محمود عبد الغفار

لم تحظ أي دولة استعمارية في التاريخ الحديث برعاية ودعم مثلما حظيت إسرائيل خاصة من الولايات المتحدة على مستوى المساعدات العسكرية والاقتصادية التي أسهمت بشكل كبير في تمكين اليهود من إقامة دولة على أرض فلسطين عام 1948.

وقد بلغت جملة المساعدات المعلنة من قبل الولايات المتحدة نحو 90 مليار دولار. غير أنه من المفيد أن نقوم بداية باستعراض خمس محطات من المساعدات المعلنة منذ عام 1949 حتى الآن والتي تضاعفت خلالها نحو عشر مرات. وذكر تقرير "خدمة أبحاث الكونغرس" الذي صدر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001 أن إسرائيل أكبر متلق للمساعدات الأميركية السنوية على أساس تراكمي منذ عام 1976.

المرحلة الأولى (49-67) تأرجحت المساعدات عند رقم 60 مليون دولار تقريبا وبنسبة 1% من إجمالي المساعدات الرسمية، وذلك بعد أن طلب الرئيس الأميركي الأسبق ترومان من جيمس ماكدونالد أول سفير أميركي في إسرائيل أن يزوده بالمعلومات عن أنواع المساعدات المطلوبة للنهوض بإسرائيل.

وجاءت المرحلة الثانية عقب هزيمة العرب في حرب الخامس من يونيو/ حزيران 1967 أمام إسرائيل إذ زادت المساعدات إلى 102 مليون دولار حتى عام 1970، وعلق نصير عاروري أستاذ العلوم السياسية بجامعة دارتموث بولاية ماساتشوستش الأميركية على ذلك بأن الولايات المتحدة اعتبرت هذه الحرب "حربا بالوكالة".

وتبع ذلك طفرة كبيرة خلال المرحلة الثالثة (70-74) إذ وصلت إلى مليار دولار.

وشهدت المرحلة الرابعة (74-84) التي تلت حرب السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1973 وانتصر فيها العرب بقيادة مصر على إسرائيل طفرة أكبر وصلت خلالها المساعدات إلى نحو 2.5 مليار دولار وشكلت ما بين 20 إلى 25% من إجمالي المساعدات الرسمية الأميركية لكل دول العالم.

وشهدت المرحلة الخامسة (84 حتى الآن) رفع مستوى العلاقات الخاصة إلى تحالف إستراتيجي في عهد الرئيس رونالد ريغان (80-88) وبلغت المساعدات أعلى معدل لها إذ وصلت إلى 5.5 مليارات دولار أي أكثر من ثلث إجمالي المساعدات الخارجية الأميركية.

وذكر د. جودة عبد الخالق الأستاذ بجامعة القاهرة في كتابه "من يساعد إسرائيل" أن هذه المساعدات شملت مبالغ لتوطين اليهود السوفيات، وأن أكثر من ثلثي المساعدات التي حصلت عليها إسرائيل من الولايات المتحدة جاء لأغراض عسكرية فيما جاء نصيب المساعدات الاقتصادية أقل من الثلث، وبهذا تكون المساعدات الأميركية عنصرا حاسما في المقدرة العدوانية لإسرائيل.

الرقم الأسطوري


تكلفة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على دافع الضرائب الأميركي وصلت إلى ثلاثة آلاف مليار دولار حسب قيمة الدولار في عام 2002، وهي تساوي أربعة أضعاف كلفة حرب فيتنام

توماس ستوفر

لكن الاقتصادي الأميركي المخضرم توماس ستوفر المحاضر في جامعتي هارفارد وجورج تاون ذكر أن "تكلفة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على دافع الضرائب الأميركي وصلت إلى ثلاثة آلاف مليار دولار حسب قيمة الدولار في عام 2002، وهي تساوي أربعة أضعاف كلفة حرب فيتنام".

