"عراق ديمقراطي مزدهر تحتذي به المنطقة العربية" ذلك من الطموحات المعلنة والشعارات التي رفعت في الحرب على العراق وأثناءها وبعد السيطرة عليه، واليوم بعد مضي خمس سنوات على سقوط بغداد يكبر السؤال الذي طرح تكرارا ومرارا وعند كل ذكرى سنوية تمر على سقوط بغداد:
 
"أين أصبح الإصلاح السياسي للنظام العراقي الجديد؟"
 

الحياة الحزبية

قبل سقوط بغداد في 9 أبريل/ نيسان 2003 كان يحكم العراق بنظام الحزب الواحد حزب البعث العربي الاشتراكي، وكانت السلطة مركزة بيد مجلس الثورة وتحديدا بيد رئيس الجمهورية الراحل صدام حسين.

وأصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة بعد استلامها السلطة قانونا مؤقتا للأحزاب (الأمر رقم 97) تمهيدا لأول انتخابات ستجرى في البلاد، لهذا أطلق اسم "الكيان السياسي" على أي تجمع من عدة أشخاص أو على شخص واحد "بمفرده ينوي ترشيح نفسه لانتخابه في منصب عام"، واشترطت عدم وجود أي علاقة بين هذا الكيان والمليشيات، واشترطت كذلك "حصول ذلك الشخص على المصادقة الرسمية ككيان سياسي من قبل المفوضية" الخاضعة لسلطة الائتلاف آنذاك.

وكانت سلطة الائتلاف قد حلت حزب البعث فور استلامها السلطة بموجب الأمر رقم 2 ثم أتبعته بقانون آخر صدر في 16 أبريل/ نيسان 2003 بتأسيس هيئة لاجتثاث هيكل حزب البعث في العراق "وإزالة قيادته في مواقع السلطة".

وبعد استكمال الانتخابات وبقية هياكل السلطة العراقية وإلغاء كل الإجراءات الانتقالية السابقة ومفاعيلها نص الدستور العراقي الدائم في المادة 39 منه على "حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية أو الانضمام إليها".

ولكنه نص أيضا في المادة السابعة في مشابهة لما أقرته سلطة الائتلاف سابقا على حظر "كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، خاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون".

وفي نفس الاتجاه أكد الدستور في الفصل الثاني منه الأحكام الانتقالية، المادة 135، على مواصلة "الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث أعمالها بوصفها هيئة مستقلة". واشترط حلها في البرلمان بأغلبية مطلقة، والجدير بالذكر أنه قد أجريت تعديلات على "قانون اجتثاث البعث" لاحقا من خلال قانون المساءلة والعدالة.

ولم يصدر حتى اللحظة قانون أحزاب عراقي جديد، كما أنه لم يطرأ من الناحية الإجرائية والعملية أي تغيير يذكر فيما خص الأحزاب السياسية وبرامجها التي قامت منذ سقوط بغداد.

ورغم أن الدستور العراقي يحظر الكيانات السياسية الطائفية فإن الأحزاب العراقية الفاعلة والمتحكمة بالسلطة مقسمة في جلها على أساس طائفي، فقائمة الائتلاف العراقي الموحد ويطلق عليها أحيانا القائمة الشيعية كان على رأسها أبرز حزبين شيعيين، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والتيار الصدري الذي انسحب لاحقا من الائتلاف، فيما أن قائمة جبهة التوافق العراقية يقف على رأسها الحزب الإسلامي وهو سني، وظهر لاحقا تيار الصحوة بوصفه بديلا أو شريكا في الجمهور السني لجبهة التوافق.

الانتخابات

توجه العراقيون لصناديق الاقتراع مرتين منذ سقوط بغداد لانتخاب السلطة التشريعية للبلاد، تنفيذا للجدول الزمني الذي تضمنه قانون الدولة للمرحلة الانتقالية الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر.

الانتخابات الأولى
وجرت الانتخابات التشريعية الأولى في 30 يناير/ كانون الثاني 2005، وقاطعها السنة بنسبة كبيرة جدا، بوصفها تضفي الشرعية على الاحتلال ونتائجه، ولأنها تجري في ظله، فيما شارك فيها آخرون خاصة الشيعة والكرد بوصفها أول انتخابات حرة تجرى بعيدا عن "النظام الدكتاتوري السابق".

