المنتدى الخليجي حول العمالة الوافدة- أبو ظبي (الجزيرة نت)

د. نادر فرجاني

هذا ليس مقالا معاديا لعمل الآسيويين في البلدان العربية الخليجية أو في البلدان العربية عامة. من ناحية، العمال الأجانب في أي بلد عربي بشر لهم حقوق، كبشر وكعمال، تقرها مواثيق واتفاقيات دولية وقعت عليها الدول العربية وواجب عليها احترامها. ومن ناحية أخرى، أسهمت العمالة الآسيوية بجهد مشهود له في تشييد البنية الأساسية وإقامة مقومات دولة الرعاية في البلدان العربية الخليجية يوجب الاعتراف بفضلهم هذا.

وكم من بلد متقدم قام على إفادة العمالة من خارجه في حقب معينة، أو قام أصلا على استقدام سكانه المستقبليين من خارجه، ولكن في الحالين انتهجت بلدان الاستقبال سياسات رشيدة تعظم من العائد المجتمعي المترتب على استقدام العملة أو السكان من الخارج وتقلل من مضاره قدر الإمكان.

وأتوقف في هذا المقال عند بعض من أبرز مضار تضخم العمالة الآسيوية، فأبدأ بالثقافة وأنتهي بالسياسة، مرورا بالاقتصاد.

العمالة الوافدة والهوية
العمالة الآسيوية والتكامل العربي
الأضرار السياسية المتوقعة

الثقافة: العمالة الوافدة والهوية

"
تعاني البلدان العربية الخليجية إفسادا مزدوجا، فهي ليست بناجية من الأمركة الفجة وغلبة الثقافة المنحطة ، بل لعل عوامل السياسة والثراء تزيد من مغبتهما، كما يضاف إليهما أيضا التخليط الآسيوي
"

يتمثل الضرر الأكبر في النيل من الهوية العربية في البلدان العربية الخليجية، ولعل أبرز معالم ذلك الضرر هو إفساد اللغة العربية في بلدان الاستقبال التي يرتفع فيها نصيب الآسيويين من قوة العمل إلى حدود الغالبية أو أكثر، خاصة في القطاع الخاص، ومن ثم يمثلون قسما كبيرا من السكان، حتى ليبدو أن أهل البلد قد صاروا أقلية في أحيان.

في مثل هذه الحالات تنتشر لا محالة مفردات من اللغات الآسيوية إلى درجة تتوارى فيها مفردات اللغة العربية. والواقع أن هذا الافتئات على الهوية العربية يتجاوز مسخ اللغة العربية إلى تكوين هوية هجين تتسرب فيها مفردات ثقافات الوافدين إلى ثقافة بلد الاستقبال تسهم في تشكيل وجدان الأجيال الأصغر من مواطنيه، خاصة مع استشراء توظيف عمال الخدمة المنزلية والمربيات من الأجانب في البيوت.

ونسارع إلى القول إن الضرر المشار إليه هنا ليس تعبيرا عن انكفاء على الذات أو تعلق عاطفي بلغة الأهل أو تقاليدهم. فاللغة الأم هي معين الهوية، وهي طريق اكتساب المعرفة والمهارات، وهي من ثم السبيل الأفضل لترقية الإنتاجية والإبداع، بما يوجب العمل الجاد على الحفاظ عليها والنهوض بها. ورغم أن قيام نهضة في الوطن العربي يستلزم الانفتاح على، بل والتلاقح مع، الثقافات البشرية في العالم أجمع، إلا أن الفائدة المرتجاة من هذا التوجه تتطلب حصانة الثقافة الأم، وعنوانها اللغة والقيم، والانتقاء الواعي من الثقافات الأخرى بما يعظم من الرصيد الثقافي للنهضة.

وبينما تتعرض البلدان العربية الأخرى لإفساد اللغة العربية من خلال تسرب الألفاظ الأعجمية عبر الأمركة الفجة التي غزتها تحت عباءة العولمة، وأشكال "الثقافة" المنحطة التي سادت البلدان العربية مؤخرا. إلا أن الفارق في حالة البلدان العربية الخليجية أنها تعاني إفسادا مزدوجا، فهي ليست بناجية من الأمركة الفجة وغلبة الثقافة المنحطة، بل لعل عوامل السياسة والثراء تزيد من مغبتهما، كما يضاف إليهما أيضا التخليط الآسيوي.

