جنازة رابين
بقلم أودي أديب *

يعرف المجتمع الإسرائيلي وفقاً لـ"وثيقة الاستقلال" والأيدولوجيا الرسمية بأنه مجتمع يهودي، أي أنه مجتمع توحده مشاعر الأخوة وحس الهوية اليهودية لأشخاص متماثلين، ولكن دراسة المجتمع الإسرائيلي اليوم تظهر أنه مجتمع ممزق اجتماعياً وثقافياً وأيدولوجيا، فإسرائيل شأنها شأن شمال أيرلندا هي "دولة دون إجماع".

محاولات الدمج الأولى
كان المجتمع الإسرائيلي في الخمسينيات والستينيات مجتمعاً أيدولوجياً مجنداً يقف كرجل واحد إزاء "العالم العربي" المحيط به. لقد حاولت مجموعة الإسرائيليين الأولى من المهاجرين في هذه السنوات بواسطة سياسة "دمج الجاليات" و"الصهر" واستيعاب مجموعات المهاجرين الشرقيين في داخلها من منطلق الطموح إلى خلق شعب إسرائيلي/يهودي جديد، لكن في ظروف الصراع مع المجتمع الفلسطيني والجذور العربية لم تتم عملية الدمج الاجتماعي للمهاجرين الشرقيين بشكل كامل وتدريجي كهدف بحد ذاته، إنما لإخراج الفلسطينيين والعرب من البنية الإسرائيلية. وقد تم فهم الهوية الإسرائيلية الجديدة في الأساس على أنها أيدولوجيا ضد العدو العربي/الفلسطيني الذي وصف بأنه تقليدي، متخلف، وعنيف، وفهمت العروبة على أنها "الأخرى" بالنسبة إلى الإسرائيلية الغربية الحديثة، أي أنها غامضة متحجرة ودونية بشكل مطلق. وأعلن ديفد بن غوريون رئيس الحكومة الأول لدولة إسرائيل على الملأ: لا نريد أن يصبح الإسرائيليون يشبهون العرب، وعلينا أن نحارب روح الشرق التي تفسد المثل والمجتمعات، وأن نحافظ على القيم اليهودية الأصيلة.

أزمة يهود الغرب في فهم الشرق
ارتكزت المقابلة التي قام بها بن غوريون بين "العرب" والقيم اليهودية الأصيلة على مفهوم أوروبي لأمم الفترة الكولونيالية الحديثة، ويمثل الغرب فيها المثل العالمية للثقافة والتنور، في حين مثل الشرق الأساس التقليدي المحدد، وهكذا يفسر المتحدثون باسم المجموعة الإسرائيلية الأوروبية بأنه لم تكن هذه سياسة تمييز مقصودة ضد المهاجرين الشرقيين لتنحيتهم، وإنما أدى غياب المهارات التعليمية المهنية لديهم إلى عدم اندماجهم في البنية الإسرائيلية الحديثة.

وفهم هؤلاء المتحدثون "الشرقَ" على أنه حاصل من دون ذات تاريخية وتنقصه القدرة على الفهم والإدارة الذاتية، بخلاف الغرب العقلاني الحديث. وتلازم استثناء الهوية العربية الشرقية من البنية الإسرائيلية حتماً مع استئثناء الهوية اليهودية الشرقية، وأصبحت الثقافة العبرية -ثقافة المجموعة الإسرائيلية الأولى- هي الثقافة السائدة ونحيت الثقافة اليهودية الشرقية، وهكذا لم تتم عملية الاستيعاب الإسرائيلية من القاعدة فصاعداً بمنهجية تضع اندماج الجماعات اليهودية الشرقية في البنية الاجتماعية الإسرائيلية، وما حصل في الواقع هو أن ثقافة وكينونة المجموعة الإسرائيلية الأولى هي التي فرضت على اليهود الشرقيين الذين وصلوا بعد إقامة الدولة.

المستوطنات والتمييز الإثني الداخلي
ظهرت سيطرة المجموعة الإسرائيلية الأولى في سياسة الاستيطان التي تم تنفيذها بين عامي 1948 و1963 وكان الهدف المعلن لهذا الاستيطان توزيع السكان وتهويد البلاد أي استيطان المناطق الجديدة التي طرد منها الفلسطينيون خلال حرب 1948، ولكن مضمون المشروع عملياً كان إبعاد المهاجرين الشرقيين من المراكز الجغرافية القائمة إلى المناطق الحدودية التي تم الاستيلاء عليها من الفلسطينيين.