وكان الهدف منها انتخاب مجلس رئاسي لإدارة البلاد مؤقتا وإقرار دستور دائم للبلاد، والتمهيد لانتخابات طبيعية لمجلس نيابي منتظم  قبل نهاية العام 2005، وذلك كله للخروج من مرحلة عدم الشرعية لمجلس الحكم الانتقالي المعين فعليا من قبل الاحتلال.

وفضلا عن المقاطعين لمبدأ الانتخاب نفسه تعرض قانون الانتخاب للنقد وبأنه لا يراعي التمثيل الصحيح، ومن أبرز ما أخذ على القانون:

1- منطقة انتخابية واحدة
اعتماده العراق منطقة انتخابية واحدة، أي عدم تخصيص مقاعد للمحافظات أو للمدن ما يعني أن بعض المدن أو المحافظات قد تحظى بعدد نواب أكثر من غيرها، وقد تحرم أخرى من أي تمثيل نيابي لها.

2- التمثيل النسبي
اعتماده نظام التمثيل النسبي بنظام القائمة المغلقة، فبهذا يصوت المصوت للائحة كما هي وبنفس الترتيب الذي وضعه أصحابها، فلا يحق له أن يعيد ترتيب اللائحة أو أن يختار بعضها، وفي حال فوز اللائحة بخمسة مقاعد مثلا فإن الأسماء الخمسة الأولى تكون هي الفائزة، وهذا لا يعبر عن إرادة الناخب في تعيين أو تفضيل من يريد ونفي من لا يريد.

الانتخابات الثانية
وجرت الانتخابات الثانية في 15 ديسمبر/ كانون الأول، بعد إدخال تعديلات على قانون الانتخابات حيث قسمت مقاعد البرلمان (275 مقعدا) إلى قسمين:

القسم الأول منها:
ويضم 230 مقعدا توزع على المحافظات بعدد ثابت يتناسب مع تعداد سكانها بغض النظر عن نسبة الإقبال فيها على الانتخابات، وذلك لتأكيد تمثيل المحافظات ولتمثيل أكبر للسنة الذين قل عددهم في البرلمان السابق نتيجة المقاطعة.

القسم الثاني:
وعدد مقاعده 45 مقعدا تعويضيا، وهذه المقاعد جاءت حرصا لتمثيل الأقليات التي لا تحظى بأي أغلبية في المحافظات، ولانتشارها الجغرافي على أكثر من محافظة.

ولكن من جهة أخرى أبقى القانون الجديد على نظام القائمة المغلقة التي لا تعطي الناخب خيار المفاضلة بين المرشحين.

مآخذ
ومن أهم ما يؤخذ على هذه الانتخابات وعلى المسار السياسي العراقي عامة أنها جاءت بعد استفتاء على دستور تعرض للطعن من مكون عراقي أساسي، حيث صوت السنة بكثافة ضده وأقر بأغلبية بسيطة، وتم وضعه حسب المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات من قبل الشيعة والكرد فقط.

كما أنه لا توجد ضمانات بعدم تغير قانون الانتخاب قبل كل عملية انتخابية مقبلة، في ظل حالة عدم الاستقرار المهيمنة على الحياة السياسية، ولا يستبعد بعد خروج القوات الأجنبية من البلاد أن تتجدد الدعوات للتغيير بذريعة أن القانون الحالي كان في ظل "المحتل".

التداول

افتقر العراق الحديث لأدنى تاريخ لتبادل السلطة، حيث شهد في نصف القرن الأخير ثلاثة انقلابات عسكرية، ختمت بنظام حكم الحزب الواحد (البعث) وحكم الشخص الواحد (صدام حسين) لما يقرب من 24 عاما.

وبسقوط نظام البعث بيد الأميركيين افتتح عهد جديد وعد القائمون عليه بعراق مزدهر، يمنع احتكار أو تأبيد السلطة بيد جهة، وضمنوا الدستور الدائم لهذه الغاية -المادة 6- وتنص على أن "يتم تداول السلطة سلميا، عبر الوسائل الديمقراطية".