ولا تتوقف مغبة التخليط اللغوي والثقافي في البلدان العربية الخليجية على محيطها الجغرافي، إذ تنتقل هذه السوءات إلى بقية البلدان العربية عبر آليات متعددة مثل العمالة العربية الوافدة إلى البلدان العربية الخليجية وأشكال التواصل الثقافي القائمة عبر الوطن العربي، ربما يكون أخطرها القنوات الفضائية الهابطة التي استشرت، وكثير منها خليجي المنشأ أو الهوى.

وكثيرا ما تثار الشكوى من ارتكاب العمالة الآسيوية في البلدان العربية الخليجية لجرائم ما كانت معهودة في هذه البلدان. وأرى في تلك الشكوى غبنا وافتراء. فالسلوك غير القويم والإجرامي قائم في جميع المجتمعات البشرية، ولكن انحراف المواطنين خاصة في مواجهة الوافدين لا سيما الأجانب منهم عادة ما يفلت من الإبلاغ ناهيك عن العقاب.

وكلمة الحق هنا أن ضروب سوء المعاملة التي يتعرض لها العمال الآسيويون في بلدن الاستقبال العربية، حتى من قبل أجهزة الإدارة خاصة الشرطة لهي وصمة عار تحيق ببلدان الاستقبال، وبالعرب جميعا في الواقع.

وإساءة المعاملة الجسدية والنفسية للعمالة الآسيوية الوافدة من النساء خاصة أمر صار مشهورا وتعبيرا صارخا عن قلة احترام لحقوق الإنسان تدمغ مجتمعات الاستقبال. ويقيني أن الضرر المجتمعي الأسوأ هنا يتمثل في تأسيس ذهنية انتهاك حقوق المستضعفين، وهو داء عضال يحيق بأي مجتمع. ولا يمكن اعتباره ضررا مباشرا لاستقدام العمالة الآسيوية إلا في منظور تسهيل تبني أنماط التعامل التمييزية مع هذه العمالة في بلدان الاستقبال على أنهم دون المواطنين مكانة، وهو أمر لا يليق إنسانيا في مجتمع متحضر.

الاقتصاد: العمالة الآسيوية والتكامل العربي

"
الاتجاه في استقدام لعمالة الوافدة في البلدان العربية الخليجية عبر الزمن، تمثل، من أسف، في زيادة تفضيل العمالة الآسيوية على العربية
"
وفي مضمار الاقتصاد يشكو البعض من أن العمالة الآسيوية تستنضب قسما من أموال بلدان الاستقبال عن طريق تحويلات العمال الوافدين إليها لبلدان المنشأ. وهذا صحيح بالطبع، ولكنني لا أرى مبررا للاحتجاج عليه، فتحويل العمالة الوافدة لقسم من دخلها حق تضمنه المواثيق والمعاهدات الدولية وهو أمر مشروع إنسانيا قبل كل شيء، ناهيك عن الثقافة الأصيلة التي توجب إعطاء الأجير حقه قبل أن يجف عرقه.

كما أن المعروف أن العمال الآسيويين، خاصة من ذوي المهارات المتواضعة، يحصلون على أجور متدنية بالمعايير السائدة في بلدان التشغيل. ولا يجب الاعتداد كذلك بأي ادعاء بأن العمالة الآسيوية، في مجملها كسولة أو قليلة الإنتاجية، فجماع المعرفة المتاحة أن أصحاب الأعمال يفضلون العمالة الآسيوية على نظيرتها العربية لأنها أسلس قيادا وأشد انصياعا لأرباب الأعمال.

غير أنه من المشروع في نظري القول بأن أساليب التعامل مع العمالة الوافدة في البلدان العربية الخليجية، الآسيوية والعربية، وعلى وجه الخصوص العربية، لا تتسق مع تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة من هذا القسم الكبير، وفي أحيان الأكبر، من قوة العمل الكلية. فحيث تتمثل هذه الأساليب أساسا في عزل العمالة الوافدة اجتماعيا قدر الطاقة، وضعف عائدها من العمل، أجرا ومزايا أخرى، لهم ولمعوليهم إن تمكنوا من اصطحابهم، مقارنة بنظرائهم من المواطنين، وبالتهميش والوجود المؤقت وفق رغبة أصحاب الأعمال ودولة الاستقبال، وهي كلها توجهات تفاقمت بمرور الزمن واستفحلت مؤخرا. مجمل هذه العوامل ينشئ شعورا بالغربة وقلة الانتماء، ولا يحفز العامل الوافد على العمل بأعلى إنتاجية ممكنة.

