أسامة العيسة

وقعت عدة حوادث في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة عبرت عن تململ كبير لدى قطاع واسع من حركة فتح وجد نفسه وفي خضم مرحلة ما بعد الهدنة (في العراء) حسب تعبير بعض كوادر فتح الميدانيين والمنتمين إلى كتائب شهداء الأقصى. هذا القطاع هو المجموعات العسكرية التي نشطت تحت لافتة فتح، وإن كان ليس من المؤكد أن رابطا تنظيميا متينا يجمع بينها.

وأبرز تلك الحوادث إقدام مجموعة كتائب الأقصى في جنين التي يقودها زكريا الزبيدي على اختطاف حيدر أرشيد محافظ جنين بالإنابة والاعتداء عليه بالضرب. ورغم أن المبرر الذي ساقه الزبيدي لاختطاف أرشيد هو تجاوزات الأخير التي وصلت إلى التعاون مع الاحتلال، فإن المسألة تتعلق بمظهر من مظاهر (التململ) الواسعة التي تحدثنا عنها.

والحدث البارز الآخر ما يتعلق بما أطلق عليهم (مطلوبين) موجودين في مقر عرفات، وهم من بقايا المجموعات التي وجدت نفسها في المقر خلال الاجتياحات الاحتلالية المتعددة لمدن الضفة الغربية وخصوصا رام الله والتي توجت في عملية السور الواقي في أبريل/ نيسان 2002.


سيختلف المؤرخون كثيرا في دور عرفات بالغ التأثير في ساحة العمل الوطني والتنظيمي الفلسطيني، ولكن من المؤكد أن جزءا كبيرا من هذا التأثير كان مدمرا
خصوصا فيما يتعلق بالديمقراطية داخل هذه التنظيمات والأحزاب

وفي ظل مرحلة جديد من مفاوضات جديدة مع الاحتلال، تم الطلب من هؤلاء المطلوبين مغادرة المكان، الأمر الذي أغضب رفاقهم في كتائب الأقصى الذين نظموا إضرابا في رام الله.

وأصدرت كتائب شهداء الأقصى بيانًا أعربت فيه عن غضبها، وتوعدت بإعلان حرب الـ "ألف سنة ضد إسرائيل" وقالت بأن هناك عشرات الاستشهاديين المستعدين لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل.

وتعيد مثل هذه الأحداث (تراجيديا) العلاقة بين وقود الثورة وقادتها من السياسيين.

ومن الأحداث القريبة للذاكرة تلك التي وقعت مع تأسيس السلطة، حيث بدأت عمليات المضايقة لبقايا المطاردين من العناصر الفتحاوية التي عرفت بالفهد الأسود، والطلب منهم تسليم أسلحتهم.

ووقعت مواجهات مثلما حدث مع أجهزة أمن السلطة و(أبو طابوق) قائد المجموعات المسلحة الفتحاوية في نابلس، حيث تم تطويق أبو طابوق وجماعته واعتقالهم.

ووقعت في تلك الفترة مأساة كانت لها تداعياتها ليس فقط في صفوف حركة فتح ولكن لدى الرأي العام الفلسطيني ككل، وهي مقتل محمد الجميل، ناشط فتح الذي اعتقلته مجموعة من جهاز البحرية الفلسطينيين التابع للسلطة والذي ليس له علاقة بالبحر من قريب أو بعيد ولكن أحد الأجهزة الأمنية والذي كان أفراده يشرفون على معتقل السلطة في نابلس، حيث قام هؤلاء باعتقال الجميل وتعذيبه وخلال ساعات كان الجميل يسلم روحه إلى بارئها، وتمكن الصحفيون من تصوير جثمان الجميل في المستشفى بعد مقتله وكانت مشاهد أثار التعذيب تقشعر لها الأبدان.

وتدخل رئيس السلطة كما هي العادة واحتوى الضجة الهائلة التي أثارها مقتل مناضل مثل الجميل كان الناس حينها ما يزالون يذكرون جولاته وصولاته مع المحتلين.

وبقيت الحادثة مثل حوادث أخرى شاهدة على تعارض وتصادم المنطق الذي ينضم في سياقه الشباب المتحمس لحركة فتح والنضال في صفوفها، مع منطوق الاتفاقات والتنازلات اللانهائية التي تقدمها القيادة السياسية والاتفاقات التي تلزم نفسها فيها وهي اتفاقات أمنية تقضي بالقيام بدور الاحتلال في ملاحقة المناضلين.