وحددوا في المادة (56) الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنوات، أما رئيس الجمهورية فمدة ولايته أربع سنوات تجدد لمرة واحدة (المادة 72)، ورئاسة الحكومة تحدد على يد الكتلة النيابية الأكثر عددا. 

فالنص الدستوري يشير إلى الحرص على تداول السلطة، لكن الواقع أظهر معضلات حالت دون تحقيق هذا الهدف، من أهمها تفشي الطائفية والإثنية السياسية، وظهور طبقة سياسية جديدة تستأثر بالحكم وتقتسم ثرواته.

الطائفية والإثنية
فسلطة الائتلاف الموحدة دشنت مسارا طائفيا وإثنيا في اقتسام السلطة، حيث قامت السلطة المذكورة  في 12 يوليو/ تموز 2003 بتأسيس مجلس للحكم مكون من 25 عضوا على أساس طائفي وإثني، على أن يحكم كل منهم شهرا كاملا حسب الترتيب الأبجدي. واستمر التوزيع الطائفي والإثني مع كل الحكومات العراقية التالية إضافة إلى رئاسة الجمهورية والمناصب البرلمانية.

وهذه القسمة كونها تكررت خاصة بعد انتظام المؤسسات الدستورية العراقية بعد الانتخابات الأخيرة (15 ديسمبر/ كانون الأول) فإنها تؤشر إلى أن هناك اتجاها لتأبيد القسمة الطائفية، ما يعرقل إرساء نظام سليم لتداول السلطة.

كما أن اعتماد النظام البرلماني الحالي سينشئ أعرافا قد تصبح جزءا من نص الدستور أو تتجاوزه، حيث إن البرلمان هو الذي يختار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس المجلس ونوابهم، ما يسمح للمجلس بإتمام صفقات لتوزيع المناصب طائفيا وإثنيا كما هو الواقع، وهذا يضع العراق أمام نموذج شبيه بلبنان.

حكم الطبقة
ويلاحظ من جهة أخرى أن الأطراف العراقية الرئيسية التي تناوبت على الحكم تقريبا منذ سقوط بغداد حتى الآن هي نفسها، بل أحيانا قد تتكرر الشخصيات وإن تغيرت مواقعها، ما ينذر بأن الطبقة السياسية الحاكمة حاليا ستحتفظ بالسلطة لمدة قد تطول.

وسيساعد على ذلك طبيعة النظام البرلماني العراقي المشار إليه سابقا، الذي يسمح بالصفقات بين نواب هذه الطبقة، التي يتجدد وجودها في الحكم بوصفها الممثل الطائفي والإثني على الطريقة العشائرية لفئات الشعب.

وهو ما أشارت إلى مثله المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات حيث تحدثت عن "بروز طبقة من السياسيين غالبيتهم من المنفيين والمهاجرين السابقين"، وقالت بأن هؤلاء "ليس لديهم شرعية تذكر في أوساط العراقيين العاديين" وأنهم تعاملوا مع موارد البلد "باعتبارها حقا لأحزابهم أو أشخاصهم.. ما شجع ظهور نظام سياسي ذي قاعدة مجتمعية أدى إلى حدوث استقطابات في البلاد".

العلاقة بين السلطات

حدد الدستور العراقي صلاحيات كل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحتى الآن لم تختبر فعليا علاقة السلطات على هذا المستوى بعضها مع بعض، ربما لأن التجربة لا زالت في بداياتها ولأن البلاد لا تزال تعيش أزمة بناء النظام لا تطبيقه ومراجعته.

ففيما يخص بناء النظام هناك "تخوف" من وجود سلطة مركزية قد تتحكم ببعض مكونات الشعب العراقي، كما حصل مع النظام السابق المتهم بالإساءة للشيعة والكرد. 

لهذا نصت المادة الأولى من الدستور على أن العراق "دولة اتحادية"، ونصت المادة 116 على أن النظام الاتحادي يتكون من "عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية".

وانعكس هذا التخوف سهولة في تكوين الأقاليم، فحسب المادة 119 يحق لكل محافظة أو أكثر أن تطلب استفتاء على تكوين "إقليم" بطلب من ثلث أعضاء مجلس كل محافظة، أو عشر ناخبي كل واحدة منها. وأناطت المادة 118 تحديد الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الاقاليم بمجلس النواب، وبأغلبية بسيطة ممن حضر من النواب.

