توجد خلفيات ودوافع مهمة كانت كفيلة بجعل علاقة العالم العربي بدول آسيا الوسطى أفضل مما هي عليه الآن، لكن الدول العربية لم تستغلها.. فما هذه الخلفيات وتلك الدوافع ولماذا لم يتحقق ذلك؟
 
 

ارتبطت منطقة آسيا الوسطى بالعالم العربي بصلة وثيقة منذ القرن السابع الميلادي حينما فتحها العرب المسلمون وأطلقوا عليها بلاد ما وراء النهر، وتوسعوا فيها مائة عام على عدة مراحل امتدت بين سقوط ميرف عام 651، وتقع حاليا في تركمانستان، إلى الانتصار على الصينيين في موقعة نهر طالاس سنة 751، وهو مكان بالقرب من تنجيز في كزاخستان.
 
ومع أن الدولة العباسية التي آلت إليها السيطرة على المنطقة بعد سقوط الدولة الأموية عام 750م ربطت آسيا الوسطى سياسيا وحضاريا ببغداد، فقد فقدت السيطرة عليها حوالي عام 1000م نتيجة ما اعتراها من ضعف.
 
ورغم هذا بقى للوجود العربي حتى اليوم بعض البقايا الديموغرافية يمثلها نحو 6400 شخص يعرفون بعرب آسيا الوسطى ويعيشون موزعين بين أوزبكستان وطاجيكستان ويتحدث 2077 منهم العربية، ويعرفون الخلفية التي جاؤوا منها وأنهم ينتسبون إلى قريش وشيبان.
 
غير أن أهم ما أبقاه الفتح العربي للمنطقة هو رباط الدين الذي تحول إلى وشيجة ثقافية لا تزال تجلياتها حاضرة إلى اليوم بأكثر من صورة، من بينها آثار بخارى وسمرقند وخيفا وترمذ، التي بات إحياؤها منذ 1991 يشكل جانبا من صراع المنطقة على الهوية.
 
ومع الدين كانت اللغة تقوم بدورها في الربط بين المنطقتين حيث استعمل أهالي آسيا الوسطى الحرف العربي في كتابة لغاتهم حتى العام 1930، إلى أن أجبرتهم موسكو على الانتقال إلى الحرف اللاتيني لفترة وجيزة ثم إلى الأبجدية الروسية في 1940.
 
ولأن الحضور العربي إلى المنطقة لم يكن سريعا أو قويا عند استقلال دولها في 1991، حسم الخلاف بشأن اختيار الحرف اللاتيني أو الحرف العربي لمصلحة الأول، ما تسبب في ضياع فرصة على البلدان العربية لتوظيف الأداة الثقافية بشكل أفضل.


 

آسيا الوسطى وإن لم تكن في تماس جغرافي مباشر مع أي من البلدان العربية فإن جمهورياتها ليست بعيدة عنها بل إن بعضها أقرب إلى بعض الدول العربية من بلدان عربية أخرى.
 

"
التوسع الإسرائيلي الجاري في تلك المنطقة يعتمد سياسة "شد الأطراف" التي تقوم على التمدد في آسيا الوسطى والمناطق المحيطة بالعالم العربي من أجل الضغط عليه وتحجيم حركته
"

فالمسافة بين مسقط والرياض (1213كلم) لا تقل عن المسافة بين مسقط والعاصمة التركمانية عشق أباد (1593 كلم) إلا بمقدار 380 كلم. 
 
كما أن المسافة بين الدوحة والعاصمة الأوزبكية طشقند (2411 كم) تقل عن نصف المسافة بين الدوحة والدار البيضاء (5748 كلم).
 
ولا تعود الأهمية الإستراتيجية لآسيا الوسطى للعالم العربي إلى قرب موقعها فقط وإنما أيضا إلى طبيعته، فهذه المنطقة البالغ مساحة دولها مجتمعةً 3.994.400 كلم2 بما يوازي 29.5% من مساحة الدول العربية مجتمعة، تعد من أكبر المناطق الحبيسة في العالم.
 
فهي جزء من منطقة أكبر أسماها الجغرافي الإنجليزي الشهير هالفورد ماكيندر في 1902 "قلب العالم"، وتتكون من كتلة هائلة من اليابسة في آسيا وأوروبا تبلغ مساحتها 21 مليون ميل مربع لا تتمتع بمنافذ إلى البحار والمحيطات، لكنها تستأثر بثروة هائلة من الموارد كما خرج منها عبر التاريخ موجات من الغزاة، ما يجعلها دائماً محورا للسياسة والأمن العالميين، فمن يسيطر عليها يسيطر على العالم.
 
وبسبب تلك الأهمية اعتبر البعض آسيا الوسطى أشبه بثقب العالم الذي يشد إليه إمبراطوريات وقوى كبرى إما طمعا في الموارد أو تحسبا للمخاطر.
 
وفي حالة العالم العربي فإن آسيا الوسطى تشده إليها مخاطر من بينها الإسلام الراديكالي وما أنشأه في العقدين الأخيرين من علاقات عبر إقليمية جعلت الأمن العربي يبدأ من عند حدود تلك المنطقة الهامة.
 
كما أن التوسع الإسرائيلي الجاري في تلك المنطقة يعتمد سياسة "شد الأطراف" التي تقوم على التمدد في آسيا الوسطى والمناطق المحيطة بالعالم العربي من أجل الضغط عليه وتحجيم حركته.
 

"
الدوافع الاقتصادية تكفي وحدها لتنشيط العلاقات العربية مع جمهوريات المنطقة التي تمثل سوقا ناشئا يتجاوز عدد سكانه 55 مليون نسمة يمثلون قوى استهلاكية جديدة تغري المصدرين الباحثين عن الفرص والأرباح

"

أما الخلفية الاقتصادية فتكفي وحدها دافعا لتنشيط العلاقات العربية مع جمهوريات المنطقة التي تمثل سوقا ناشئا يتجاوز عدد سكانه 55 مليون نسمة يمثلون قوى استهلاكية جديدة تغري المصدرين الباحثين عن الفرص والأرباح.
 
كما تملك دولها ثروة من موارد الطاقة تقدر بـ40 إلى 60 بليون برميل من النفط و205 بلايين قدم مكعب من الغاز الطبيعي ما يجعلها من الوجوه الجديدة في إنتاج الطاقة، من مصلحة الدول العربية التنسيق معها خاصةً مع كل من كزاخستان وتركمانستان صاحبتا الكميات الأوفر من تلك الثروة. إلى جانب ذلك توفر المنطقة فرصا استثمارية واعدة. فدولة واحدة هي كزاخستان تملك 20% من مساحة الأراضي المزروعة و60% من المصادر المعدنية الموجودة في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق.
 
 
ثم تبرز الخلفية السياسية عاملا آخر يفترض أن يقرب بين المنطقتين حيث تسيطر على دولهما نخب سلطوية تتشارك في كثير من تصوراتها السياسية خاصة إمكانية مقايضة المواقع الإستراتيجية الهامة لبلدانها بسكوت الغرب عن مسألة نشر الديمقراطية.
 
فكما يتحكم العالم العربي في نقاط مفصلية تربط قارات العالم القديم، فإن آسيا الوسطى هي قلب العالم وصرة طريق الحرير الذي يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب. ومع أن التشابه في الميول السلطوية يعد معيبا من منظور القيم فإنه يخلق من منظور السياسة مناخا نفسيا وفكريا يؤهل النخب في المنطقتين لتطوير ما بينهما من صلات.    
_______________