يمكن التمييز بين نوعين من موجات الاستيطان في المناطق الحدودية، في الموجة الأولى أقيم 85 كيبوتساً و158 قرية موشاق بين عامي 1949 و1952 أغلبها على طول الحدود الدولية الجديدة. وفي الموجة الثانية التي استمرت من 1950 حتى أواسط الستينيات أقيمت 27 بلدة تطوير و56 قرية موشاق.

ونتيجة لعملية الاستيطان المذكورة فقد سكن 273 ألف مواطن عام 1961 في مدن التطوير و55 ألفاً في القرى وكانت أكثريتهم الساحقة من مواليد دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إن عملية التوطين الجماعي هذه في بلدان التطوير والقرى أصبحت ممكنة بعد أن قامت الدولة بتوفير السكن والأراضي للمواطنين ولم تكن للمهاجرين الشرقيين الذين كانوا ذوي خلفية اجتماعية اقتصادية متدنية أية إمكانية أخرى غير الاستيطان في مناطق التطوير الحدودية.

وتعتبر التوزيعة الاجتماعية للحيز الجغرافي في إسرائيل حيوية لفهم العلاقة بين مجموعة المواطنين الأولى ومجموعة المهاجرين الشرقيين لكونها تحدد بنسبة كبيرة اللامساواة والتقسيم الطبقي، فموقع السكن يؤثر بشكل واضح على إمكانيات التقدم الشخصي، ومستوى التعليم، وجودة الخدمات العامة، والقدرة على الاندماج مع بقية الفئات الاجتماعية، وبالإضافة إلى ذلك ثمة أسوار غير مرئية حول مناطق السكن الحدودية.

بكلمات أخرى تقوم الهيمنة الاقتصادية والثقافية للمجموعة الإسرائيلية الأولى على تنحية مجموعة المهاجرين الجدد إلى المناطق الحدودية حيث تؤكد دولتهم عدم مساواتهم بالنسبة إلى مناطق المركز.


إن التناقض في توطين المناطق الحدودية يكمن في أنه وبشكل ظاهري كان توطيناٌ هدفه تقوية وتعزيز المشروع القومي الإسرائيلي لكنه في الحقيقة وضع بذور الانقسام والتفسخ والصراع
بذور الانقسام
إن التناقض في توطين المناطق الحدودية يكمن في أنه وبشكل ظاهري كان توطيناٌ هدفه تقوية وتعزيز المشروع القومي الإسرائيلي لكنه في الحقيقة وضع بذور الانقسام والتفسخ والصراع التي تهدد اليوم ركائز الوحدة القومية، وهكذا فإن المجتمع الإسرائيلي وعلى غرار المجتمعات الكولونيالية الاستيطانية الأخرى مقسم إلى ثلاث مجموعات فرعية أساسية هي:
1- مجموعة المهاجرين الأولى التي تشكل النخبة الحاكمة وأغلبها من الأوروبيين.
2- شعب محلي (الفلسطينيون).
3- المهاجرون الذين وصلوا إلى البلاد بعد إقامة الدولة وأغلبهم شرقيون.

إن المبنى الإثني المذكور يستند إلى الواقع الذي نشأ في أعقاب حرب 1948 عندما طرد من البلاد و/أو هرب 80% من السكان الفلسطينيين ووصل بدلاً منهم يهود من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جميعهم كانوا من طبقة اجتماعية اقتصادية متدنية. وفي عام 1996 بلغ عدد سكان إسرائيل 5.8 ملايين نسمة تشكل المجموعة الإسرائيلية الأولى واليهود الأوروبيون و/أو الأميركيون نحو 22%، والمجموعة الشرقية تشكل 27%، والفلسطينيون 19%، والمجموعة الرابعة هي المهاجرون الجدد من الاتحاد السوفياتي سابقاً والذين شكلوا حينها 10% من السكان (مواليد البلاد من الجيل الثالث يشكلون 20% ومن الصعب تصنيفهم وفقاً لمجموعاتهم الأصلية).

