*إعداد: د. حمدي عبد الرحمن

رغم عمق الروابط التاريخية والجغرافية بين العالم العربي وأفريقيا فإن العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما ظلت لسنوات طويلة ضعيفة وغير مجدية في إنشاء تعاون اقتصادي حقيقي.

الصادرات والواردات المتبادلة
بلغ نصيب كافة الدول العربية من إجمالي الصادرات الأفريقية 1.18% عام 1997. ووصلت الواردات الأفريقية من العالم العربي إلى 2.47% فقط وذلك من إجمالي واردات 45 دولة أفريقية غير عربية.

عوامل ضعف التبادل التجاري


هناك ضرورة للسعي إلى بناء أطر تنظيمية جديدة وفعالة للتعاون العربي الأفريقي في سياق مفاهيم الحوار بين دول الجنوب
وثمة مجموعة من العوامل التي تقف وراء هذا التبادل التجاري المحدود بين العرب والأفارقة، ويمكن في هذا السياق أن نشير إلى أبرز هذه المعوقات على النحو التالي:

  • غياب القدرات التصديرية الأساسية.
  • ضعف الروابط التجارية والصناعية.
  • المعرفة المحدودة بالأسواق الأفريقية من حيث طبيعتها وخصائصها العامة.
  • عدم توفر دعم مالي ملائم.
  • سوء تقدير المخاطر المصاحبة لأوضاع عدم الاستقرار السياسي.
  • غياب الثقة في قطاعات الأعمال.
  • تخلف الأسواق المالية.
  • عدم تنسيق السياسات الخاصة بدعم التجارة والتنمية.

واتساقا مع ما سبق فإن مستوى التدفقات المالية إلى البلدان الأفريقية يتسم بالمحدودية النسبية، وعلى سبيل المثال بلغ حجم هذه التدفقات عام 1990 نحو 73.895 مليون دولار وزعت على تسع دول أفريقية وتألفت من 71.960 مليون دولار على شكل قروض و1.899 مليون دولار على شكل مساعدات فنية.

وقد وجهت انتقادات عدة للعون المالي العربي المقدم للدول الأفريقية منها:

  • أن تقديم هذه المساعدات كان على شكل اعتمادات مالية وليس في صورة استثمار أو مشاركة مباشرة، وهو الأمر الذي أدى إلى سهولة استغلال تلك المساعدات من جانب بعض القيادات الأفريقية وبعيدا عن مصالح شعوبها.
  • اقتصرت المساعدات العربية لأفريقيا في مجال الزراعة على المساعدات المالية، ولم تقدم مساعدات فنية عربية لأفريقيا سوى تلك التي قدمتها مصر، وهنا تجدر المقارنة بين التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا عن طريق المساعدات الفنية وبين العون المالي العربي المحدود.
  • اقتصرت المساعدات العربية المخصصة لمشروعات معينة على التمويل في حين تقوم شركات أجنبية بعملية التنفيذ, وعلى سبيل المثال عندما مولت السعودية طريقاً طوله 120 كلم وسط جبال بوروندي أطلق عليه اسم طريق الصين لأن الشركات الصينية هي التي تولت التنفيذ.
  • إعطاء الأولوية في توزيع المساعدات العربية للدول الأفريقية الإسلامية أو ذات الأغلبية المسلمة مثل السنغال ومالي وغينيا والنيجر وتنزانيا وأوغندا, وقد تلقت الدول الست الآنفة الذكر 3057.4 مليون دولار من إجمالي المساعدات العربية لأفريقيا البالغة 8190.7 مليون دولار خلال الفترة من 1975-1983، أي بما يوازي 37.3% من إجمالي المساعدات العربية لأفريقيا في الفترة المذكورة، في حين أن هذه الدول لا تمثل سوى 16.7% من عدد سكان أفريقيا غير العربية وباستثناء جنوب أفريقيا. كذلك كان هناك دعم وتفضيل للدول الموالية للغرب مثل كينيا والكونغو الديمقراطية اللتين تلقتا في الفترة من 1970-1983 نحو 387.3 مليون دولار و359.6 مليون دولار على الترتيب، في حين أن المساعدات التي قدمت لدولة مثل إثيوبيا كانت هزيلة إذ لم تتجاوز 22.9 مليون دولار في الفترة نفسها.

التجمعات الاقتصادية الإقليمية في أفريقيا


المتغيرات والتحديات الجديدة تفرض إلى جانب العوائق الهيكلية القائمة بين العرب والأفارقة ضرورة النظر إلى منظومة العلاقات الاقتصادية بعيدا عن المنظور الثنائي وفي إطار رؤية كلية شاملة
شهدت أفريقيا ابتداء من عقد السبعينيات ظهور عدد من التجمعات الإقليمية والتي تسعى إلى تحقيق التعاون الاقتصادي مثل اتحاد نهر مانو، والجماعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، والجماعة الاقتصادية لدول أفريقيا الغربية المعروفة باسم (إيكواس)، والتجمع الاقتصادي لدول البحيرات العظمى، ومؤتمر تنسيق إنماء الجنوب الأفريقي، والسوق المشتركة لأفريقيا الشرقية والجنوبية (كوميسا).. وغيرها.

