*بقلم/ عاطف الغمري

جاء الرئيس الأميركي جورج بوش لقمة عربية أميركية في شرم الشيخ، تدفعه مجموعة أسباب:

  • التباحث من موقف يستند إلى نتائج الحرب في العراق، أو ما أسماه كولن باول بالديناميكية الإستراتيجية التي تحرك الأشياء في المنطقة نتيجة ما حدث في العراق.
  • وتهدئة حالة العداء للسياسة الأميركية التي بدأت كرد فعل على سياسة إطلاق يد شارون في الأراضي الفلسطينية، ثم ما تراكم بعدها بسبب الحرب على العراق، وعدم ثبوت المبررات التي استند إليها القرار الأميركي بإعلان الحرب، وهي وجود أسلحة دمار شامل.
  • القيام برحلة للخارج وإلى أكثر المناطق توترا في العالم اليوم حيث ارتبطت بالأمن القومي الأميركي، واستخدمها في تعزيز مركزه في انتخابات الرئاسة القادمة للعام 2004.

وربما تكون هذه أول انتخابات رئاسية في الفترة المعاصرة تتحول فيها قضية سياسية خارجية إلى موضوع رئيسي في الانتخابات، والسبب أن رئاسة بوش كانت قد أصبحت بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 إلى فترة رئاسة حرب، وهو التعبير نفسه الذي وضعته كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي.

برنامج حكومة بوش في الشرق الأوسط


إذا كانت الولايات المتحدة موجودة في العراق بقوتها العسكرية وموجودة سياسيا بنتائج ما حدث في العراق، فإن هذا الوجود محاصر بمشاعر ليست إيجابية وهو مناخ ليس في صالح الولايات المتحدة
والملاحظ أن حكومة الرئيس بوش كان قد تحدد لها برنامج سياسي واضح الملامح للشرق الأوسط من قبل الحرب على العراق بمدة طويلة استند أساسا إلى البنود التي تضمنتها إستراتيجية الأمن القومي الجديد للولايات المتحدة وأعلنها البيت الأبيض رسمياً في العشرين من سبتمبر/ أيلول 2002، والتي تضمنت عدم السماح بظهور قوى منافسة لأميركا إقليميا ودوليا وانتهاج أسلوب الضربة العسكرية الوقائية ضد دولة يحتمل أن تصبح عدوا للولايات المتحدة مستقبلا، بالإضافة إلى الارتباط السياسي والعقائدي بين مجموعة المحافظين الجدد التي تقود السياسة الخارجية من حكومة بوش وبين اليمين الليكودي في إسرائيل والسعي لترتيب أوضاع المنطقة بشكل يوفر لإسرائيل وضعا رئيسياَ من النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية. وهذا أمر شائع ومعروف في واشنطن، حتى أصبح أعضاء هذا الفريق يعرفون في واشنطن باسم الليكوديين المحافظين.

ولذلك كان إحجام حكومة بوش في الشهور الأولى من دخولها البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2001 عن إقحام نفسها في الصراع العنيف الدائر بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإعلان أنها لن تفعل ما فعله كلينتون بالتدخل المباشر في عملية السلام واستهلاك جهد ووقت الرئيس فيها، هو جزء أساسي من موقفها القائم على ترك المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية تأخذ مداها في الشارع، ثم حين تحسم ويتفق الاثنان على التفاوض عندئذ تتدخل الولايات المتحدة. وكان التقدير الأميركي أن القوة العسكرية الإسرائيلية قادرة في هذه المواجهة على كسر الإرادة الفلسطينية وبالتالي تدور المفاوضات على أن يكون الطرف الأقوى هو الذي يفرض إرادته وهي النتيجة التي لم تتحقق حسب التصور الأميركي وظل الفلسطينيون يقاومون القتل والتدمير وهدم المجتمع حتى الآن.

ولقد لاحظنا أنه رغم العنف والتوتر في الأراضي الفلسطينية فإن أول زيارة قام بها وزير الخارجية الأميركي كولن باول حددت العراق كأولوية للسياسة الأميركية وليس ما يجري في الأراضي الفلسطينية.