شواهد التمييز
ثمة معطيات كثيرة تشهد على حالة التمييز والتهميش التي يتعرض لها الشرقيون في المجتمع الإسرائيلي.


من أبرز شواهد التمييز الذي يمارس ضد اليهود الشرقيين ما تشير إليه الدراسات من تدني حصصهم في الأملاك والسكن والتعليم وفرص العمل عن تلك المتاحة لليهود
الأشكناز
الدخل
 إن الفجوة الحاسمة بشكل خاص كامنة في كمية وتراكم الأملاك. وعلى الرغم من نقص المعلومات والدراسات في هذا الموضوع المركزي فإنه يبدو واضحاً أن المجموعة الإسرائيلية الأولى والمهاجرين الأوروبيين الذين وصلوا بعد قيام الدولة يتمتعون بأفضليات مادية، فهم مواطنو الأحياء التي يرتفع فيها ثمن الأملاك باستمرار، ويحصل قسم منهم على تعويضات من ألمانيا. وهم ذوو عائلات صغيرة حصة الأملاك فيها للفرد الواحد كبيرة. وفي سنة 1991 كان دخل العائلة من أصل شرقي يساوي 85.5% من دخل العائلة الأوروبية، وكان دخل الفرد من الشرقيين يساوي 69.6% من دخل الفرد الأشكنازي.

السكن
وفي مجال السكن تظهر فجوة أخرى، ففي سنة 1992 كانت الكثافة السكانية لدى مواليد آسيا وأفريفيا 1.11 فرد للغرفة في مقابل 0.91 لدى مواليد أوروبا وأميركا.

التعليم
والتعبير الأكثر وضوحاً عن أفضلية المجموعة الأوروبية يكمن في مجال التعليم، ففي السنوات ما بين 1975 و1995 لم تتسع فجوات التعليم بين الشرقيين والأشكناز، لكن مقابل التقليص الطفيف في عدد سنوات التعليم ارتفعت النسبة من 77% إلى 88%، أي أن الفرق القائم في التعليم الأكاديمي لم يتغير. وكانت إمكانية الإسرائيلي الأوروبي عام 1995 من الفئة العمرية 25-39 عاماً في أن يكون حاصلاً على شهادة جامعية هي 3.7 أضعاف مما هي لدى الشرقي.

وتبدو هذه المسألة بوضوح أكثر عند النظر في فجوة التحصيل العلمي بين التلاميذ من أصل شرقي والتلاميذ الأشكناز، فهي 12.01% لدى طلاب الصف الرابع، وفي فرصة تحصيل شهادة التعليم الأساسي فإن الفجوات بين الفئتين تساوي 15.8%، وفي المواضيع العلمية تساوي 41.7%، وقل الشرقيون بنسبة 31.9% عن الغربيين في عدد المجازين في المواضيع العلمية، وفي علم الأحياء والتكنولوجيا بخاصة فإنهم يقلون بنسبة 5906%.

هذه الحقيقة لها  تأثير على سوق العمل، وبالتالي على مستوى الدخل، وتخلق تلك الفجوات في الموارد والتعليم بين المجموعة الأوروبية والمجموعة الشرقية تقسيماً طائفياً/طبقياً، فالفقراء وطبقة العمال هم بأغلبيتهم شرقيون، والطبقة الوسطى مختلطة مع تمثيل فائض للأشكناز، في حين تكون الطبقة الوسطى العليا والنخبة من الأوروبيين بشكل واضح. هذه هي بنية مستقرة تؤيد ذاتها كما يتبين من توريث الفجوة من جيل الآباء مواليد الخارج لجيل مواليد البلاد.

