لم يتحقق لمصر أي مردود اقتصادي يذكر بعد 30 عاما من السلام مع إسرائيل (الجزيرة-أرشيف)

ممدوح الولي

لعب الإعلام المصري دورا رئيسيا في الترويج لمعاهدة السلام مع إسرائيل باعتبارها بابا لرخاء سيحسن مستوى معيشة المصريين، وذلك من خلال تقليل الإنفاق العسكري وزيادة المساعدات الأميركية والغربية لمصر، حتى أن الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات استخدم تعبير أن المصريين "سيأكلون بملعقة من ذهب".

انهاء المقاطعة
وتضمنت معاهدة السلام مع إسرائيل إنهاء المقاطعة الاقتصادية، ولذلك بدأ عدد من رجال الأعمال المصريين في تصدير بعض السلع إلى إسرائيل. ورغم تشهير بعض صحف المعارضة ببعضهم، فإن عمليات التجارة تزايدت بمرور الوقت، وتم نوع من التعاون في المجال الزراعي تضمن توجه بعثات مصرية زراعيه إلى إسرائيل وقدوم خبراء إسرائيليين إلى مصر.

وواكب ذلك زيادة معدلات السياحة بين مصر وإسرائيل في كلا الاتجاهين، حيث أتاحت المعاهدة للإسرائيليين دخول مصر عبر منفذ طابا دون تأشيرات.

"
تدخلت الإدارة الأميركية في وقت حساس كان الرئيس مبارك يسعى فيه لتمديد حكمه لفترة رئاسية جديدة، وانتهزت أميركا الفرصة للضغط على مصر لتحقيق عدد من المكاسب لإسرائيل
"
وعلى الجانب الآخر اتجه عدد من رجال الأعمال المصريين لزيارة إسرائيل، وتبع ذلك سفر عدد من الشباب الباحثين عن فرصة عمل، حتى بلغ عدد هؤلاء نحو سبعة آلاف عام 2005، تزوج بعضهم من فلسطينيات من عرب 48.

وعمل هؤلاء بالمحلات وفي الأعمال الحرة البسيطة، وزادت معدلات هجرتهم ما بين عامي 1994 و1997، ثم انخفضت بعد ذلك، كما ذهب بعض المصريين إلى إسرائيل للعلاج.

وواكب ذلك تنظيم مؤتمرات إقليمية لرجال الأعمال العرب والإسرائيليين عقدت في مصر والمغرب والأردن، تم خلالها مناقشة أوجه التعاون الإقليمي وطرح إقامة بنك إقليمي لتمويل المشروعات المشتركة. وزادت استثمارات رجال أعمال عرب في البورصة الإسرائيلية، واتجهت استثمارات إسرائيلية إلى مصر في شكل إقامة مشروعات.

كما تمت استثمارات إسرائيلية في البورصة المصرية، وظهر شكل من أشكال التشاور والزيارات مع بنوك مصرية، إلا أن الأمر لم يصل حد إنشاء بنك مشترك كما كانت تهدف إسرائيل.

التمديد لمبارك واتفاقية الكويز
وشهدت بعض الفترات انخفاضا لحجم التبادل التجاري بين البلدين في ظل تكرار الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين واللبنانيين. وحدث فتور في العلاقات السياسية والتجارية بلغ حد سحب مصر سفيرها من إسرائيل مرتين.

ولذلك تدخلت الإدارة الأميركية في وقت حساس كان الرئيس المصري خلاله يسعى لتمديد حكمه لفترة رئاسية جديدة، وانتهزت الفرصة للضغط على مصر لتحقيق عدد من المكاسب لإسرائيل تضمنت إعادة السفير المصري إلى تل أبيب والإفراج عن جاسوس إسرائيلي، بل وتوقيع اتفاقية الكويز التي رفضتها مصر من قبل، حيث ذكر رجال أعمال مصريون وقتها أن الحكومة مارست ضغوطا عليهم لإعلان موافقتهم على الاتفاقية.

وكانت الإدارة الأميركية قد رفضت توقيع اتفاقية تجارة حرة مع مصر مثلما فعلت مع دول عربية أخرى كالأردن والبحرين والمغرب، حتى تدفع الحكومة المصرية إلى طريق التوقيع على الكويز، ورغم وجود بدائل ترتيبات تجارية تفضيلية أميركية تستخدمها مع دول أخرى.

كما أضافت الاتفاق على إمداد إسرائيل بالغاز الطبيعي المصري عبر خط أنابيب خاص يعبر مياه البحر الأبيض المتوسط ولا يمر بالأراضي الفلسطينية.

محدودية التبادل التجاري
وفي ما يخص تقييم استفادة مصر من التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، فإن حجم التجارة المصرية الإسرائيلية بعد مرور ثلاثين عاما على المعاهدة ما يزال محدودا، حيث بلغ عام 2007 -حسب البيانات الإسرائيلية- نحو 248 مليون دولار بنسبة 0.2% من إجمالي تجارتها.

