعى للمزج بين خطاب وطني يعتمد على الإرث التاريخي والحضاري للجزائر وبين تطورات معاصرة للعمل السياسي والبرامج الاقتصادية. وهناك التيار الإسلامي الذي تمثله ثلاثة أحزاب أساسية هي حركة مجتمع السلم وحركة النهضة وحركة الإصلاح الوطني وهي أحزاب تتبنى الخطاب الإسلامي وتنبذ العنف وتحاول التكيف مع ضوابط العمل السياسي كما يحددها القانون. وأخيرا هناك التيار الذي يسمي نفسه "الديمقراطي" ويضم بصفة خاصة التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وأحزابا صغيرة مثل الحركة الاجتماعية الديمقراطية التي يقودها الهاشمي شريف والتحالف الوطني الجمهوري الذي يتزعمه رئيس الحكومة الأسبق رضا مالك،.ويعتمد هذا التيار خطابا متطرفا يقوم على رفض أي شكل من أشكال التقارب مع الإسلاميين.

غير أن هذه التصنيفات لا يمكن اعتبارها دقيقة بحكم وجود تحالفات تكتيكية بين بعض الأحزاب المنتمية إلى تيارات مختلفة مثلما حدث بين الإسلاميين وجبهة القوى الاشتراكية في النصف الثاني من العقد الماضي، وكذلك بحكم وجود خلافات عميقة بين بعض الأحزاب التي تنتمي إلى تيار واحد كما هو الحال بين النهضة والإصلاح، ولذلك فإن اعتماد هذا التصنيف سيكون لغرض منهجي في المقام الأول.

ملاحظات على برامج الأحزاب المشاركة
أول ملاحظة يمكن تسجيلها على برامج الأحزاب المشاركة في الانتخابات الجزائرية أنها تركز على الجانب السياسي والأمني وتحاول طرح بدائل للخروج من الأزمة متعددة الأبعاد التي تعاني منها البلاد منذ أكثر من عشر سنوات. ولاتزال المسائل السياسية المرتبطة بالموقف من المصالحة الوطنية والوئام المدني تشكل القاعدة الأساسية للخطاب السياسي لمختلف الأحزاب والتيارات، على عكس القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي لا تسجل حولها خلافات كبيرة بين الأحزاب الكبرى، رغم أنها تشكل محورا أساسيا في برامج بعض الأحزاب الصغيرة التي ترفض التوجهات الليبرالية التي أخذت بها الحكومات المتعاقبة منذ إقرار التعددية السياسية في البلاد سنة 1989.

برامج أحزاب التيار الوطني
التجمع الوطني الديمقراطي عنون برنامجه بـ "من أجل الاستقرار الوطني في خدمة تنمية الجزائر"، وحسب هذا البرنامج فإن الاستقرار يأتي من خلال "وضع حد لتسييس دين كل الجزائريين (يقصد الإسلام) كما ينص على ذلك الدستور والقانون". ويركز برنامج الحزب الحاكم على ضرورة مواجهة ما يسميه الخطر الأصولي و"دعم مكافحة الإرهاب كواجب مواطني".

وتبنى الأمين العام للحزب أحمد أويحيى خطابا سياسيا معاديا للإسلاميين خلال الحملة الانتخابية، واعتبر أن الخطر الحقيقي الذي يواجه الجزائر حاليا هو عودة الإسلاميين إلى الساحة السياسية. ويقوم برنامج الحزب على بناء تحالف سياسي بين مختلف التيارات من أجل قطع الطريق على الإسلاميين ومنعهم من الوصول إلى السلطة سواء عن طريق الانتخابات وبطرق أخرى.

ورغم دعم التجمع لسياسة الوئام المدني التي أعلنها الرئيس بوتفليقة فإنه يبدي معارضة شديدة لفكرة تطوير هذه السياسة وتحويلها إلى مصالحة يمكن من خلالها إشراك الإسلاميين بشكل أوسع في الحكم. ويعتبر التجمع الوطني الديمقراطي أن قانون الوئام المدني هو أقصى ما يمكن تقديمه للإسلاميين وبخاصة لنشطاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وهذه السياسة هي التي تم اعتمادها خلال فترة رئاسة أحمد أويحيى للحكومة.

ويدعم الحزب عمل لجان الإصلاح التي شكلها الرئيس بوتفليقة والتي كلفت بإعادة صياغة المنظومة التربوية وإصلاح جهاز العدالة وهياكل الدولة (الإدارة) كما تبنى برنامج الحزب مواقف صريحة تقوم على المطالبة بإعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها المنظومة التربوية وتبني مناهج تعليمية أكثر انفتاحا، ولا يبدي أي تحفظ بشأن ما تشنه لجنة إصلاح المنظومة التربوية التي أثار تقريرها النهائي جدلا كبيرا.

وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي يتبنى التجمع الوطني الديمقراطي طرحا ليبراليا واضحا يقترب كثيرا من البرنامج الذي تم تطبيقه في النصف الثاني من التسعينيات والقائم على تحرير الاقتصاد والتخلي عن السياسات الاجتماعية ذات الكلفة العالية، ويعتبر أن "دعم تفتح الاقتصاد الجزائري على الاقتصاد العالمي بالاكتفاء فقط بالمطالبة بمجهود اجتماعي أكبر ما هو إلا سقوط في الديماغوجية وهروب إلى الأمام لأن المستقبل سيكون قاسيا". وفي الأخير يتبنى الحزب سياسة الخوصصة التي يرى أنه ليس لها من حدود سوى حقول البترول والغاز التي هي ملك للأجيال القادمة.


لم يركز برنامج جبهة التحرير الوطني بشكل كبير على المسائل السياسية وتجنب الدخول في جدل حول الموقف من المصالحة الوطنية، كما لم يتبن خطابا معاديا للإسلاميين وركز على تكريس بناء ديمقراطية تقوم على الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطن
ودعا إلى إصلاح المنظومة التربوية

لم يركز برنامج جبهة التحرير الوطني بشكل كبير على المسائل السياسية وتجنب الدخول في جدل حول الموقف من المصالحة الوطنية، لكنه ركز على "تكريس بناء ديمقراطية حوارية حقة تقوم على الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطن". وأثناء الحملة الانتخابية أكد الأمين العام لجبهة التحرير علي بن فليس تمسك حزبه بالمواقف المعتدلة حيال أهم القضايا السياسية المطروحة واعتبر أن سياسة الوئام المدني أعطت نتائج جيدة وأن المجتمع الجزائري رحب بالعناصر التي وضعت السلاح وعادت إلى الحياة العادية. ويرى بن فليس أن معالجة ظاهرة "الإرهاب" تتم في إطار قانون العقوبات باعتبار أن عمليات الاغتيال والتفجير هي جرائم يمكن معالجتها في إطار القوانين السارية. ولم تتبن جبهة التحرير الوطني خطابا معاديا للإسلاميين ولم تتم الإشارة إليهم على أنهم خطر يجب التصدي له، وهو ما يجعل الحزب يحافظ على مواقفه المرنة التي عرف بها طيلة السنوات العشرة الماضية، غير أن الحزب أكد تمسكه بالطابع الجمهوري للدولة ورفضه لأي مشروع يتناقض مع هذا المبدأ.

الاعتدال الذي يطبع برنامج الحزب يبدو واضحا من خلال تبني فكرة إصلاح المنظومة التربوية من خلال الانفتاح على تجارب عالمية أخرى دون التقليل من أهمية الإنجازات التي حققتها المدرسة الجزائرية خلال أربعة عقود من الاستقلال، على خلاف أطراف سياسية أخرى اتهمت المدرسة بأنها كانت سببا في بروز "الإرهاب".

جبهة التحرير الوطني التي اختارت شعار "نعم لجزائر الرخاء والحداثة والتضامن" تبدو حذرة في تناولها للملف الاقتصادي إذ تحاول التقليل من الكلفة الاجتماعية لعمليات الإصلاح الاقتصادي، وفي هذا الإطار يؤكد برنامج الحزب ضرورة تكريس التضامن من خلال حماية الفئات الفقيرة من الآثار السلبية للخوصصة بالتأكيد على ضمان مجانية التعليم والعلاج.

برنامج الإسلاميين

الأولوية للمصالحة الوطنية

على خلاف التيارات الأخرى يولي الإسلاميون أهمية قصوى للجوانب السياسية ويركزون على ضرورة تجسيد المصالحة الوطنية كمدخل لحل الأزمة الجزائرية. ورغم الاختلافات القائمة بين أهم الأحزاب الإسلامية فإنهم يتبنون مواقف متقاربة من السياسة التي يجب اتباعها لإنهاء العنف وتحقيق السلم.

حركة مجتمع السلم
تتبنى حركة مجتمع السلم في برنامجها الحوار حلا سياسيا إذ ترى أنه "يجب أن تفتح قنوات الحوار أمام الجميع وتتوقف حملات العنف والعنف المضاد، ويتم بصورة جدية التكفل بالعائلات المتضررة من جراء المأساة الوطنية، وترفع العقوبات التعسفية التي طالت بعض المواطنين من جراء انتماءاتهم السياسية وتعويض المتضررين منهم، وبإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي بالتوازي مع إقامة محاكمات عادلة للمتورطين فعلا في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وكرامة المواطنين". وتلخص هذه المطالب أهم القضايا الشائكة المتعلقة بالأزمة الجزائرية في بعدها السياسي، ورغم أنها لا تتضمن ذكرا صريحا للمصالحة الوطنية فإنها تتجه مباشرة إلى تحقيق أركانها.

وعلى صعيد آخر تتبنى حركة مجتمع السلم مواقف معارضة لعمليات إصلاح المنظومة التربوية بالطريقة التي طرحتها اللجنة الوطنية في تقريرها النهائي، وتطالب بضرورة الحفاظ على قيم المجتمع الجزائري المتمثلة أساسا في الإسلام وضمان سيادة اللغة العربية.