وفي السياق أقر الدستور الوضع القائم في كردستان إقليما اتحاديا قائما بذاته.

ورافق هذه العجلة في إقرار القوانين المنظمة للأقاليم الاتحادية تصاعد في النزاعات الطائفية والإثنية، ما قد يؤجج الخلافات على صلاحيات وسلطات كل إقليم من الأقاليم، بل ربما على صلاحيات كل محافظة وإدارة.

وبوادر هذا المنحى ظهرت راهنا في الخلافات الموجودة بين الحكومة العراقية المركزية وإقليم كردستان حول حدود الإقليم وتحديدا حول ملكية مدينة كركوك الغنية بالنفط، وحول طريقة توزيع الثروة، فضلا عن قضايا اقتصادية وسياسية أخرى.

وحتى الآن لم تنشأ المحكمة الاتحادية لفض الخلاف التي تنشأ عن الكيان الاتحادي، ونصوص الدستور بحدها الأدنى قابلة للتفسير باتجاهات متناقضة.

فالبند الثاني من المادة 13 يقول إنه "لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع هذا الدستور، ويعد باطلا كل نص يرد في دساتير الاقاليم، أو أي نص قانوني آخر يتعارض معه".

ولكن من جهة أخرى تقول المادة 121، إنه "يحق لسلطة الإقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم، في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم، بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية".

ومن يرد لن يعدم تفسيرا يعطي الغلبة عند التنازع للإقليم على حساب المركز، ما يعني أن التصارع بين الأقاليم لن يضبطه القانون الاتحادي، وحتى الآن لا يوجد محكمة اتحادية عليا يحتكم إليها، كما ينص الدستور في المادة 92 و93 و94، بل كيف ستحكم إذا كانت نصوص القوانين الاتحادية نفسها قابلة للنقض أو الإهمال.

وفضلا عما سبق فإن أحد أسباب تصويت السنة ضد الدستور الدائم هو ما يتعلق بالقوانين آنفة الذكر، التي ظهرت كأنها لصالح الشيعة والكرد دون السنة، وإذا أضيف إليه ما سبق من ذكر للخلافات مع الكرد فيمكن القول إن العراق يشهد تنازعا بين مكوناته على السلطة لا بين سلطاته بوصفها الدستوري فحسب.

الحريات والأمن

قد يقال إن الحديث عن حفظ هذه الحريات في الواقع العراقي أمر غير ممكن حاليا بسبب حالة العنف التي يعيشها منذ سقوط بغداد عام 2003، حيث إن الأمن الفردي والجماعي مفقود، وبالتالي فإن الحديث عن تحقق الحريات هو حديث ترف.

ولكن هذا لا يمنع من التحقق من النص القانوني وكيفية تعامل النظام الجديد معه، إضافة إلى التطرق للحالة الأمنية.

وبالعودة للنص القانوني فقد حفظ الدستور العراقي الدائم والجديد الحريات العامة في مواد قانونية عدة، منها المادة 15، ونصها "لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية"، والمادة 19 التي أقرت باستقلال القضاء وخضوعه للقانون، والمادة 38 التي نصت على "حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل" وعلى "حرية الاجتماع والتظاهر السلمي" وأنها "تنظم بقانون".

خضوع القانون للسياسة
من الواضح أن النصوص القانونية العراقية عامة لم تتعرض لتغيير كبير، وأن الحديث تركز في العهد الجديد عن تحرر الشعب العراقي من وجود حكم مركزي يخضع النص القانوني والقرار القضائي لمصالحه، والمقصود بالحكم المركزي مجلس قيادة الثورة وحزب البعث، وكان يقودهما الرئيس الراحل صدام حسين.

والمفارقة أن هذه الشكوى تتكرر اليوم من وجود قوى نافذة في الحكم تتسم بالطائفية، تتحكم بالنص القانوني وبالقرار القضائي وفق مصالحها، فضلا عن طموحاتها ومخاوفها الخاصة التي جعلت منها قوانين عامة، إضافة إلى تصرفاتها الخارجة عن القانون.