وبلغت الصادرات الإسرائيلية إلى مصر 154 مليون دولار بنسبة 0.3% من إجمالي صادراتها، ووارداتها من مصر 94 مليونا بنسبة 0.2% من إجمالي وارداتها، وبما يشير إلى تحقيق إسرائيل فائضا تجاريا استمر منذ بدء التعامل.

"
بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وإسرائيل في عام 2007 -حسب البيانات الإسرائيلية- نحو 248 مليون دولار بنسبة 0.2% من إجمالي تجارتها
"
وحسب بيانات مصر لتجارتها مع إسرائيل، فإن حجم التجارة بلغ 159 مليون جنيه عام 2006، وهو ما يشكل نسبة 0.1% من إجمالي تجارة مصر مع دول العالم.

وساهم توقيع اتفاقية الكويز أواخر عام 2004 في ارتفاع حجم التجارة، وهو أمر يضطر إليه المصدرون المصريون، حيث تشترط أميركا لنفاذ الصادرات المصرية إلى أسواقها بلا جمارك أن تكون متضمنة مكونا إسرائيليا.

والغريب أنه بعكس ما تذكره البيانات الإسرائيلية، تشير البيانات المصرية إلى تحقيق مصر فائضا في تجارتها مع إسرائيل حيث تذكر أن الصادرات المصرية إلى إسرائيل بلغت 114 مليون جنيه عام 2006، مقابل 45 مليونا لوارداتها من إسرائيل، وهي بيانات تقل أيضا في قيمتها عما تعلنه إسرائيل.

وتضمنت نوعيات الصادرات المصرية إلى إسرائيل البترول مكونا رئيسيا، وكانت نسبته في كثير من السنوات تتجاوز 90% من الإجمالي، إلى جانب الكيماويات والخضراوات الطازجة، بالإضافة إلى كميات ضئيلة من الحبوب والأثاث الخشبي والمنسوجات القطنية. كما تضمنت الواردات المصرية من إسرائيل الآلات والأجهزة والمصنوعات الحديدية والصابون والبلاستيك ومصنوعاته والورق ومصنوعاته.

الكويز لم تحقق مطالب مصر
وكان مبرر الترويج الرسمي المصري للتوقيع على اتفاقية الكويز هو التغلب على مشكلة انتهاء العمل بنظام الحصص مع بداية عام 2005، والحفاظ على العمالة بمصانع الغزل والنسيج المصرية، وزيادة العمالة بها بنحو 400 ألف فرصة عمل.

غير أن واقع الاستفادة المصرية من الكويز لم تكن بنفس التوقعات العالية التي تم ترويجها وقتها، فلم تستوعب مصانع النسيج آلاف العمال الجدد كما قيل، بل إن بعض تلك المصانع استعانت بعمالة آسيوية للعمل بها، وحصل عدد قليل من رجال الأعمال على النصيب الأكبر من صادرات الكويز، حتى إن نسبة الشركات التي قامت بالتصدير الفعلي في إطار الكويز مقارنة بعدد الشركات المسجلة به بلغت 23% أواخر عام 2008.

وإذا كان البعض يشيد بالكويز لإسهامها في رفع قيمة الصادرات المصرية إلى أميركا، فإن الخبراء يردون بأن الأرقام تشمل الصادرات عبر الكويز وغيره، ثم إن هناك عوامل أخرى ساهمت في زيادة الصادرات المصرية للسوق الأميركية، أبرزها تراجع سعر الدولار، وكذلك الدعم الذي قدمته الحكومة المصرية للمصدرين.

كما يشير الخبراء إلى انخفاض الصادرات المصرية إلى أميركا عام 2008 رغم ارتفاع سعر البترول الخام خلاله، والذي يشكل جانبا كبيرا من الصادرات.

"
ساهم توقيع اتفاقية الكويز عام 2004 في ارتفاع حجم التجارة مع إسرائيل، وهو أمر اضطر إليه المصدرون المصريون، حيث تشترط أميركا لنفاذ الصادرات المصرية إلى أسواقها بلا جمارك أن تكون متضمنة مكونا إسرائيليا
"
وكان القطاع  الرئيسي الذي استفاد من الكويز هو قطاع الملابس دون غيره، حيث حدثت أحيانا صفقات ضئيلة لمنتجات غذائية، وأثر ذلك على نوعية واردات مصر من إسرائيل في إطار الكويز، لتتركز في الأقمشة والسوست والخيوط والشماعات البلاستيكية والكرتون والأستك والبطانة ولوازم التغليف. ويشكو المصدرون المصريون من رداءة المنتج الإسرائيلي وارتفاع سعره مقارنة مع مثيله في دول أخرى.

سبع شركات في 30 عاما
وبالنسبة للاستثمارات المباشرة للإسرائيليين في مصر، وحسب البيانات المصرية، فقد بلغ عدد الشركات التي ساهم فيها الإسرائيليون حتى منتصف عام 2007 نحو شركتين فقط بنظام الاستثمار الداخلي بنسبة 0.1% من إجمالي عدد الشركات، بقيمة مساهمه 4.8 ملايين جنيه مصري بنسبة 0.01% من إجمالي كل الدول.