حركة النهضة
ركزت حركة النهضة في برنامجها الانتخابي على المصالحة الوطنية التي جعلتها شعارا لحملتها الانتخابية "الحل في المصالحة". وقد تبنت الحركة هذا الموقف عمليا من خلال فتح أبواب الترشح باسمها لكوادر الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وقد كان ترشح بعض العناصر التي مارست العمل المسلح ضمن قوائم النهضة سببا في تدخل وزارة الداخلية لإلغاء هذه الترشيحات باعتبارها غير قانونية. الحركة التي كان يقودها عبد الله جاب الله قبل أن ينشق عنه لحبيب آدمي ويستحوذ عليها اتجهت إلى محاولة كسب عناصر جبهة الإنقاذ المحظورة من خلال تبني فكرة ترقية سياسة الوئام المدني إلى مصالحة وطنية من خلال فتح الباب أمام أعضاء الجيش الإسلامي للإنقاذ المنحل للعودة إلى ممارسة السياسة فضلا عن رموز جبهة الإنقاذ المحظورة.

حركة الإصلاح الوطني
مواقف حركة الإصلاح الوطني التي يتزعمها عبد الله جاب الله تبدو أكثر تركيزا على المصالحة الوطنية بالدعوة إلى إطلاق سراح سجناء الرأي وكل من لم يتورط في جرائم القتل، والتعامل الإيجابي مع الهدنة والعفو عن العناصر التي التزمت بها، ورفع حالة الطوارىء والتكفل الاجتماعي التام بضحايا الأزمة، وكذا معالجة جميع آثار الأزمة ومنها ملف المفقودين والمفصولين عن العمل.

وتبدي حركة الإصلاح معارضة واضحة لمشروع إصلاح المنظومة التربوية بالصيغة التي طرح بها، وتعتبر ذلك محاولة لمسخ هوية المدرسة الجزائرية وتغريبها.

ويتفق الإسلاميون عموما على ضرورة الاهتمام بالجوانب الاجتماعية وحماية الفئات المحرومة، وهم لا يعارضون تطبيق سياسة اقتصادية ليبرالية لكنهم يشيرون إلى ضرورة وضع آليات لمحاربة الفساد والرشوة.

توقعات للمستقبل


يبدو أن البرلمان القادم لن تكون فيه الأغلبية لحزب بعينه مما يحتم اللجوء إلى حكومة ائتلافية كما هو الشأن بالنسبة للحكومة الحالية، وهو أمر يتطلب تقاربا بين مختلف الأحزاب المشاركة في البرلمان. وقد يكون الاحتفاظ بنفس الفاعلين الأساسيين هو الصيغة النهائية للتحالف القادم

أشار سبر للآراء أجرته جريدة "الوطن" الجزائرية إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات القادمة ستكون في حدود 53% وهو رقم يقترب من توقعات وزير الداخلية الذي قال الأسبوع الماضي إنه يتوقع مشاركة بين 55 و63%. وتتجه هذه التوقعات إلى استبعاد احتمال إلغاء الانتخابات بسبب المشاركة الضعيفة، وإلى حد الآن لا يبدو أن المعارضين للانتخابات استطاعوا أن يجندوا الرأي العام لمقاطعة الاقتراع. وما عدا منطقة القبائل التي تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات فإن الجهات الأخرى من البلاد لا تبدو عليها مؤشرات مقاطعة الانتخابات، فقد جرت الحملة الانتخابية بشكل عادي في جميع الولايات، وحسب إحصائيات رسمية فقد تم عقد 1600 تجمع خلال أسبوعين.

التوقعات التي جاء بها سبر الآراء المشار إليه تعطي إمكانية الفوز في الانتخابات القادمة لجبهة التحرير الوطني التي ستحصل على نسبة 37.2% من الأصوات، في حين سيحصل التجمع الوطني الديمقراطي على 12.4% فقط من الأصوات. وقدر سبر الآراء حصة الإسلاميين بقرابة الثلث موزعة على كل من حركة مجتمع السلم بـ 14.2% والنهضة 8.9% وحركة الإصلاح 6.7%.

وفي كل الحالات يبدو أن البرلمان القادم لن تكون فيه الأغلبية لحزب بعينه مما يحتم اللجوء إلى حكومة ائتلافية كما هو الشأن بالنسبة للحكومة الحالية، وهو أمر يتطلب تقاربا بين مختلف الأحزاب المشاركة في البرلمان، وقد يكون الاحتفاظ بنفس الفاعلين الأساسيين هو الصيغة النهائية للتحالف القادم.

الأحزاب الكبرى المرشحة لتقاسم أغلبية مقاعد البرلمان القادم لها تجربة سابقة في العمل السياسي المشترك، فكل من التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني وحركة مجتمع السلم وحركة النهضة يشاركون في الحكومة منذ سنوات. ولا يبدو أن هناك خلافات عميقة بينهم حول مسائل سياسية أو اقتصادية حساسة ستحول دون تحالفهم في المستقبل.
_______________
* كاتب جزائري