مظاهرات ضد باراك
التصدع وديمقراطية الأزمة
رغم ذلك ظهرت البنية السياسية الإسرائيلية في الخمسينيات والستينيات تحت هيمنة المجموعة الإسرائيلية الأولى على أنها "ديمقراطية إجماعية"، أي ديمقراطية عرفت كيف تحافظ على وحدة واستقرار وضع الشرخ الإثني والطبقي والتناقض الأيدولوجي بين العلمانيين والمتدينين. وبالفعل تبين أنه في ظل سيطرة "ماباي" وحزب العمل حتى عام 1973 عملت البنية السياسية الإسرائيلية بدون أزمات جدية، وظهرت أزمة الحكم في أوجها فقط بعد حرب 1973. واستغلت أحزاب اليمين التقاعس الأمني كي تحرض الجمهور على المؤسسة السياسية لحزب العمل الذي كان مسؤولاً عن التقاعس. في تلك الفترة بدأت الأزمة التي انتهت بـ"انقلاب" عام 1977 خسارة السلطة لصالح اليمين للمرة الأولى منذ إقامة إسرائيل، وتصبح البنية السياسية الإسرائيلية في الظروف الجديدة "ديمقراطية أزموية"، أي ديمقراطية لا تفلح في رأب الصدع الطائفي/ الطبقي/ الأيدولوجي، ولا يسمح المبنى السياسي ذو الكتلتين الذي يظهر منذ الثمانينيات في حل الأزمة لأنه يجبر الحزبين الكبيرين على الأخذ بالحسبان بصورة أكثر الأحزاب الدينية والطائفية التي تميل لحلول أيدولوجية مبدئية متزمتة. وفي الوقت نفسه حدث انقلاب في مكانة الأحزاب الدينية، فالحركة الدينية الصهيونية "المفدال" التي كانت في الخمسينيات والستينيات حزباً متديناً عصرياً تعامل في الأساس بأمور الدين والدولة وكان حليف حزب العمل، أصبح في السبعينيات حزباً أصوليا يمينياً متطرفاً يمثل جمهور المستوطنين في الأراضي المحتلة. وأخذت أحزاب المتدينين المتشددين "الحراديم" التي تمثل المتدينين الأرثوذكس، مكان المفدال في أمور الدين والدولة، ويشكل جمهور المتدينين الأرثوذكس "الحراديم" 6% من مجموع السكان، وهو جمهور يعيش في "غيتوات" معزولة في المدن الكبيرة، وفي الأساس في القدس و"بني براك"، وهو ليس مندمجاً في مجمل البنيات العصرية في الدولة (الاقتصاد، الجيش، التعليم والثقافة).

ما يحدث الآن على الساحة الإسرائيلية هو مواءمة بين التدين واليمينية السياسية في مقابل العلمانية الليبرالية واليسارية.

اليهود الشرقيون ومعاداة العرب
ومن ظواهر الشرخ الاجتماعي في إسرائيل بالإضافة إلى أزمة الديمقراطية العداء للعرب لدى اليهود الشرقيين، وهي تعود إلى أسباب اجتماعية وثقافية متعلقة بموقعهم في المنظومة الإسرائيلية، وليست متعلقة على الإطلاق بالمنشأ و/أو "العقلية الشرقية"، فلو كان المنشأ الشرقي هو السبب في القومية اليمينية لما استمرت الظاهرة لدى اليهود الشرقيين الذين ولدوا في إسرائيل، لكن تظهر الأبحاث أن أبناء الشرقيين في إسرائيل هم أكثر قومية وعداء للعرب من آبائهم أبناء الجيل الأول. وهكذا فإن مصدر الميول القومية المعادية للعرب لدى الجمهور الشرقي ليس مرده إلى تدينه وتقليديته، بل إلى الرسالة التي تبثها الأيدولوجيا الإسرائيلية السائدة.

وبالطبع فإن الدين عامل مهم عندما نحاول تفسير الموقف القومي اليميني للجمهور الشرقي، ولكن يجب عدم فهم ذلك بصورة مبسطة، فليس الدين هو مصدر القومية، ولكن الفهم الديني يتأثر دائماً بمجريات الأمور، الثقافة اليهودية والعداء للعرب ورفض كل تنازل عن الأرض مستقاة من المصطلحات الإسرائيلية ويتم تضخيمها وتأويلها بواسطة المصطلحات اليهودية المتدينة، وعندما تدخل هذه المصطلحات المناخ السياسي الإسرائيلي يصبح تأثيرها أكبر بين الجمهور المتدين التقليدي. وبالفعل فإن جمهور المتدينين الأرثوذكس "الحراديم" اليوم هو الفئة الأكثر يمينية في المجتمع الإسرائيلي.