والأمر نفسه للشركات الإسرائيلية التي تعمل بنظام المناطق الحرة في مصر، فقد بلغ عددها خمس شركات من إجمالي 395 شركة بنسبة 1.3%، بقيمة مساهمة 183 مليون جنيه بنسبة 1.8% من إجمالي كل الدول.

محدودية السياحة
ونفس محدودية التجارة والاستثمار تكررت مع السياحة المصرية المتجهة إلى إسرائيل، والتي بلغت حسب البيانات الإسرائيلية عام 2007 نحو 2700 سائح بنسبة 0.1% من إجمالي السياح الواصلين إليها.
وعلى الجانب الآخر وحسب البيانات المصرية، فقد بلغ عدد السياح الإسرائيليين الواصلين إلى مصر عام 2006 نحو 171 ألفا بنسبة 1.9% من الإجمالي، مع الأخذ في الاعتبار سهولة دخولهم لمدن جنوب سيناء بلا تأشيرات.

وفي ما يخص مردود السياحة الإسرائيلية على مصر، فإن قلة إنفاق السائح الإسرائيلي جعلت الاستفادة المصرية منها محدودة، فالسياح الواصلون إلى مدن جنوب سيناء يحضرون بسياراتهم الخاصة المحملة بكل اللوازم من مأكولات ومستلزمات، مما يؤدي إلى تدني الإنفاق بشكل كبير.

وحتى السياح الإسرائيليون الواصلون إلى باقي المدن المصرية فإنها غالبا من النوع الذي يرتاد المطاعم الشعبية ويستخدم المواصلات العامة المدعمة، كما أن تلك السياحة تتكلف نفقات أمنية عالية لتأمينها، إلى جانب تحطيمها للشعاب المرجانية التي تكونت عبر آلاف السنين، والآثار الأخلاقية السلبية وظهور حالات الإصابة بالإيدز.

"
تضمنت نوعيات الصادرات المصرية إلى إسرائيل البترول مكونا رئيسيا، وكانت نسبته في كثير من السنوات تتجاوز 90% من الإجمالي
"
إسرائيل هي المستفيد
وفي ما يخص استفادة إسرائيل من المعاهدة اقتصاديا، فقد حصلت السفن الإسرائيلية والشحنات المتجهة من إسرائيل وإليها على حق المرور الحر بقناة السويس ومداخلها. كما حصلت على سوق متسعة لمنتجاتها، إضافة إلى أن إقامة علاقات اقتصادية مع مصر فتح الباب أمام إسرائيل لإقامة علاقات اقتصادية مع دول عربية أخرى، وجعلها أيضا تحصل على البترول المصري، حيث إن نسبة الاكتفاء به تبلغ 2.6%، إضافة إلى حصولها على الغاز الطبيعي المصري.

تزايد أضرار مصر
وواكب معاهدة السلام مع إسرائيل انخراط مصر في تعزيز علاقتها بالمعسكر الغربي، حيث أصبح غالب تجارتها مع أوروبا والولايات المتحدة، وزاد معدل عمليات تحويل اقتصادها نحو اقتصاد السوق. وبنهاية عام 2008 بلغ عدد الشركات والمصانع التي تمت خصخصتها 282 وحدة إنتاجية بقيمة 53.6 مليار جنيه (نحو 9.5 مليارات دولار).

وواكب عملية السلام تراجع الإنفاق العسكري المصري، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى تراجع نسبة الإنفاق على الدفاع إلى إجمالي إنفاق الحكومة المركزية من نسبة 16.3% عام 1995 إلى 9.9% عام 2006.

ويظل السؤال المحوري مطروحا: هل نجحت عملية السلام من أجل التنمية؟ ويشير واقع الاقتصاد المصري إلى استمرار أمراضه المزمنة، وأبرزها تزايد حدة العجز بالميزان التجاري، وزيادة الدين المحلي واستمرار الديون الخارجية وتدني نسبة الاستثمارات العامة بالإنفاق العام وتفاقم العجز بالموازنة العامة.

كما تراجعت قيمة المساعدات الاقتصادية الأميركية إلى نحو 200 مليون دولار بعدما تجاوزت المليار دولار. ولم يؤد خفض الإنفاق العسكري إلى تحسين معيشة المصريين، حيث ما زالت طوابير الحصول على أنابيب قناني الغاز وطوابير الحصول على الخبز، وانقطاع مياه الشرب وانتشار أمراض نقص التغذية وزيادة معدلات الجرائم، وتوالي الإضرابات الفئوية نتيجة تدني الأجور.

وما زالت أساسيات الحياة اليومية غائبة بالنسبة لغالبية المصريين، خاصة الحد الأدنى من الغذاء والملبس والمواصلات اللائقة، وبما يشير بجلاء إلى الإخفاق التام لمردود عملية السلام بالنسبة للمواطن المصري.
_______________
كاتب مصري

شارك برأيك