محمد السيد غنايم*

سجل اليمنيون في ذاكرة تاريخهم عام 1991 على أنه بداية تحولهم نحو الديمقراطية، فقد شهد هذا العام إقرار المواطنين لدستور دولة الوحدة عبر استفتاء شعبي عام، وهو ما اعتبروه في حد ذاته أول إنجاز سياسي عقب قيام الوحدة عام 1990.

وقد ضمنت بنود الدستور الجديد لكافة المواطنين حرية الرأي والمساواة أمام القانون والعمل بمبدأ التعددية السياسية بما في ذلك الحق في إنشاء التنظيمات المهنية والنقابية والسياسية وفق ما أقره قانون الأحزاب السياسية، والذي بمقتضاه تشكل في اليمن أكثر من 22 حزبا سياسيا. كما نص أيضا على مبدأ الاحتكام إلى صندوق الانتخابات بغرض التداول السلمي للسلطة.

مرت اليمن منذ ذلك الوقت بأربع تجارب انتخابية بدأت أولها في أبريل/ نيسان 1993 لاختيار مجلس نواب منتخب على أساس حزبي متعدد لأول مرة في البلاد، وكان آخرها عام 2001 حيث جرت انتخابات محلية واستفتاء على تعديلات دستورية، وقد تخلل هذه الفترة تجربة واحدة للتنافس على مقعد الرئاسة في الانتخابات التي جرت عام 1999.

وفي هذا التقرير نحاول إلقاء مزيد من الضوء على هذه التجارب الانتخابية مركزين على نسبة المشاركة السياسية فيها والنتائج التي تمخضت عنها إضافة لقراءة مبسطة في هذه النتائج.

مواطن يمني يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع
انتخابات 1993:
بلغ عدد المرشحين لعضوية مجلس النواب في هذه الانتخابات 3181 مرشحا في كافة الدوائر الانتخابية البالغ عددها 301 دائرة على مستوى اليمن، بينهم 41 امرأة فقط بنسبة 1.3% من إجمالي المرشحين. ومن بين العدد الإجمالي المذكور كان هناك 1215 مرشحا باسم أحزاب سياسية، والباقي وهو العدد الأكبر المقدر بـ1966 مرشحا كانوا مستقلين.

شهدت هذه الانتخابات إقبالا من الناخبين المسجلين بلغت نسبته 84%، في حين قدرت نسبة الإقبال قياسا لعدد المواطنين -غير المسجلين- الذين هم في سن الانتخاب حوالي 43% فقط أي أقل من النصف. ورغم ذلك اعتبرها المراقبون نسبة مرتفعة بسبب الخصوصية اليمنية بما تشمله من اعتبارات اجتماعية ومعيشية، إضافة لكون هذه الانتخابات أول انتخابات عامة تشهدها البلاد.

وأسفرت النتائج عن سيطرة الأحزاب الرئيسية الثلاثة وهم المؤتمر الشعبي وحزب الإصلاح والحزب الاشتراكي على نسبة 81% من مقاعد مجلس النواب على النحو التالي:

  • 41% للمؤتمر الشعبي بواقع 122 مقعدا.
  • 21% لحزب الإصلاح بواقع 63 مقعدا.
  • 19% للحزب الاشتراكي بواقع 56 مقعدا.

كما حصل المستقلون -رغم كثرتهم- على نسبة 16% بواقع 48 مقعدا فقط بالمجلس، واستحوذت خمسة أحزاب أخرى على الـ3% الباقية من عدد المقاعد، في حين لم تتمكن الأحزاب الباقية وعددها 14 حزبا من الحصول على أي مقاعد.

وقد عكست هذه النتائج عدة مؤشرات نذكر منها الآتي:

  1. سيطرة الحزبين الحاكمين (الشعبي والاشتراكي) على نسبة 60% من المقاعد.
  2. تمكنت ثمانية أحزاب فقط من بين 22 حزبا سياسيا من الحصول على مقاعد بالمجلس.

انتخابات 1997:
جاءت انتخابات عام 1997 في ظل ظروف سياسية عصيبة مرت بها البلاد كان أبرزها رفض الحزب الاشتراكي لنتيجة الانتخابات البرلمانية الأولى عام 1993، وافتعاله أزمة سياسية حاول فيها العودة لمرحلة الانفصال لكنه مني بالهزيمة في يوليو/ تموز 1994 وحافظت البلاد على وحدتها.

علي سالم البيض زعيم الحزب الاشتراكي وقائد المحاولة الانفصالية
أدى ذلك إلى خروج الحزب الاشتراكي من الائتلاف الحكومي وانحسار تأثيره كرد فعل للمحاولة الانفصالية الفاشلة، مما اضطره لإعلان مقاطعته للانتخابات البرلمانية التالية في العام 1997، وصعد تجمع الإصلاح ذو التوجه الإسلامي ليحتل المرتبة الثانية مباشرة في تسلسل الأحزاب الرئيسية باليمن.

وقد شهدت البلاد في تلك الفترة التي أعقبت حرب 1994 أزمة اقتصادية كان من أهم مظاهرها ازدياد حدة الفقر وتفشي البطالة، وكان هذا هو المناخ السياسي والاقتصادي الذي جرت انتخابات 1997 في ظله، الأمر الذي انعكس سلبا على نسبة المشاركة في تلك الانتخابات من قبل المرشحين (12 حزبا فقط ومقاطعة 3 أحزاب) ومن قبل الناخبين المسجلين كذلك الذين قدرت نسبتهم آنذاك بحوالي 61% فقط قياسا إلى نسبة الـ84% في الانتخابات السابقة.

وأسفرت النتائج عن حصول حزب المؤتمر الشعبي الحاكم على أغلبية مقاعد مجلس النواب بنسبة 62%، تلاه حزب الإصلاح الذي حصل على 18% من إجمالي المقاعد.