تصويت جمهور الشرقيين لصالح أرييل شارون مرشح المعسكر اليميني الديني، يعمق ويوسع الشرخ القائم بين الشرقيين "الحراديم" من جهة، وبين المجموعة الإسرائيلية الأولى التي يؤيد معظمها إيهود باراك
إن التفسير السيكولوجي هو أن القومية المعادية للعرب لدى الجمهور الشرقي هي تعبير و/أو إعلان عن انتمائه وولائه للقيم القومية السائدة في المجتمع الإسرائيلي، وقد بالغ اليهودي الشرقي في التماهي مع تلك القيم، وفسرها تفسيراً مغلوطاً وبسبب مكانته المتدينة، مكانة "أناس غير محسوبين" لم يسمح لهم أن يكون شريكاً في نص تلك القيم أو فهم الفرضيات التي تقف وراءها. إضافة إلى ذلك فإن دفع القيم القومية الإسرائيلية إلى التطرف هو شكل شرعي لنقد النخبة السياسية ومطلب للقبول في المجتمع الإسرائيلي وحتى قيادته بفضل ولائهم الأوفى للقيم العينية لذلك المجتمع.

وأخيراً من الواضح أن تصويت جمهور الشرقيين لصالح أرييل شارون مرشح المعسكر اليميني الديني يعمق ويوسع الشرخ القائم بين الشرقيين "الحراديم" من جهة وبين المجموعة الإسرائيلية الأولى التي يؤيد معظمها إيهود باراك.
أرييل شارون من جهته وعلى الرغم من تأكيده على المصالح والوحدة، فهو يعمق بدوره أيضاً الشرخ بين هاتين المجموعتين، وبالتالي فهو يضعف أكثر فأكثر أسس الديمقراطية الإسرائيلية المهتزة أصلاً.

الخريطة السياسية في إسرائيل
الليكود
من أجل فهم التطورات داخل حزب الليكود لا بد من إلقاء بعض الضوء على الفترة من 1977-1996، ففي عام 1977 حدث انقلاب سياسي في إسرائيل حيث فاز الليكود في الانتخابات، وكان ذلك فوزاً للتوجه الأيدولوجي القومي القديم. ولكن بإلقاء نظرة تحليلية نرى أن فوز الليكود كان بداية النهاية للسيطرة للأيدولوجية القديمة بل وفوز التوجه الليبرالي العقلاني من خلال الليبراليين المشاركين لليكود في الحكم، وقد تطورا بشكل متوازٍ، فقد تم التعبير عن الوجه الأيدولوجي القديم من خلال بناء المستوطنات وحرب لبنان، وعن الوجه الليبرالي العقلاني من خلال اتفاقية السلام مع مصر، وازدهار البورصة، وعملية الخصخصة، وهيمنة الأمركة الثقافية والإعلامية.

المفدال
مر حزب المفدال بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة بعملية تطور نحو اليمين حتى أنه يعتبر اليوم ممثل المستوطنين بالرغم من أن المستوطنين أقلية، ولكنهم قوة منظمة ومؤثرة.
تأسس حزب المفدال عام 1956 بعد توحيد الحزبين الدينيين الصهيونيين "همزراحي" و"هبوعل همزراحي" وقد تميز الحزب في العقد الأول من تأسيسه بكونه حزباً دينياً روحانياً أكثر من كونه سياسياً أيدولوجياً.

ولكن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وسيطرتها على أرض فلسطين قد أثار روح الحماس المسيانية عند بعض قادة وحاخامات المفدال، وزاد تأثر وقوة حركة شبيبة الحزب "بني عكيفا" والذين كانوا المحرك والقوة الدافعة للحزب، ففي بداية السبعينيات شكلت مجموعة من حركة الشبيبة حركة "غوش إيمونيم" التي أصبحت الكتلة المسيطرة والحاكمة داخل المفدال. وتبلورت سياسة المفدال بإيحاء وتأثير وقيادة غوش إيمونيم والتي كرست الهوية الدينية اليهودية ليس فقط بمفاهيم روحانية وإنما بشكل عملي من خلال إقامة المستوطنات. إن المزج بين المفاهيم الروحانية والسياسية العملية هي أساس الفكر القومي اليميني الذي مثله المفدال.