كل التنظيمات الفلسطينية باستثناء حماس والجهاد أصبحت "عرفاتية" فنايف حواتمة مازال منذ تأسيس الجبهة الديمقراطية هو (عرفات) هذه الجبهة التي تتبنى الفكر الماركسي، وينطبق نفس الكلام على أحمد جبريل وسمير غوشة وباقي التنظيمات

وحاولت القيادة السياسية الفلسطينية في بداية أوسلو تجنب الكادر المناضل القديم نهائيا والاعتماد على فئات جديدة وطبقات وأشخاص جدد لمرحلة أوسلو من التجار والطفيليين والشخصيات العامة التي ارتبطت مصالحها مع الاحتلال، ولكن التصادم الذي وقع بين السلطة وحركة حماس في مسجد فلسطين ووقوع المذبحة الشهيرة، جعلت رئيس السلطة يعيد حساباته ليلتفت من جديد إلى حركة فتح كاحتياطي جاهز للسلطة.

وسارت الأمور بين مد وجزر ولكن حصول أفراد فتح على امتيازات واستيعابهم في أجهزة السلطة المدنية والعسكرية، كانت تؤكد نجاح عرفات في احتواء وترويض أعضاء الحركة. ولكن سارت الأمور كما لم يتوقع أحد مع اندلاع انتفاضة الأقصى، ويقول عدد من أفراد كتائب الأقصى بأنه لولا تضحيات هذه الكتائب لما بقي شيء اسمه فتح ولكانت حركتا حماس والجهاد استفردتا في الشارع الفلسطيني بلا منازع، وبالتالي فإنهم يجب أن يكونوا محل تقدير لدى القيادة السياسية وليس وقودا يمكن إشعاله وإطفاؤه حسب الظروف.

وكان أعضاء الكتائب يعرفون أنه سيأتي يوم "تبيعهم" فيه السلطة بثمن بخس، وهو ما برز بوضوح بعد مرحلة أبو مازن الجديدة، وتشكو قيادة الكتائب وعلى رأسها زكريا الزبيدي من أنه تم إقفال أية موارد من حركة فتح كانت تصب لدى الكتائب.

وصدرت بيانات متفرقة لحركة فتح في عدد من المواقع تحذر من المساس بأبناء كتائب الأقصى وتشير إلى أن هناك مؤامرات لجعل المناضلين يموتون من الجوع.

وحتى الآن يمسك عرفات ببراعته المعهودة بالعصا من المنتصف، ويعطي وعودا مهدئة لما تبقى من كتائب الأقصى، وفي نفس الوقت يرسل رسائله الأخرى للمعنيين بالمرحلة الجديدة.

وقبل أيام من اختطاف حيدر أرشيد، أرسل عرفات الوزير في حكومة أبو مازن عبد الفتاح حمايل إلى جنين للتفاوض مع كتائب شهداء الأقصى للالتزام بالهدنة.

وقال حمايل إنه مكلف بالحديث مع كتائب شهداء الأقصى في الضفة والقطاع ليس فقط عن الهدنة ولكن عن كل الأمور العالقة الأخرى، وأشاد حمايل بالتزام تلك الكتائب وبالمسؤولية العالية التي تتمتع بها.

ولكن يبدو أن كلام حمايل لم يكن يختلف عن أي كلام لأي مسؤول عربي عن أية مسألة: كلام معسول لتغطية المشاكل الحقيقية.

والدليل على ذلك اختطاف أرشيد في جنين والاعتداء عليه بالضرب من قبل مجموعة زكريا الزبيدي، الذي باتت تدرك قيادته السياسية أنه لم يعد ينتمي إلا للماضي ويجب إنهاء ملفه بأية صورة وهو ما حاول القيام به حيدر أرشيد، وفقا لرواية الزبيدي، عندما دبر محاولة لاغتيال أحد أعضاء الكتائب فجاء رد الأخيرة على ذلك النحو المفاجئ.

وورقة الزبيدي، الذي ليس لديه شيء ليخسره بعد أن استشهدت أمه وشقيقه خلال مجزرة جنين، ليست الوحيدة في ملف كتائب الأقصى، والمؤكد بأن هناك قرارا لدى السلطة بإحراق تلك الأوراق وجعلها رمادا تذروها الرياح، والسؤال هل سيتم ذلك بتلك السهولة التي تصورها من أعطى التزامات أمنية لإسرائيل؟ أم أن أفراد كتائب الأقصى وعوا الدروس السابقة وجاهزون لعدم الوقوع في نفس الحفرة مرة أخرى؟


في شهادة لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح السابق محمد جهاد فإن اللجنة المركزية لفتح عندما عرض عليها اتفاق أوسلو رفضته، وهذا أمر يبدو غريبا جدا. فإذا كانت فتح رفضت أوسلو فمن الذي أخذ على عاتقه تنفيذه؟!

ومن جانب أخر يدلل بعض كوادر فتح على مثل هذه التقاطعات الحادة في أحيان كثيرة والتي تصل إلى الاتهام بالعمالة (كما حدث مع أرشيد في جنين ويحدث مع سري نسيبة) إلى أنه دليل ديمقراطية فتح التي يسميها السيد ياسر عرفات (ديمقراطية السكر زيادة).

