سعد الدين إبراهيم
بصرف النظر عن تقديرك الشخصي أو السياسي، اتفاقك أو اختلافك، رضاك أو غضبك، قبولك أو رفضك، فالدكتور سعد الدين إبراهيم من أوائل الشخصيات المصرية التى تطرقت باستفاضة لقضايا الإصلاح السياسى في مصر، وهو يمتلك مشروعا لنشر الديمقراطية كرس جل وقته في السنوات الأخيرة ليرى النور، حتى يؤثر في قطاعات كثيرة أصبحت عازفة عن المشاركة السياسية. وقد عرضته مواقفه من النظام المصري وتقديراته للإصلاح وآلياته وأولوياته لأزمات ومضايقات متعددة، انتهت به إلى السجن بتهمة تلقي أموال من الخارج وتشويه صورة مصر. فمحكمة أمن الدولة العليا حكمت عليه بالسجن عام 2000 مدة سبع سنوات. وبعد أن أمضى حوالي ثلاثة أعوام قضت محكمة النقض ببراءته مما هو منسوب إليه.

أثار دور سعد الدين إبراهيم علامات استفهام كثيرة، وحدث تباين واضح حيال تقويم خطواته، بعد أن أخذت مواقفه من الإصلاح منحى تصعيديا حادا ضد النظام المصري، بشكل لا يتناسب مع المقدمات السابقة، حيث كان من المقربين لهذا النظام والداعمين لكثير من توجهاته في فترة من الفترات. وضم مركز ابن خلدون الذي يرأسه نخبة من الرموز القريبة من أو العاملة في مؤسسات الدولة. من هنا جاء الانقسام حوله. ففريق يشكك في دعواته الإصلاحية، ويستند إلى الحجج ذاتها التى ساقتها الحكومة المصرية، لاسيما علاقاته الخارجية المشتبه فيها. وفريق آخر يرى أنه جدير بالاحترام، إذ لامس الكثير من مواضع الضعف في النظام المصري واستخدم منطقا محكما للفت انتباه قطاعات واسعة في المجتمع. ولقي الإصلاح الذي يطالب به ترحيبا كبيرا، الأمر الذي أقلق الحكومة ودفعها إلى محاولة الإجهاز عليه. من هذه الزاوية اعتبرت الاتهامات التي وجهت إليه ذات دوافع سياسية، بسبب غضب المسؤولين من نشاطه في المجتمع المدني ومطالبته المتكررة بمراقبة الانتخابات وتوليه الدفاع عن حقوق الأقليات.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2004 أعلن أنه ينوي ترشيح نفسه لمنصب رئاسة الجمهورية "إذا نجحت المحاولات الجارية لتعديل الدستور" بحيث تؤدي إلى إجراء انتخابات مباشرة يتنافس فيها أكثر من شخص. وبرغم اعترافه بأن فرصته في النجاح ستكون هزيلة جدا، فإنه يريد أن يبرهن على عدم وجود شيء من المحرمات السياسية.

وكتب في هذا الإطار مقالا تحت عنوان مثير "مصر بحاجة إلى رئيس حقيقي وليس لفرعون متقدم في السن"، اتهم فيه الرئيس حسني مبارك والحزب الوطني بالمماطلة في الإصلاح السياسي منذ الثمانينيات. وأشار إلى أن الضغوط من أجل الإصلاح أصبحت أكثر قوة بسبب التطورات الجارية في العالم وتطورات أخرى مهمة في الداخل. وعلى هذا المنوال استمر في أسلوبه الهجومي مركزا على مؤسسة الرئاسة ورموزها. وأشاد بخطوة تعديل المادة 76 من الدستور، لكنه اعتبرها غير كافية للإصلاح الحقيقي، وقال "في ضوء ما يسفر عنه الحوار الوطني وما يقرره مجلس الشعب بشأن تعديل الدستور سيكون قرارنا النهائي بالترشيح لرئاسة الجمهورية من عدمه". لكنه بعد أن وضع المجلس ما اعتبرته المعارضة قيودا أضيفت لهذه المادة فرغتها من محتواها لن يكون في مقدوره الترشح للرئاسة.

وبشكل عام يقف سعد الدين إبراهيم مع الإصلاح والتغيير بلا أي حدود أو ضوابط، فهو يرى أن مصر بحاجة إلى إجراءات جديدة تغير وجه الحياة الذي أصبح -في نظره- حكرا على طبقة معينة في المجتمع المصري. فالإصلاح السياسي هو المدخل الرئيسي للإصلاح المجتمعي الشامل، والبداية الحقيقية هي تعديل الدستور خاصة مواده المتعلقة بطريقة اختيار وصلاحيات رئيس الجمهورية، لاختيار الرئيس ونائبه بالانتخاب التنافسي الحر المباشر بين أكثر من مرشح، وألا يتجاوز شغل هذا المنصب فترة واحدة أو فترتين متتاليتين لا تتجاوز كل منهما أربع أو خمس سنوات، إضافة إلى إلغاء المادة 74 من الدستور درءا لإساءة استخدام السلطات المطلقة الخطيرة الواردة فيها، والفصل التام بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإلغاء حالة الطوارئ وكل القوانين المقيدة للحريات العامة.

وتتمركز نقاط ضعف دعوته في مسألتين، الأولى علاقاته الوثيقة بعدد من الدوائر الخارجية، خاصة الولايات المتحدة التى يحمل جنسيتها ولديه صداقات وثيقة مع بعض نخبها المؤثرة سياسيا وإعلاميا، مما يجعل اتهامات الدولة له محل اعتبار، ويؤدى إلى عزوف الكثير من المواطنين عن الالتفاف حول أجندته للإصلاح السياسي.

والمسألة الثانية تبنيه جملة من الأفكار للتقريب بين التيار الإسلامي والغرب. وأدت حواراته في هذا الاتجاه إلى عقد مؤتمر في أكتوبر/ تشرين الأول 2004 بالقاهرة بعنوان "الإسلام والإصلاح". كما أن لديه رؤية مثيرة يطالب فيها بالتركيز على القرآن الكريم وعدم الاعتداد بكثير من الأحاديث الشريفة التي حوتها السنة، الأمر الذي يلتقي في أحد جوانبه مع المطالب الأميركية الراغبة في إهمال السنة، وهو ما التقطه بعض الكتاب المدافعين عن الحكومة للتشكيك في نواياه الإصلاحية وإثارة مزيد من الغبار حوله.