مرة أخرى، يكمن الضرر الحقيقي هنا في تكريس ذهنية الاستعلاء على المستضعفين في قوة العمل والمجتمع، والتي لا يتوقف تأثيرها المخرب للكفاءة الإنتاجية وللسلم الاجتماعي على الوافدين من قوة العمل والسكان في البلدان العربية الخليجية.

وقد يتراءى للبعض أن أي فرصة عمل يحصل عليها آسيوي في بلد عربي خليجي هي فرصة عمل أضاعها المواطن، وتزاد أهمية هذا الضرر المتصور على خلفية وجود بطالة بين المواطنين في بلدان الاستقبال. ولكن هذا الضرر افتراضي إلى حد كبير، فالمواطنون لا يقبلون على المهن والأعمال التي يقوم بها الآسيويون في البلدان العربية الخليجية، كما يفضل أصحاب العمال في القطاع الخاص الآسيويين للأسباب التي سبقت الإشارة لها فيما يتصل بالعمالة العربية عامة.

وهنا يصح القول إن أي فرصة عمل يحصل عليها آسيوي في بلد عربي خليجي هي فرصة عمل تم تفويتها بالنسبة لمواطن عربي، والبطالة مستشرية في عموم البلدان العربية، واستقدام العمالة العربية يمكن بلا شك أن يحد من بعض مضار العمالة الآسيوية.

فالمؤكد، على الأقل نظريا، أن قيام سوق عمل كفؤ على صعيد الوطن العربي بكامله، كفيل بالوفاء بحاجات البلدان العربية الخليجية من العمالة الوافدة. وقد يقتضي الأمر جهدا عربيا في مضمار التدريب لضمان تحقق ذلك الإمكان النظري. ولكن الاتجاه في استقدام العمالة الوافدة في البلدان العربية الخليجية عبر الزمن، تمثل، من أسف، في زيادة تفضيل العمالة الآسيوية على العربية.

هنا يمكن القول إن ضرر التضخم في استيفاد العمالة الآسيوية في البلدان العربية الخليجية يتعدى بلدان الاستقبال إلى الإضرار بفرصة مهمة للتكامل العربي وبالتنمية في عموم الوطن العربي.

الأضرار السياسية المتوقعة

في المنظور المجتمعي- السياسي يمكن الإشارة إلى ضررين محتملين يرجعان لكون الآسيويين أقلية مهمة، وفي أحيان أكثرية، في قوة العمل ونسبة لا يستهان بها من السكان، وإلى أن غالبيتهم ينتمون لشبه القارة الهندية، على خلفية الصعود المطرد للهند في هيكل القوة العالمي والمعاملة التمييزية التي يتعرض لها العمال الآسيويون في البلدان العربية الخليجية. ويزداد احتمال هذين الضررين وخطورة وقعهما، باستمرار تضخم استيفاد العمالة الآسيوية في البلدان العربية الخليجية.

الضرر الأول هو تصاعد التوتر بين الجاليات الوافدة من الآسيويين من جانب والمواطنين والمجتمع عامة، من جانب آخر، والذي يمكن أن يأخذ شكل الإضرابات والاحتجاجات العمالية التي شهدنا مقدمات لها في الشهور القليلة الماضية في أكثر من بلد خليجي، وقد تتصاعد لتأخذ أشكالا أشد من الاحتجاج الأوسع نطاقا.

أما الضرر الثاني والأبلغ فقد يترتب على المطالبة بأصناف من الحقوق التي ترتبها الاتفاقيات والمواثيق الدولية للعمالة المهاجرة تبدأ من أمور مشروعة مثل المساواة في عوائد ومميزات العمل، وحق المشاركة في الحكم، على الأقل على المستوى المحلي. وقد تنتهي، في ظروف معينة، بالمطالبة بحق تقرير المصير.
__________
جامعي وكاتب مصري ورئيس فريق إعداد تقرير التنمية البشرية العربي

شارك برأيك