ويذهب بعض أعضاء فتح البارزين مثل حسين الشيخ -ذو الخلفية اليسارية- إلى أن فتح ليست حزبا إستالينيا تطبق فيه (المركزية الديمقراطية) ولذا فإن تلك التقاطعات أمر طبيعي.

وهي أمر طبيعي فعلا في حالة فتح ولكن من الصعب توصيفها بأنها دلالة ديمقراطية، فحركة فتح تكاد تكون أغرب تنظيم أو حزب في العالم، أو ليس له مثيل، حيث تتركز الصلاحيات فيه في شخص واحد هو عرفات نفسه، الذي يسمح بعقد المجالس الوطنية لمنظمة التحرير -حيث فتح وغيرها- والمجالس المركزية للمنظمة ومؤتمرات لفتح تحت عدة مسميات ولكنه في النهاية صاحب الكلمة الأولى والوحيدة، ويمكن إعطاء مثل على ذلك ما يتعلق باتفاق أوسلو، ففي شهادة لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح السابق محمد جهاد فإن اللجنة المركزية لفتح عندما عرض عليها الاتفاق رفضته، وهو أمر يبدو غريبا جدا؟ فإذا كانت فتح رفضت أوسلو فمن الذي أخذ على عاتقه تنفيذه؟! إنه عرفات الذي في الحقيقة هو فتح وفتح هي عرفات.

وربما يعتبر بعض الباحثين هذا الكلام نوعا من التبسيط المخل، وربما يكون كذلك ولكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن عرفات هو اللاعب الأوحد في الساحة الفلسطينية ينفذ ما يقتنع به ثم يجري وراءه رفاقه الغاضبون في فتح ثم الفصائل الأخرى التي أصبح بعضها الآن، وفي ظل المتغيرات خلال العشر سنوات الأخيرة كأنها فروع من شخصية عرفات يمولها ولا تشق له عصا الطاعة، خصوصا تلك الأحزاب التي
تعرف باليسارية.

ولكي يضمن عرفات أن يكون الأول فإن هناك هامشا يريده من التقاطعات داخل فتح وربما يكون عرفات هو عضو فتح الوحيد الذي تصح عليه صفة العضوية في حركة فضفاضة جدا.

ويرتبط عرفات بعلاقات شخصية مع قواعد فتح ويخاطب كل كادر (على قدر عقله) كما يقولون، مستعينا بالمال وأحيانا كثيرة تبدو صورة أعضاء لجنة فتح المركزية شديدة البهوت أمامه.



في إحدى المرات سألت عضوا في اللجنة المركزية لفتح: لماذا عرفات هو الذي يقود هذه الحركة العريضة والكبيرة، وهل هو أكفؤكم؟ فاجابني إجابة مدهشة وهي أن عرفات أكثر أعضاء اللجنة المركزية الذي يجيد اللعب "بالثلاث ورقات"

وفي إحدى المرات سألت عضوا في اللجنة المركزية لفتح: لماذا عرفات هو الذي يقود هذه الحركة العريضة والكبيرة؟ وهل هو أكفؤكم؟ فاجابني إجابة مدهشة وهي أن عرفات أكثر أعضاء اللجنة المركزية الذي يجيد اللعب (بالثلاث ورقات) والمدهش أكثر أنه في يوم الجمعة التي تلت كلام هذا العضو البارز والمؤثر كان هذا العضو يجلس بجانب عرفات في مسجد الرئاسة في رام الله يؤدي معه صلاة الجمعة.

لقد وعا عرفات مبكرا (ديمقراطية المصالح) في حركة مثل فتح، وأمسك بيديه المال والعلاقات التنظيمية، فكان الأول في كل شيء حتى في ظل وجود (عتاولة) مثل أبو إياد وأبو جهاد.

ولم يختلف أداء عرفات في بناء السلطة الفلسطينية عن تصرفاته في حركة فتح. وامتد تأثيره ليشمل ساحة العمل الفلسطيني كلها، باستثناء حماس والجهاد الإسلامي تحديدا، فأصبحت جميع التنظيمات والفصائل التنظيمية (عرفاتية) ولا يختلف في ذلك تنظيم يساري أو يميني.

فنايف حواتمة مثلا ما زال منذ تأسيس الجبهة الديمقراطية هو (عرفات) هذه الجبهة التي تتبنى الفكر الماركسي، وينطبق نفس الكلام على أحمد جبريل وسمير غوشة وباقي التنظيمات.

______________
كاتب وصحفي فلسطيني

المحرر: الصفحة ترحب بعرض كل وجهات النظر فيما يتعلق بالممارسة الديمقراطية داخل حركة فتح شريطة التزام الموضوعية قدر المستطاع والبعد عن النظرة الحزبية الضيقة أو استغلال هذا المنبر الإعلامي لتصفية حسابات شخصية كما يستشف من الكثير من الرسائل التي وصلت الصفحة.

للتعليق والتعقيب اضغط هنا