ينتشر الإسلام في غرب أفريقيا من مضيق جبل طارق إلى نيجيريا ويشمل الصحراء الكبرى ويمتد إلى الشرق ليشمل من مصر إلى السودان، ثم يمتد إلى أوروبا في بعض مناطق البلقان، ثم يمتد شرقا ليشمل البحر الأسود شمالاً إلى أقصى جنوب الجزيرة العربية، ثم يمتد شرقا ليشمل جمهوريات آسيا الوسطى شمالا إلى الهند حتى جنوبها، ثم يمتد شرقا إلى منغوليا وغرب الصين، ثم ينحدر جنوبا إلى جزر الهند الشرقية.

ويشغل الإسلام بقعة أرضية تبدو على الخريطة مثل الحزام العريض الذي يمسك بخصر العالم القديم، ويسيطر على غالب شواطئ البحر الأسود، ونحو ثلثي شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وكل شواطئ البحر الأحمر، والخليج العربي، وهي رقعة واحدة ممتدة لا تفصل بينها شعوب أخرى وإن تخللتها.


يشـغل الإسـلام بقعـة أرضية تبدو عـلى الخريطة مثل الحـزام العريـض الذي يمسك بخصر العالـم القديـم
ويقارب عدد المسلمين في الدول الإسلامية حوالي 1,3 مليار نسمة، ويعيش خارج الدول الإسلامية حوالي نصف مليار. أي أن المسلمين يقاربون المليارين بنسبة تصل إلى ثلث سكان العالم، ولكن تأثيرهم يمكن أن يكون أخطر بكثير من عددهم بما يملكون من رصيد تاريخي، وموارد، وموقع استراتيجي، وما يمكن أن يضيفه الإسلام من تماسك ووحدة وتراث وتكوين نفسي جمعي متماثل.

وعي الأمة وقضايا العالم الإسلامي
لقد انحسر الإسلام كعنوان من الإعلام والاهتمام والدراسات ثم الوجدان والمشاعر. ويلاحظ بعض الدارسين أن وقائع العالم الإسلامي في صحافة الربع الأخير من القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين كانت أكثر حضوراً مما هي عليه اليوم. وبدأت هذه المتابعة تنحسر تدريجيا بعد الحرب العالمية الأولى، ثم بدأت تطغى على اهتمامنا الوقائع الأوربية، ثم الوقائع الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، كما كان يطغى على هذه الاهتمامات وقائع حركات التحرر الوطني، ثم أخبار الدول حديثة الاستقلال.

واختلف أيضا معيار التصنيف للوقائع، فلم يعد الإسلام ولا المسلمون مما يشكل معياراً للتصنيف، ولم يعد الإسلام قائما بوصفه عنصرا سياسيا في العلاقات الخارجية أو المعالجات الإعلامية.

حولية العالم الإسلامي
يصدرها مركز الحضارة للدراسات السياسية وهي محاولة - كما وصفت في المقدمة - لاسترداد الوعي بهذه الدائرة الإسلامية بوصفها تصنيفا سياسيا نتعامل معه وتتعامل معه دولنا وشعوبنا. فالوعي السياسي والحضاري الذي تقذف به أوعية الإعلام ينحصر في أوربا والغرب بحسبان أنهما العالم فحسب. وأثر ذلك فينا لا يجري باعتقاد منا ولا باختيار ثقافي وحضاري من جانبنا، إنما يجري بموجب الاعتياد من التكرار المتوالي لما نحصل عليه من أخبار ومتابعات تركز على الأحداث الأوربية والغربية.

وكان غياب قضايا العالم الإسلامي عن وعينا مقدمة لتذبل في الضمير والعلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية، فاللغات الفارسية والتركية على سبيل المثال كانت منتشرة بين العرب، وكذا العربية بين الفرس والأتراك، ولكنها تلاشت لتحل محلها اللغة الإنجليزية. ومواجهة هذا التغييب والطمس إنما تكون بصنيع مضاد، فما يراد طمسه وإزهاقه في وعينا علينا أن نمارسه إيذانا بوجوده وقيامه فينا، وأول خطوات استرداد الوعي بالذات الممتدة هو المتابعة الإخبارية والمعرفية بكل أنحاء هذه الذات.

شمولية العرض
ولذلك فقد اشتملت الحولية على معالجات ورؤى لقضايا العالم الإسلامي الممتد، مثل الصراع الداخلي في إسرائيل وظاهرة ما بعد الصهيونية، والأزمة الجزائرية، والعقوبات الدولية على العراق، والتحولات الداخلية في تركيا وانعكاساتها الإقليمية والدولية، والتطورات الداخلية في إيران وصعود خاتمي وأثر ذلك على التفاعلات السياسية الإيرانية، والأزمة المالية في دول جنوب شرق آسيا، والتفجيرات النووية الهندية والباكستانية، والمنافسات الدولية في أفريقيا، والنزاع الإثيوبي الإريتري، والتطورات السياسية في نيجيريا، ومعضلة التحول الديمقراطي في أفريقيا, والبوسنة بعد دايتون: مصير الدولة الموحدة، وكوسوفو: الذاكرة والأزمة الراهنة.

ففريق المركز بسط خريطة العالم الإسلامي ليحاول أن يقدم نظرة كلية شاملة، وقدمت هذه المحاولة رؤية ونظرة جديدة تقدر حال الإسلام والمسلمين ومسارهم ومستقبلهم.