ورغم أن البعض يحاول التقليل من أهمية التجمعات الاقتصادية الإقليمية في أفريقيا على أساس أنها تعكس نفس خبرة الفشل العربي فإن هذا القول مردود عليه, فالدول الأوروبية والولايات المتحدة تركز على هذه الأطر الإقليمية لتحقيق أهدافها في القارة الأفريقية.

وثمة مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية أفرزتها حقبة ما بعد الحرب الباردة سوف تؤثر يقينا في العلاقات العربية الأفريقية ولا سيما في الميدان الاقتصادي ومن ذلك:

  • تطبيق القواعد الجديدة لاتفاقية الغات سوف يسهم ولو في الأمد المنظور في تحقيق استقرار سياسة الإصلاح التجاري والاقتصادي داخل أفريقيا والتي عانت دوما من التقلب والتغير بفعل متغيرات وعوامل داخلية. ومثل هذا الاستقرار يشجع تدفق الاستثمارات الأجنبية ويخلق فرصا مواتية للاستثمار في أفريقيا. إذ لا يخفى أن غياب المصداقية في سياسات الإصلاح نظر إليها باعتبارها السبب الرئيسي في عدم مقدرة أفريقيا على الاستفادة من الزيادة الهائلة في الاستثمارات الخارجية التي شهدتها الدول النامية خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات.
  • تغير مفاهيم إدارة الصراعات الأفريقية وإعطاء الأولوية للمنظمات الأفريقية -سواء على المستوى القاري أو الإقليمي- في التعامل مع الصراعات الأفريقية. ويمكن الإشارة هنا إلى تبني منظمة الوحدة الأفريقية في قمة القاهرة عام 1993 قرارا بإنشاء آلية جديدة لمنع وإدارة وتسوية الصراعات. وتسعى هذه الآلية بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الأفريقية الأخرى إلى ترسيخ السلام في أفريقيا عبر تحويل الاستجابة للصراعات الأفريقية على أساس موقفي ومحدد إلى إطار أكثر مؤسسية وتنظيما. ورغم أن هذه الآلية لا تزال في طور التكوين والنضج فإن تأكيدها على ثقافة بناء السلام بدلا من مفهوم حفظ السلام يعطيها أهمية كبيرة من زاوية تغيير المدركات الأفريقية بشأن قضايا السلام والصراع.
  • ظهور جنوب أفريقيا كدولة إقليمية كبرى وذلك منذ انتخابات عام 1994 وانتهاء حقبة التفرقة العنصرية. فعلى الصعيد السياسي يلاحظ أن جنوب أفريقيا في ظل حكم مانديلا لعبت دورا مركزيا في جهود الوساطة لبعض النزاعات الأفريقية مثل النزاع في دولة الكونغو الديمقراطية, ومبادرة الرئيس مانديلا بشأن الصراع في جنوب السودان وكذلك إسهامه في تسوية أزمة لوكربي بين ليبيا والدول الغربية. ومن الملاحظ أيضا أن جنوب أفريقيا تنطلق في أدائها لهذا الدور على الصعيد الأفريقي القاري من مكانتها المركزية في إطار التجمع الجنوب الأفريقي. ويؤكد ذلك خبرة تدخلها في أحداث ليسوتو في سبتمبر/أيلول 1998 حيث أشار وزير خارجيتها إلى أن "جنوب أفريقيا ستتخذ سياسات تتفق مع الوضع غير المستقر في ليسوتو حتى لا تقف عقبة أمام الجهود التي تبذل في المنطقة لبناء نظام إقليمي آمن ومستقر".

ومن منظور العلاقات العربية الأفريقية فإن ظهور جنوب أفريقيا يمكن أن يمثل منافسا قويا للدور العربي سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي والتجاري, وهو الأمر الذي يتطلب ضرورة السعي إلى بناء أطر تنظيمية جديدة وفعالة للتعاون العربي الأفريقي في سياق مفاهيم الحوار بين دول الجنوب.

إن هذه المتغيرات والتحديات الجديدة تفرض إلى جانب العوائق الهيكلية القائمة بين العرب والأفارقة ضرورة النظر إلى منظومة العلاقات الاقتصادية بعيدا عن المنظور الثنائي وفي إطار رؤية كلية شاملة, وعبر الوعي والإدراك بخطورة التحديات المشتركة التي يواجهها العالمان العربي والأفريقي في عصر العولمة الأميركية والأوروبية.
_______________
أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ونائب رئيس الجمعية الإفريقية للعلوم السياسية.