جانب من الدمار الذي لحق بدار الكتب (الجزيرة)
معاوية الزبير ورانيا الزعبي- بغداد
لا تزال عمليات الحرق والنهب والتدمير التي تعرضت لها هيئات ومؤسسات الفكر والثقافة والتاريخ في العراق خاصة بعد احتلال بغداد، لغزا غامضا تتقاذفه شتى التفسيرات الأيدلوجية والسيكولوجية.

ورغم الحيرة التي انتابت العالم أجمع بمن فيهم العراقيون أنفسهم فإن الثابت الوحيد هو الخسارة الهائلة التي مني بها العراق كحاضرة وتاريخ، ويقال إن هذا الدمار لم يتعرض له هذا البلد حتى عندما استباح المغول بغداد.

وشملت عمليات النهب والتدمير والحرق معظم إن لم يكن جميع مراكز الحضارة والثقافة في العراق، مثل المتحف العراقي الذي يقول المسؤولون إنه فقد نحو مائتي ألف قطعة أثرية، وخسرت مكتبة جامعة الموصل آلاف الوثائق التاريخية وآلاف الكتب التي تشكل عماد التعليم في الجامعة.

وطال الدمار أيضا المكتبة الوطنية ومركز صدام للفنون ودار الكتب والوثائق الوطنية ومكتبة وزارة الأوقاف في بغداد، وغيرها من المراكز المماثلة ودور الثقافة.

دار الوثائق نموذجا

زارت الجزيرة نت عددا من هذه الهيئات والمؤسسات المدمرة، واختارت التوقف عند دار الكتب والوثائق التي تضم وثائق تاريخ العراق في العصر العثماني والاستعمار البريطاني والعهدين الملكي والجمهوري.

وأوجز المدير العام للدائرة بالوكالة تاريخ المؤسسة بالقول إنها تضم دائرتين هما المكتبة الوطنية والمركز الوطني للثقافة.

ويعود تأسيس المكتبة الوطنية إلى العام 1920 في أواخر عهد الاحتلال البريطاني بمبادرة من مجموعة من المؤرخين والعلماء والمثقفين العراقيين الذين كانوا بحاجة إلى مكتبة يتجمعون فيها للتداول والمطالعة، وقاموا بجمع محتويات المكتبة بما جادت بها مكتباتهم وبما جمعوه من كتب نادرة من تبرعات مواطنين آخرين.

وفي العام 1961 تبنت حكومة الرئيس عبد الكريم قاسم هذه المكتبة وأصدرت قانونا بضمها لوزارة المعارف، ومن ثم نمت المكتبة وأصبح لها علاقات مع المكتبات العربية والمنظمة الدولية، وألحقت بعد ذلك إلى وزارة الثقافة والإعلام.

وتأسس المركز الوطني للوثائق عام 1963 بفكرة انبثقت من مجموعة من الأساتذة في بغداد، لدى محاولتهم إيجاد مركز للبحوث والدراسات يكون ملحقا بجامعة بغداد، وقد لاقت هذه الفكرة دعم الحكومة وتأييدها.

إلا أن المركز وبعد توسعه ضم إلى مجلس الوزراء قبل أن يصبح تابعا لوزارة الثقافة والإعلام، ويتميز بنشاطه في الجامعات ودور العلم والهيئات الدولية حيث اكتسب عضوية المجلس الدولي للوثائق في باريس.

ومن أهم الوثائق التي كان يحتويها المركز وثائق الحكم العثماني والاحتلال والانتداب ووثائق العهد الملكي ثم الحكم الوطني والجمهوري، وبلغ عدد هذه الوثائق أكثر من 17 مليون وثيقة.

الخسائر

عراقيات يعملن على ترميم المخطوطات في الدار
بدأ تدمير الدار يوم العاشر من أبريل/ نيسان الماضي بعد يوم واحد من احتلال بغداد وإثر دخول القوات الأميركية لباحة المركز، وقيام عشرات الأشخاص بنهب محتوياته تحت سمع وبصر قوات الاحتلال، ثم اندلع حريق آخر في الدار مباشرة بعد انسحاب القوات الأميركية في الرابع عشر من الشهر نفسه.

وهكذا يلقي التاريخ والسياسة مرة أخرى على عاتق العراقيين مسؤولية إعادة توثيق تاريخ بلدهم العريق، لكن الخوف من أن الأيدي المخربة التي انطلقت بدوافع الانتقام من النظام السابق أو لأسباب أيدلوجية لم تترك هذه المرة للعراقيين الأسس والمراجع التي يحتاجونها للارتكاز عليها لإنجاز هذه المهمة
________________
موفدا الجزيرة نت