شهد العديد من الدول العربية في منتصف القرن المنصرم مشاركة فئات المجتمع المختلفة في البناء السياسي والاجتماعي وممارسة السلطة. كما ازداد تأثير وفعالية مؤسسات المجتمع المدني. وذلك في دول مثل مصر وسوريا والعراق والكويت ولبنان وليبيا والأردن والسودان. لكن تغييرات سريعة حلت بالمنطقة العربية عامة بعيد دخولها مرحلة بدأت بالانقلابات العسكرية، وبروز الفكر القومي في أنظمة حكم عربية مستبدة، وانتشار المد الإسلامي واليساري اللذين مثلا المعارضة في بعض الدول العربية. وتشهد المنطقة منذ الخمسينيات انحسارا للديمقراطية واستمرارا للعمل بقوانين الطوارئ وإلغاءً للدستور أو تعليقا لبعض مواده. وصاحب ذلك هزائم عسكرية أمام إسرائيل، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التنمية البشرية.

وتولد عن هذه الظروف والعوامل اندلاع نزاعات داخل المجتمعات العربية، أدت إلى تراجع في البناء المدني للدولة العربية الحديثة، وتنامت حالات انتهاك حقوق الإنسان لتصبح ظاهرة عامة تديرها أنظمة حكم عربية، وتورط العديد من الجماعات الإسلامية، والأحزاب السياسية في استخدام وسائل عنيفة ضد الدولة المستبدة.

برغم الخلاف في وضع مفهوم ومحددات للصراعات الداخلية؛ مثل الصراع السياسي، والطائفي، والديني، فإن الدارس لخريطة النزاعات الداخلية يلاحظ انتشارها في المنطقة العربية، كما أنها تمتد لفترات مبكرة أحيانا كالمسألة الكردية التي اندلعت في العشرينيات من القرن الماضي، وأزمة جنوب السودان المندلعة منذ خمسينيات ذلك القرن فيما عرف بحرب أنانيا الأولى.

وبالنظر إلى الصراعات المستمرة لحد الآن نجد أن أخطرها هي:

غالبا ما تثور تساؤلات تطلب معرفة محركات وعوامل تلك الصراعات سواء أكانت عوامل داخلية -مثل غياب الشرعية عن العديد من أنظمة الحكم العربية، والجمود الثقافي متمثلا في ضعف فهم دور الدين والتاريخ، وغياب الشكل التعاقدي بين الدولة والشعب- أم كانت عوامل خارجية شاركت الحقبة الاستعمارية في إيجادها كالعلاقة الخاطئة بين الأقلية والأغلبية في العديد من المجتمعات العربية، والاضطراب الأمني سواء أكان إقليميا أم دوليا.

ولابد من بحث دور وعلاقة (الدولة) بالصراع، خاصة وهي تهيمن على مقدرات المجتمع السياسية والاقتصادية، وماذا يجب عليها لتهدئة حدة الخصام والفصام بين (المجتمع) و(الدولة). كما يلزم لفهم دور الدولة من تتبع وقائع الصدام والاضطرابات التي حدثت وتحدث في بعض المجتمعات العربية.

وأخيرا، نجد أن أصواتا علت تسأل إلى متى تستمر هذه الصراعات التي أسهمت بشكل أولي وأساسي في مصادرة أكبر للحريات، واستمرار أوضاع اللاأمن، وتراجع معدلات التنمية، وازدياد الهوى بين طبقة تحكم وتستمر في الحكم، وطبقة تجهد ولا ترى وراء الجهد إلا استمرار العناء، فلا تجد أحيانا إلا الثورة طريقا للتعبير عن الذات. فما مستقبل النزاعات في الدول العربية؟.