الرئيس اليمني يدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع

انتخابات الرئاسة 1999:
في 23 سبتمبر/ أيلول 1999 جرت في اليمن أول انتخابات رئاسية مباشرة، تقدم للترشيح فيها 24 مواطنا بعضهم من الأحزاب السياسية المختلفة والبعض الآخر من المستقلين.

ووفق الدستور اليمني يتم انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من قبل الشعب في انتخابات تنافسية يشترك فيها ثلاثة مرشحين على الأقل، كما يشترط أن يحصل المرشح على تزكية 5% على الأقل من أعضاء مجلس النواب ليتمكن من خوض هذه الانتخابات. ولا يسمح وفق هذا الدستور أن يبقى رئيس الجمهورية في منصبه لأكثر من ولايتين متتابعتين مدة كل منهما خمس سنوات فقط.

ورغم ذلك فقد حصل مرشحان اثنان فقط من الـ24 مرشحا على تزكية مجلس النواب لخوض هذه الانتخابات أحدهما هو الرئيس اليمني علي عبد الله صالح والآخر مرشح مستقل يدعى نجيب قحطان الشعبي.

وبلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات حوالي 67% من إجمالي نسبة الناخبين المسجلين وفق الإحصاءات الرسمية اليمنية. وأسفرت هذه الانتخابات عن فوز الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بمنصب رئيس الجمهورية بحصوله على نسبة 96.2% صوتا من إجمالي نسبة المصوتين.

الانتخابات المحلية وتعديل الدستور 2001:
مثلت هذه الانتخابات المحلية التي جرت في فبراير/ شباط 2001 بداية انفصال عرى ما وصف بالتحالف الإستراتيجي بين حزب المؤتمر الحاكم وحزب الإصلاح ذي التوجه الإسلامي وأكبر أحزاب المعارضة، إثر المنافسة القوية التي واجهها الأول من قبل حزب الإصلاح في تلك الانتخابات، والتي تطورت لحد المواجهات الدموية في بعض الدوائر بين أنصار الحزبين، كما اتهمت المعارضة الحزب الحاكم بإحداث تزوير في قوائم تسجيل الناخبين وبالتلاعب في النتائج. ومنذ ذلك الوقت اعتبر الحزب الحاكم أن الإسلاميين الممثلين في حزب الإصلاح هم المنافس الأول والخصم العنيد له.

عبد المجيد الزنداني من حزب الإصلاح الإسلامي

وقد تنافس في هذه الانتخابات حوالي 23 ألف مرشح بينهم 120 امرأة على سبعة آلاف مقعد محلي.

وتزامنت هذه الانتخابات مع استفتاء شعبي على تعديل بعض مواد الدستور تضمنت الآتي:

  • تمديد ولاية مجلس النواب اليمني من أربع إلى ست سنوات.
  • إلغاء حق الرئيس في إصدار قرارات جمهورية بقوانين أثناء عطلة مجلس النواب.

إضافة لتعديلات أخرى أقر مراقبون أنها هدفت لدعم وضع الرئيس اليمني وحزبه الحاكم الذي يتزعمه، وهذه التعديلات هي:

  • تمديد فترة ولاية رئيس الجمهورية من خمس إلى سبع سنوات (الأمر الذي يفتح الباب دستوريا أمام الرئيس للحكم حتى عام 2013).
  • تخويل الرئيس سلطة تعيين أعضاء مجلس الشورى البالغ عددهم 111 عضوا (الأمر الذي قد يؤدي لتحييد دور مجلس النواب المنتخب وبالتالي هيمنة غير مباشرة للسلطة التنفيذية على عملية سن القوانين، وهو ما أبدت المعارضة قلقها إزاءه).

وقد أعلنت لجنة الانتخابات اليمنية عن نتائج أولية لهذه الانتخابات، ولم تعلن نتائج رسمية أبدا لها نظرا للنزاعات التي حدثت بين أنصار المرشحين على التجاوزات التي وقعت في 20% على الأقل من مراكز الاقتراع، وأوضحت اللجنة أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 36% من إجمالي عدد الناخبين وافق حوالي 73% منهم على التعديلات الدستورية السابقة.

أما بالنسبة لنتائج الانتخابات المحلية فكانت كالتالي:

  • حصل حزب المؤتمر الشعبي الحاكم على 3771 مقعدا بنسبة 61% من إجمالي نسبة المقاعد المحلية.
  • حصل حزب التجمع اليمني للإصلاح على 1433 مقعدا بنسبة 23%.
  • حصل المستقلون على 749 مقعدا بنسبة 12%.
  • حصل الحزب الاشتراكي على 218 مقعدا بنسبة 4%.

في حين توزعت بقية المقاعد على الأحزاب الأخرى بنسب ضئيلة والتي منها الحزب الناصري والبعث والحق وحزب التحرير.

بقي أن نقول إن المراقبين لم يغفلوا مسيرة سنوات من العمل الديمقراطي على الساحة اليمنية واصفين هذا التحول الذي بدأت ملامحه في التشكل منذ عام 1993 وصولا لإجراء أول انتخابات رئاسية عام 1999 بأنه ميلاد التطور الديمقراطي في الجزيرة العربية في تاريخها الحديث.
_______________
*
الجزيرة نت
المصادر:
1-
د. ياسين الشيباني، دراسة بعنوان "الفقر والديمقراطية" مع تطبيق على الحالة اليمنية.
2-
مسيرة الديمقراطية في اليمن، اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاءات.
3- الدستور اليمني، المركز الوطني للمعلومات
4- الإصلاح السياسي في العالم العربي، التقرير الإستراتيجي العربي.
5- أرشيف موقع الجزيرة نت الإخباري.