واستدلت منظمات حقوقية عربية وغير عربية على خضوع القضاء لإرادة السياسيين من خلال الظروف التي أحاطت بمحاكمة وإعدام كل من الرئيس الراحل صدام حسين وأخيه غير الشقيق برزان التكريتي وعواد البندر وسواهم، وهذا فضلا عن السجون غير الخاضعة للقضاء والقانون مثل سجن أبو غريب الشهير الخاضع للقوات الأميركية، وسجون وزارة الداخلية العراقية السرية التي كشف عن بعضها في مناسبات سابقة.

أما القتل في العراقيين فقد بلغ حدا خطيرا حتى إن أحد المعاهد البريطانية المختصة في صيف 2007 كان قد قدر عدد القتلى العراقيين بسبب الحرب بما يقرب من مليون و200 ألف عراقي.

الحريات والإعلام

نصت المادة 38 من الدستور على "حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل" وعلى "حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر" وأنها "تنظم بقانون".

ومن الناحية الواقعية استحدثت عشرات الوسائل الإعلامية والصحفية بعد سقوط بغداد ومنذ بدء العهد الجديد الحاكم في العراق، ولكن يؤخذ على أغلبها طابعها الطائفي وعلى بعضها الآخر عدم تعبيرها عن الفئات المناهضة للأسس التي قام عليها النظام الحالي، مثل اعتبار الوجود الأجنبي احتلال، وأن العمليات العسكرية ضده مقاومة، وأن حزب البعث بغض النظر عن حكم صدام له حق التعبير عن نفسه، وما إلى ذلك من قضايا مشابهة.

غياب القانون الخاص بالإعلام
ورغم أن هناك ورشة إعادة بناء للنص القانوني المنظم للحريات عامة والجانب الإعلامي خاصة، فإن النصوص الدستورية المتعلقة بالحريات الصحفية، لا سيما المادة 38 لم تستكمل حتى الآن بإصدار قوانين منظمة متكاملة حيث لم يصدر قانون خاص بالإعلام إلا ما سبق من قوانين كانت سارية في العهد السابق (عهد صدام حسين) إضافة إلى ما لحقها من تعديلات أو إضافات من قبل سلطة الائتلاف المؤقتة وهي الأكثر أثرا.

من ذلك ما أصدرته سلطة الائتلاف بالأمر رقم 14 الذي لا يزال ساريا ويحظر التحريض الإعلامي على العنف أو على الإخلال بالنظام المدني، أو الدعوة لعودة حزب البعث إلى السلطة، وأعطى "المدير الإداري" بول بريمر حينها الحرية في التفتيش للمؤسسات الإعلامية وحظرها، ومصادرة "مواد محظورة" إذا قدرها كذلك.

وأعطى المؤسسات المتضررة حق التقدم بالطعن ولكن ليس إلى القضاء بل إلى "المدير الإداري" نفسه. ويسمح الأمر إياه كذلك بـ"احتجاز أو إلقاء القبض" على أي مسؤول إعلامي ينشر أو يحاول أن ينشر "مواد محظورة".

وفي محاولة لتنظيم الإعلام الإذاعي والفضائي أصدرت أيضا سلطة الائتلاف الأمر 65 الذي تضمن إنشاء هيئة أنيط بها رعاية المصلحة العامة من الوجهة الإعلامية وفوض لها مهمة منح التراخيص لوسائل الإعلام باستثناء الصحف، لأن إصدارها لا يحتاج لموافقة وأعطاها حق إصدار العقوبات المناسبة للمؤسسات المخالفة.

كما أن الدستور الدائم لاحظ متابعة وجود هذه الهيئة من خلال المادة 103 التي نصت على أن "هيئة الإعلام والاتصالات" هيئة مستقلة ماليا وإداريا وأنها مسؤولة أمام مجلس النواب.

ومن الناحية العملية فإن تعدد مصادر وظروف هذه القوانين وعدم تكاملها أعطى السلطات التنفيذية والأمنية والقضائية صلاحيات استنسابية واسعة في تفسير القوانين، وهذا فضلا عن القرارات الجهوية التي تصدر عن الأقاليم والمحافظات وتعلو واقعيا فوق كل قانون آخر.