الصراع الديني العلماني في الكنسيت
العمل
يعتبر حزب العمل تاريخياً وأيدولوجياً حزب المؤسسة الصهيونية الإسرائيلية القديمة. ورغم انخفاض قوة الحزب في السنوات العشرين الأخيرة إلا أنه ما يزال يمثل حسب رأي عالم الاجتماع الإسرائيلي "نخبة حاكمة متماسكة وصاحبة قوة وصلاحيات".

فقد قاد حزب العمل (ماباي سابقاً) الدولة والاستيطان الصهيوني منذ فترة الانتداب البريطاني وحتى عام 1977. وتمتع الحزب بأداة تنظيمية قوية نجحت في السيطرة على النظام السياسي الاقتصادي والعسكري في البلاد، وبالتالي تماثل السكان مع القيم الأساسية للمجتمع الإسرائيلي التي يمثلها الحزب.

فشلت هذه النخبة القديمة في إعداد جيل جديد يرثها، وانتقلت السيطرة بعدها إلى قيادة نخبة اليمين الجديدة في إسرائيل. إن مبدأ "الإجماع القومي" في إسرائيل كان نتاج فكر المبادئ والذي نفذ سياسة معادية للفلسطينيين والعرب مدة لا تقل عن عشرين عاماً بعد عام 1948، فقد رأى "ماباي" الفلسطينيين والعرب من منظار البندقية فقط. ولكن حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وحرب لبنان عام 1982 واندلاع الانتفاضة عام 1987 ساعدت على ابتعاد حزب العمل عن التوجهات اليمينية العسكرية.

الصوت الروسي
تأسس حزب "يسرائيل بعاليه" (إسرائيل الهجرة) عام 1996 من قبل شيرانسكي ومجموعة من المهاجرين الروس القدماء، وعمل الحزب على تمثيل مصالح ومطامع الروس وتمثيلهم في النظام السياسي الإسرائيلي، وقد كان الشعور بالإحباط والتمييز وخيبة الأمل أرضاً خصبة ليبني الحزب أسسه عليها.

سياسياً يقع الحزب في المركز على يسار الليكود ويمين العمل حيث يرفض التفاوض حول القدس وإخلاء المستوطنات. وثقافياً وحضارياً يعمل الحزب على الحفاظ على الهوية والحضارة الروسية الأوروبية التي يمثلها المهاجرون، وظهرت بعض الخلافات في الآونة الأخيرة داخل صفوف الحزب مما أدى إلى ترك بعض الأعضاء الحزب وانضمامهم إلى حزب أفيغدور ليبرمان، ولكن ذلك سيكون تأثيره هامشياً.

إن تأسيس حزب روسي جديد "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان انبثق من دوافع شخصية محضة ولكي يبرز الجانب القومي اليميني في التجمع الروسي. لقد أقيم الحزب على أساس إثني ولكن في جوهره يتبنى سياسة الليكود فهو حزب "الليكود الروسي".

ميريتس
تمثل حركة "ميريتس" توجهاً ليبرالياً عقلانياً منفتحاً يتماشى مع روح العصر والعولمة ويقبل الحوار والمصالحة مع الفلسطينيين، والانتقاد الموجه للحركة أن أيدولوجيتها مازالت مرتبطة بجذور الصهيونية الشرق أوروبية رغم أنها على المستوى العملي واليومي تظهر مواقف معتدلة وبراغماتية، وينقص الحركة النظرية الشمولية بالنسبة للعلاقة مع الفلسطينيين على أساس المساواة. فعلى سبيل المثال لا الحصر. ما زال موقف الحركة من قضية القدس موقفاً (صهيونياً متزمتاً).
ـــــــــ
* أودي أديب:
كاتب وأكاديمي إسرائيلي ينتمي إلى اليسار الراديكالي.
ولد عام 1946 في كيبوتس صهيوني يساري، يتبع لحركة ميام.
وبعد حرب 1967 انتسب لحركات يسارية مثل "ماتسبين" ودخل في نشاط سري مع مجموعة من النشطين الفلسطينيين (مجموعة داوود تركي). وبسبب ذلك فقد حكم عليه بالسجن لمدة 17 سنة.
درس في جامعة تل أبيب، وأكمل دراسته في جامعة لندن،
يعمل بالتدريس في الجامعة المفتوحة، كلية العلوم السياسية.
ناشط في حركات يسارية راديكالية متضامنة مع الشعب الفلسطيني.