أهداف ما بعد الحرب على العراق


مسألة إعادة رسم الخريطة الإقليمية لدمج إسرائيل فيها دون أن يتم ذلك وفق الترتيب المنطقي للأمور بمثابة زرع لغم في المنطقة سينفجر في أي لحظة لينسف مثل هذا البناء المتناقض لطبيعة الأشياء
وعندما اتخذ قرار الحرب على العراق لم يكن صدام حسين في حد ذاته يهم أو يعني شيئا ولا كانت أيضا أسلحة الدمار سواء أوجدت أم لم توجد، لكن كانت هناك ثلاثة أهداف للحرب هي التي كان عدد من العسكريين الأميركيين المعارضين للحرب يصفونها بأهداف ما بعد الحرب على العراق وهي:

1- أن تكون العراق ميدان أو محطة إطلاق للإستراتيجية الجديدة للأمن القومي، وطالما أنها إستراتيجية حرب، فالشيء المنطقي أن تكون أولى محطاتها ميدان حرب، وهذا هو طابع أي بناء إستراتيجي جديد للولايات المتحدة، وهو نفس ما حدث قبل أكثر من خمسين عاماً عندما انفرط عقد التحالف بين الولايات المتحدة والغرب من جهة والاتحاد السوفياتي من جهة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبدأت الولايات المتحدة تلاحظ أن حليفها السابق الاتحاد السوفياتي يدعم قيام الحكومات الشيوعية في أوروبا الشرقية، وبعدها تدخل بالدعم العسكري للمتمردين الشيوعيين ضد حكومتهم في اليونان، فظهر ما سمي مبدأ ترومان نسبة إلى الرئيس الأميركي وقتها هاري ترومان الذي تلتزم به الولايات المتحدة بالتدخل بالتأييد العسكري لحكومة اليونان وأي حكومة تواجه تواجه تمردا داخليا يستند إلى دعم عسكري من الاتحاد السوفياتي. وهذا المبدأ الذي ظهر العام 1947 كان هو الأساس لقيام حلف الأطلنطي بعد ذلك ولإعلان الإستراتيجية التي قامت عليها السياسة الخارجية للولايات المتحدة على مدى الخمسين سنة اللاحقة وعرف بإستراتيجية الاحتواء إلى أن أعلن البيت الأبيض في العشرين من سبتمبر/ أيلول 2002 انتهاء العمل بهذه الإستراتيجية وبدء عصر الإستراتيجية الجديدة للسياسة الخارجية في العالم بما في ذلك الشرق الأوسط. وكان التصور لاختيار العراق أرضا للحرب هو أن تتحول هذه الإستراتيجية من خطاب نظري إلى واقع عملي يمتد من العراق بعد ذلك.

2- أن تكون الحرب على العراق زلزالاً يعمل على خلخلة المنطقة وبنيانها وعلاقاتها بحيث تحدث التغييرات التي تريدها الولايات المتحدة في المنطقة نتيجة عاملين أولهما رد فعل الردع النفسي لعملية الخلخلة بحيث تشل الإرادة السياسية للبعض فيتقبل بتأثير الخوف ما كان مترددا أو رافضا لقبوله، وثانيهما بالتداعي الطبيعي لهزة الزلزال في الدول المتاخمة للعراق حيث يعمل الوجود العسكري الأميركي فيها إلى لعب دور بث توترات وضغوط يمكن أن تحرك عناصر داخلية ساكنة. وعندئذ تقدم عروض وخطط ومقترحات لخريطة جديدة لعلاقات المنطقة يراعى فيها أن تكون إسرائيل بالضرورة جزءا رئيسيا منها إن لم تكن هي محورها ومركزها.

3- إتمام تسوية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين ثم إن أمكن في هذه المرحلة استكمالها بالمسارين السوري واللبناني، لكن التركيز الأساسي يكون على المسار الفلسطيني وبالشكل الذي يحقق جانبا من المطالب الرئيسية للفلسطينيين لكن يأخذ في الاعتبار مطالب شارون ورؤيته للتسوية بحيث تكون التطورات الأخيرة أو ما سمي الديناميكية الإستراتيجية التي تولدت مما جرى في العراق بمثابة عنصر ضغط على الجانب الفلسطيني.