الأمن المفقود
كما أن الحالة الأمنية التي يعيشها العراق سمحت للقوى الأمنية وللقوى المتعددة الجنسيات وللمسلحين بالحرية في النيل من الحريات الصحفية والإعلامية، حتى اعتبرته لجنة حماية الصحافيين البند الأكثر خطورة على الصحفيين للعام الخامس على التوالي، وسجلت فيه أعلى نسبة من الخسائر في أرواح العاملين في الحقل الصحفي والإعلامي، حيث بلغت حصيلة هذه الحرب حتى الآن 127 قتيلا من الصحافيين و50 عاملا إعلاميا، هذا فضلا عن حالات الاعتداء والخطف أو الحالات التي لم توثق.

ودفع هذا الوضع القانوني والأمني غير المستقر الكثير من الصحافيين العراقيين ومؤسساتهم للهجرة إلى البلدان المجاورة خاصة الأردن، واتخاذها قاعدة لعملهم طلبا للأمن، أو للهجرة طلبا للعيش الاعتيادي، وهو ما أعدت عنه منظمة مراسلون بلا حدود تقريرا خاصا.

المجتمع المدني

يصعب الحديث عن وجود مجتمع مدني في بلد تغيب عنه سيادة الدولة ويفقد فيه المجتمع أمنه، ويشتته العنف الطائفي الممارس عليه أو الولاءات على المليشيات الممارسة للعنف.

ولو اعتبرنا ما قاله الدكتور عزمي بشارة من "أن المجتمع المدني يقوم في فضاء العلاقة المتبادلة مع الدولة"، فإن العراق حتى اللحظة خال من هذا الفضاء في الأساس، ولا يمكنه والحالة هذه أن يجد الهواء ليتنفس.

أما من الناحية الدستورية بالإجمال فإن المادة 39 من الدستور نصت على "حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، أو الانضمام إليها". ومن الناحية النظرية فإن هذه المادة من المفترض أن تؤسس لمنظمات غير حكومية مرتبطة بالمجتمع العراقي، بوصفه مجتمعا تحده المواطنة لا الطائفة.

ومن الناحية الواقعية هناك انتشار واسع للمؤسسات غير الحكومية ذات الطابع الطائفي، التي تعيد تأسيس المجتمع على أساس الطائفة لا المواطنة، وعزز من هذه الظاهرة إعادة بناء الدولة العراقية برمتها على أساس طائفي وفي غياب التوافق بين مكونات المجتمع نفسه.

وحتى اللحظة لم يلحظ وجود مبادرات جذرية عابرة للطوائف تستهدف تنشيط المجتمع المدني العراقي، ما خلا بعض الخطابات المعتمدة على الفتاوى الدينية أو على الخطاب الحكومي الرسمي. 
_______________
الجزيرة نت

المصادر:

1- أرشيف الجزيرة نت
2- انظر قانون الانتخاب، وفق الأمر رقم 97 الصادر عن سلطة الائتلاف الموقتة.
http://iraqintikhabat.com/public/nedam/sheet10.htm
3- انظر نص الدستور في موقع مجلس النواب العراقي.
http://www.coriraq.net/ara/constitution.aspx
4-للوقوف على وثائق سلطة الائتلاف والقوانين التي أصدرتها انظر موقعها الرسمي.
http://www.cpa-iraq.org/arabic/cpa_documents.html
5- للوقوف على الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث وأهدافها وصلاحياتها  انظر موقعها الإلكتروني.
http://www.debaath.com
6- انظر نص قانون المساءلة والمصالحة، موقع مركز غلغامش للدراسات والبحوث الكردية.
http://www.gilgamish.org/viewarticle.php?id=index-20070329-1108
7- انظر الحث الأميركي على إقرار قانون المساءلة والمصالحة، أخبار الجزيرة نت.
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/F4F31746-2B09-4381-943E-EBD87EC5D93C.htm?wbc_purpose=%2F%2F%2F%2F%2F%2F%2F
8- انظر برنامج وزارة الخارجية الأميركية لمواعيد الانتخابات العراقية، في موقع برامج الإعلامي الخارجي التابع لها، نشرة واشنطن، 5 يناير/ كانون الثاني 2005
http://usinfo.state.gov/ar/Archive/2005/Jan/05-117981.html
9- انظر نص قانون إدارة الدولة المؤقت الذي أقره مجلس الحكم الانتقالي برئاسة بريمر ويتضمن المواعيد الانتخابية . موقع صحيفة الشعب اليومية.
http://arabic.peopledaily.com.cn/200403
/09/ara20040309_77161.html
10- انظر الانتخابات التشريعية الأولى في موقع برنامج إدارة الحكم في الدول العربية، أخبار إدارة الحكم، النشرة الإخبارية الفصلية - العدد الثاني، انتخابات 2005.
http://www.pogar.org/arabic/govnews
/2005/issue2/iraq.html#m1a
11- انظر موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان، مقالات، دراسة حول قانون الانتخابات العراقية الجديد لجبار اللامي.
http://www.achr.nu/art72.htm
12-حول وضع الشيعة والكرد للدستور انظر موقع المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، وتحذيرها من إقرار الدستور من خلال تقرير موجز بعنوان: "العراق: لا تستعجلوا الدستور".
http://www.crisisgroup.org/home/index.cfm?id=3506&l=6
13- انظر حول بروز طبقة المنفيين والمهاجرين، موقع المجموعة الدولية، تقرير بعنوان: "بعد بيكر-هاملتون، ما العمل في العراق؟"، ص3
http://www.crisisgroup.org/home/index.cfm?id=4580&l=6
14- انظر قانون المجلس الوطني العراقي، للعام 1995، الذي كان معمولا به قبل سقوط بغداد.
ipu.org/pdb/RelatedArticlesGvnSPName.asp?SPName=CHRN&StructuredIndexCode=&LawBookID
=021020014748149&Year1=&Year2=&YearGorH=
15- فيما خص فض التنازع وتجاوز الطائفية، انظر اقتراح جابر حبيب جابر لانتخاب رئيس الوزراء العراقي مباشرة من الشعب منعا للطائفية والمحاصصة ولتداول فعلي للسلطة، وذلك في مقالته بعنوان: إشكالية تنازع السلطة في العراق: رئيس وزراء منتخب بشكل مباشر، صحيفة الشرق الأوسط، 29 أبريل/ نيسان 2007.
http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?section=3&article=417003&issue=10379
16- انظر طارق حرب مقالة "قراءتان في مشروع قانون هيئة الإعلام العراقية"،  
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=30155
17- انظر الانتهاكات بحق الصحفيين العراقيين في موقع مرصد الحريات الصحفية.
http://www.jfoiraq.org/details.aspx?newsId=310&back=0
18- انظر عدد حالات الاغتيال ضد الصحفيين في موقع الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين.
http://www.ijrda.com/prees/modules.php?name=News&file=article&sid=273
18- انظر حول سجون وزارة الداخلية على سبيل المثال ما كشفته الجزيرة في أحد تقاريرها، بعنوان:
فضيحة تعذيب جديدة في سجون وزارة الداخلية بالعراق.
http://www.aljazeera.net/home/getpage/F6451603-4DFF-4CA1-9C10-122741D17432/8B20A779-769E-485B-8982-6DFD98528CE3
19-انظر في موقع المنظمة الحقوقية هيومن رايتس ووتش تقريرها حول العيوب التي شابت محاكمة الدجيل والحكم بإعدام صدام حسين.
http://hrw.org/arabic/docs/2006/11/20/iraq14643.htm
20- انظر تقارير مكتب حقوق الإنسان في العراق التابع للأمم المتحدة التي تتضمن إحصاءات عن الانتهاكات ضد الإنسان العراقي.
http://www.uniraq.org/arabic/aboutus/HR.asp
21- حول المجتمع المدني العربي، انظر مقدمة كتاب عزمي بشارة، المجتمع المدني دراسة نقدية، طبع مركز دراسات الوحدة العربية.
22- انظر تقرير مراسلون بلا حدود: مئات الصحافيين مجبرون على الاغتراب بعد مرور خمسة أعوام على بداية الحرب.
http://www.rsf.org/article.php3?id_article=26269
23- انظر موقع لجنة حماية الصحافيين والخسائر في العراق خلال السنوات الخمس الماضية.
http://www.cpj.org/Briefings/Iraq/Iraq_danger.html




شارك برأيك