الغرب ونحن
وترى الحولية أن الغرب السياسي والثقافي ينظر إلى العالم الإسلامي بوصفه كيانا واحدا، وأن شعوب العالم الإسلامي تكوين بشري اجتماعي واحد سواء كان هذا التجمع متحققا فعلا أو كان قابلا للتحقق، ويتعين على المسلمين أن يروا من أمر أنفسهم ما يراه الغرب فيهم وبحكم سياسته تجاههم.

وتمضي الحولية في أحد فصولها إلى القول بأن النظام العالمي استقر على ألا يقوم تجمع إسلامي أو تجمعات إقليمية حقيقية في غير بلاد الغرب. وحين نشأت في العالم الإسلامي دول قطرية مركزية كانت في نشاطها وتطورها تعتمد على وسائل الاتصال والمعلومات والطرق، واستطاعت أن تقضي على إمكانية وجود حي للجماعات الفرعية وللوحدات الاجتماعية التي يتكون منها المجال الشعبي الأهلي، وسعت الدولة إلى أن تكون المعبر الوحيد عن الوجود الاجتماعي والسياسي، واحتكرت الوظائف الاجتماعية حتى أبسط أنواع الخدمات، واعتبرت كل وجود لجماعة في المجتمع وجودا منافسا لها بالفعل أو بالاحتمال. وعندما بدأت الدولة تتخلى عن مهماتها التي شغلت بها نفسها ولم تعد قادرة على أدائها؛ كان المجتمع الأهلي قد فقد كثيرا من خبراته ومؤسساته وأدوات العمل التي استقر على تحقيق احتياجات المجتمع بها.

أمتي في العالم


الحوليـة ترصد كـل آلام المسـلميــن وآمالهم في مساحات الـفعل الـحضـاري والـعوالم المتعلقة به والـتعامل مـع هذه العـوالم بذلك الرصد الذي يشير إلى معاني السنن الحضارية
هي مشروع يسعى إلى جعل المسلمين وحدة تحليل موضوعية وليست قضايا مبعثرة في التقارير والدراسات والتحليلات، وتوفير مادة بحثية تتراكم في  معالجة القضايا والموضوعات المتنوعة والمتكاملة، وتحديد أجندة بحثية متواصلة تتابع هذه القاعدة المعلوماتية والمادة البحثية واستثمارها. وهو مشروع من شأنه إحياء معنى الترابط في تحديد اختيار أجندة القضايا ومعناها في الرصد والتحليل والوصف، ومغزاها في الدلالة ضمن وسط جامع بين الداخل والخارج، وبين الداخلي والإقليمي والدولي.

والحولية ترصد كل آلام المسلمين وآمالهم في مساحات الفعل الحضاري والعوالم المتعلقة به؛ "الأفكار والأحداث والأشخاص والأشياء"، والتعامل مع هذه العوالم بذلك الرصد الذي يشير إلى معاني السنن الحضارية.

لا تتضمن الحولية بعداً تحليليا إلا في أضيق نطاق، ويغلب عليها جانب الرصد والوصف، وتقدم قاعدة معلوماتية ومادة نصف مصنعة تصلح أن تكون مقدمة للتحليل والتفسير. وتهدف الحولية إلى رسم صورة عن المناطق المختلفة موضع المعالجة، وتتميز بوجود ناظم متغير وناظم ثابت، أما المتغير فيعني الفكرة الحاكمة التي تمثل الحولية في كل عام والتي تنظم بين موضوعاتها المختلفة وقضاياها، والثابت هو الذي يعتمد الأمة كوحدة تحليل، وذلك ضمن تفاعل بين عالم الأفكار وعالم الأشخاص والنظم والرموز وعالم الأحداث.

مقاصد الحولية
وتهدف الحولية إلى سد الفجوة في الإغفال والإهمال لموضوعات متعددة ضمن التقارير الأخرى، وهي:
   - تقديم قاعدة معلوماتية عن الأحداث والأشخاص.
   - توفير مادة بحثية تتراكم في معالجة القضايا والموضوعات.
   - تحديد أجندة بحثية متواصلة تستثمر قاعدة المعلومات.


"أمتي في العالم" يقدم مادة الوعي، وشواهد القعود وعدم الفعالية، ومؤشرات السعي الحضاري الفعال، فعوالم هذه الأمة تشهد لها كما تشهد عليها
إن عالم الأحداث يجري لنا كما يجري علينا، وإن صناعته والتأثير في مجرياته يتحرك بسنّة سواء عقلها المسلمون أو وعاها الآخرون فإن السنة لا تعطي إلا من عمل بها ووعى حركتها وسيرها، وإن عالم الأحداث يفرز عوالم أفكار وأشخاص وأشياء على شكله، كما قد تعبر بعض فاعليات هذه العوالم عن عالم أحداث يشير إلى ضرورة البحث عن عناصر العقل والفاعلية من جانبنا.

"أمتي في العالم" يقدم مادة الوعي، وشواهد القعود وعدم الفعالية، ومؤشرات السعي الحضاري الفعال. فعوالم المسلمين تشهد لهم كما تشهد عليهم، وهذه الحولية ترصد هذه العوالم وقد توضح أدوارنا المتخاذلة ضمنها، وربما تشير إلى بعض صفحات تؤكد ضمائر الوعي وعقلية العزة في الوجدان الإسلامي، ولكنها في كل الأحوال تشير إلى تحول في عالم العرب والمسلمين ليكون موضوعا للفعل وليس أدوارا وأطرافا فاعلة.