أسس الموقف العربي


إذا كان الرئيس الأميركي يحمل مطالب من الدول العربية تتعلق بالأمن ومكافحة الإرهاب ودعم السياسة الأميركية فإن الفرصة سانحة للقادة العرب لتأكيد مشروعية المطالب العربية في الأمن وإنهاء عصر التحيز الأميركي لإسرائيل على حساب الفلسطينيين والعرب
من قلب هذا المناخ السياسي والإستراتيجي جاء الرئيس بوش للقاء قمة في شرم الشيخ مع القادة العرب الستة لكن موقف القادة العرب على الناحية الأخرى له أسس يقوم عليها وهي أسس يمكن أن تكون إيجابية لو تم استثمارها جيدا من ذلك:

أولاً: أن هذه أول فرصة للقاء جماع من قادة عرب مع الرئيس الأميركي بعد مدة طويلة من تغذية المناخ الداخلي في الولايات المتحدة بروح العداء للعرب وبحملات مجهزة جيدا تحاول الترويج لفكرة زائفة تقول إن الإرهاب نشأ أصلاً عقيدة وثقافة للإسلام وإنه ليس وليد ظروف أفراد أو جماعات متطرفة متأثرة بظروف معينة، لكن هذه المجتمعات كلها هي نبع الإرهاب ومصدره، وتلك فرصته لكي يستمع الرئيس الأميركي ومن تجمع عربي على أعلى مستوى لزيف هذه المقولات وبصورة مقنعة ومعززة بالمعلومات والأسانيد المنطقية.

ثانياً: إذا كان الرئيس الأميركي يحمل مطالب من الدول العربية تتعلق بالأمن ومكافحة "الإرهاب" ودعم السياسة الأميركية فإن الفرصة سانحة للقادة العرب لتأكيد مشروعية المطالب العربية في الأمن وإنهاء عصر التحيز الأميركي لإسرائيل على حساب الفلسطينيين والعرب وأن الرأي العام العربي من حقه أن يرى من الولايات المتحدة مواقف تبدد مخاوفه منها وتساعد على نزع فتيل حالة الكراهية العامة للسياسة الأميركية وهي ليست كراهية للولايات المتحدة كدولة ولا للأميركيين كشعب لكنها كراهية لسياسة يشعرون أنها تكن كراهية لهم.

ثالثاً: أن احتلال العراق يحيي ذكريات سيئة في أذهان العرب ويعيد إلى عقولهم صورا من الماضي كئيبة عندما تعرضت بلادهم للاحتلال الأجنبي وأن إنهاء هذا الاحتلال وإعادة مسؤولية إدارة العراق وحكمه ووضع دستور له هو التصرف الوحيد الحكيم الذي ينزع من المنطقة أشواك النظرة المتسمة بالشك وانعدام المصداقية في الولايات المتحدة.

رابعاً: أن مسألة إعادة رسم الخريطة الإقليمية لدمج إسرائيل فيها دون أن يتم ذلك وفق الترتيب المنطقي للأمور بمثابة زرع لغم في المنطقة سينفجر في أي لحظة لينسف مثل هذا البناء المتناقض لطبيعة الأشياء، فالسلام يجب أن يسبق دمج إسرائيل في المنطقة، وهذا هو نفسه كان الأساس الذي أرسته عملية السلام برعاية الولايات المتحدة بعد مدريد العام 1991.

فلقد كان قد تقرر أن يتم الدخول في علاقات طبيعية وتعاون اقتصادي إقليمي بعد أن تكون مسارات عملية السلام قد استكملت بالانسحاب من الأرض التي احتلت عام 1967 وتقرير المصير للشعب الفلسطيني بما في ذلك قيام الدولة المستقلة. أما إذا كنا سنبني وضعا نبدأ فيه بالطابق الأخير نزولاً إلى بناء حجر الأساس بعد ذلك فإن هذا قلب للأوضاع وإقامة بناء هش لا بد أن يسقط من تلقاء إدارته، أي أننا كعرب نطالب بعودة الأشياء إلى أصولها وبعد الخروج على مرجعيات عملية السلام.

وفي هذا اللقاء في شرم الشيخ فإن العرب ليسوا بالضرورة في مركز ضعف، فالأشياء توازن بعضها بعضا بمعنى أن الولايات المتحدة إذا كانت موجودة في العراق بقوتها العسكرية وموجودة سياسيا بنتائج ما حدث في العراق فإن هذا الوجود محاصر بمشاعر ليست إيجابية، وهو مناخ ليس في صالح الولايات المتحدة ثم إنه موقف رأي عام أولاً، والولايات المتحدة بحكم مالها من مصالح إستراتيجية زادت واتسعت في المنطقة تعرف جيدا أن كسب هذا الرأي العام هو الضمان لأمن مصالحها، وهذه نقطة تعزز من موقف القادة العرب وهم يستندون في عرض حجتهم إلى موقف الرأي العام العربي ومطالبه العادلة من الرئيس الأميركي.
_____________
كاتب صحفي في جريدة الأهرام المصرية