وشمل هذا الرقم الكبير -أو الأسطوري بتعبير ستوفر نفسه- التكاليف السياسية والإدارية والاقتصادية إذ دخل فيها تكلفة ضمانات القروض والتبرعات الخاصة والإعفاءات الجمركية والتسهيلات المصرفية وعائدات السندات.

وضرب ستوفر مثلا لذلك عندما أقر الرئيس الأسبق نيكسون تزويد إسرائيل بالأسلحة لإنقاذها خلال حرب 73 وهو ما شجع العرب على حظر النفط ما ضاعف التكلفة على الولايات المتحدة مما سبب نقصا في البنزين وأفقد واشنطن حوالي 600 مليار دولار من إجمالي ناتجها القومي، كما تكلفت 450 مليار دولار لاستيراد نفط بتكاليف أعلى.

ومن بين هذه الأمثلة أيضا تكلفة المنظمات الخيرية اليهودية التي يتحملها دافع الضرائب الأميركي، ودعم مشروعي طائرة "ليفي" وصاروخ "أرو" الإسرائيليين والعقوبات التجارية التي تخفض الصادرات الأميركية إلى المنطقة العربية، وسلع أخرى تفرض إسرائيل "فيتو" على تصديرها إلى بلدان عربية لأسباب أمنية مزعومة.

وتعد هذه المساعدات أساسية لإسرائيل إذ تعتمد عليها -يضيف ستوفر- كحال اعتماد الدول المصدرة للنفط على النفط، في حين تشكل المساعدات الأميركية منها ما بين 75 و90% وتساهم في تكوين نصف الناتج القومي الإجمالي تقريبا، وليس هناك في المدى المنظور إمكان للتقليل من شأن هذا الاعتماد.

وعلق الكاتب الأميركي وليام هيوز في مقال له بصحيفة الوطن القطرية في الثاني من يوليو/ تموز 2003 على ذلك بأن "ثمن العلاقة الأميركية الفاسدة مع إسرائيل يرتفع يوميا. وأصبحت خزينتنا رهينة لجماعة الضغط الإسرائيلية التي لا حدود لطموحها. إن الجنون الإسرائيلي يستنزف مواردنا بينما لا نستطيع الوفاء باحتياجاتنا القومية الأساسية".

حاملة طائرات رخيصة

عبد الوهاب المسيري
ومن جهته اعتبر د. عبد الوهاب المسيري الخبير في شؤون الحركة الصهيونية في مقابلة له مع الجزيرة الشهر الماضي أن واشنطن تنظر إلى إسرائيل باعتبارها حاملة طائرات أي استثمار إستراتيجي وليس اقتصاديا، مشيرا إلى أن الاستثمار الإستراتيجي يأتي بعائد اقتصادي لكنه غير مباشر.

وأوضح المسيري الأمر قائلا إنه بدون إسرائيل كانت الولايات المتحدة ستضطر إلى وضع ما يقرب من خمس حاملات طائرات في البحر الأبيض المتوسط بتكلفة عشرة بليون دولار، "إلى جانب طبعا المواجهة المباشرة مع العالم العربي، معنى ذلك أن واشنطن كانت ستتحمل ما يزيد على 50 بليون دولار في السنة".

وإذا كانت الولايات المتحدة قد حصدت مكاسب جراء استثمارها الإستراتيجي فيما قبضت إسرائيل ثمن ذلك فإن العرب عامة والفلسطينيين خاصة كانوا أكبر الخاسرين في هذه الصفقة إذ فقدوا أجزاء عزيزة من أرضهم ومئات الآلاف من الشهداء وملايين اللاجئين ناهيك عن خسائر اقتصادية وسياسية واجتماعية يصعب حصرها.
_______________
الجزيرة نت

المصادر:
1-
U.S Financial Aid To Israel:Figures,Facts,and Impact
2- المساعدة الأميركية لإسرائيل: الرباط الحيوي، توماس ر. ستوفر
3- جودة عبد الخالق، من يساعد إسرائيل؟ (القاهرة، المستقبل العربي) ط أولى عام 1985 ص 37.