شعار هيئة علماء المسلمين في العراق

أصدر قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين بالعراق في 4 يوليو/تموز 2007 فتوى شرعية تحرم تصويت نواب البرلمان العراقي على مشروع قانون النفط والغاز "تحت أي ذريعة"، واعتبرت موافقتهم على القانون إجراء محرما شرعا وباطلا عقدا، ووصفت إقرار القانون بالـ"جريمة" ومن يقره بـ"التواطؤ مع العدو في غصب الأموال العامة".

وفيما يلي نص الفتوى: 

فتوى شرعية

حول قانون النفط والغاز

صادرة عن قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين في العراق

أحيل هذه الأيام مشروع قانون النفط والغاز إلى أعضاء البرلمان العراقي الحالي، بعد ضغط متواصل من قوات الاحتلال الأميركي والبريطاني، بغية التصويت عليه من أجل إقراره.

وإن هيئة علماء المسلمين بعد أن أصدرت بيانها السياسي بهذا الصدد بالرقم (382) في 16/صفر1428هـ الموافق 6/3/2007م وأكدت فيه أن هذا القانون يأتي في سياق صفقات مع المحتل -يبرمها الساسة الذين جاؤوا معه- من شأنها هدر أكبر ثروة وطنية يملكها أبناء البلد، نظرت إلى هذا القانون من الناحية الشرعية وأصدرت هذه الفتوى.

الفتوى

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فإن المال في الأصل لله سبحانه، فهو مالك الملك، قال الله تعالى {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقال سبحانه {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}.

ولقد أقر الشرع الحنيف للإنسان بحيازة المال وفق كيفية معينة تعرف بأسباب التملك، فعرف أنه لايثبت حق التملك الا بإقرار الشرع واعترافه به، لأن الشرع هو مصدر الحقوق، ولا يعرف الحق إلا بالشرع، وكذا أن الحق في الشريعة ليس حقا طبيعيا بالعقل، وإنما هو استخلاف من الله للإنسان وفقا لأدلة الشرع بذلك.

وقد جعل الشرع الملكية على ثلاثة أنواع : ملكية الفرد، ملكية عامة، ملكية الدولة.

والذي يعنينا في هذه الفتوى الملكية العامة، فنقول وبالله التوفيق:

الملكية العامة هي ماجعل الشارع حق الاشتراك في الانتفاع بعينه، والأعيان التي تتحقق فيها الملكية هي الأشياء التي دل الشارع على أنها للجماعة مشتركة بينهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار)) ومنع الشارع من أن يحوزها فرد أو جهة أو دولة، فهي ملك للجماعة لا محالة، فلا تدخل في إثرة الملكية الفردية ولا في إثرة ملكية طائفة أو قومية، ولا في إثرة ملكية الدولة، وإنما تعنى بشأنها الدولة على الوجه المطلوب شرعاً فهي مشرف ولاية على الحق للناس في هذا المال العام، وتتحقق الملكية العامة في ثلاثة أشياء:

  1. المعادن التي لا تنقطع (غير المحدودة) كالنفط والغاز والكبريت والفوسفات وغيرها.
  2. كل ما هو من مرافق الجماعة كساحات البلد.
  3. الأشياء التي طبيعتها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها كالأنهار.

وفي ضوء ماتقدم نسجل ما هو آت:

  • أولا: النفط من الأموال العامة، لأنه من المعادن التي لا تنقطع (غير المحدودة) وما كان كذلك فهو ملكية عامة لا محالة، بمعنى أنه ملك للناس كافة من مواطني بلاد المسلمين، وليس لأحد التصرف به إلا وفق الإقرار الشرعي، وضوابطه الفقهية.
    وعلى هذا الأساس يحرم أن تمتد إليه اليد أيا كانت إلا في وجهها الشرعي.
    والدليل على تحريم التصرف في الملكية العامة إلا على هذا الوجه  قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وبيانه من السنة عليه الصلاة والسلام ((لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه)) وقوله عليه الصلاة والسلام ((إنما أموالكم ودماؤكم عليكم حرام)) وهذا التحريم يشمل الدولة وغيرها.
  • ثانيا: جعل الله الحاكم الشرعي هو المسؤول الأول عن شؤون الرعية، وأن توكل الأمور إليه، في شؤون الفرد العاجز أو في شؤون الأموال العامة وغير ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيع)) وفي الحديث أيضا ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته) وكما جاء أيضا في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
    ((السلطان ولي من لا ولي له)) ففي دلالة هذه النصوص إرشاد يأمر الراعي أن ينصف رعيته، ولا يغشهم فيتولى الأمور بما يخدم مصالحهم، أما من لا يملك السلطة بإرادة حرة فليس له أن يوقع عن الأمة عقدا أو عهدا، كأن يكون تحت ظل الاحتلال أو القوى الغاشمة المحتلة أو في أوضاع سياسية غير مستقرة لا يستطيع الناس فيها أن يعبروا عن إرادتهم.
    وفي كل الأحوال لا يصح لمن كان هذا حاله أن يمضي عقدا أو عهدا، وفعله حرام لا يعتد به شرعا ولا عقلا لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} فمقتضى النص وجوب أن يفي الراعي بحق الأمة بما تعهده لها حين اختيارها له حاكما بمقتضى إرادتها الشرعية.
  • ثالثا: يجب على الراعي أن يعمل على إيجاد إدارة موثوقة مؤتمنة تقوم على هذه الأموال العامة وبإشراف الأمة ورضاها، وألا يتخذ أي قرار منفرد بهذا الشأن، وألا يوظف إلا المؤتمنين الثقات على إدارة هذه الأموال بما يجعلها بحسابات مكشوفة للرعية.
  • رابعا: يحرم على الراعي أن يمكن الكفار المحتلين، أو الناس الفاسدين من هذه الأموال لأنها حق لرعايا بلاد المسلمين في سلطتهم الشرعية.
  • خامسا: يجب أن يقر أهل الاختصاص أن في هذا القانون، وما يتمخض عنه من عقود يراد إبرامها مصلحة للناس.
    وقد درس قانون النفط والغاز المزمع عرضه على أعضاء البرلمان العراقي الحالي خبراء نفط عراقيون مشهود لهم بالكفاءة، فأكدوا -عبر ندوات ومحاضرات عقدت بهذا الصدد بثتها وسائل إعلامية على الملأ- أن قانون النفط والغاز الحالي، فيه هدر لهذه الثروة النفيسة، وتمكين للشركات العظمى للدول المحتلة وغيرها من الهيمنة عليها، فضلا عن مفاسد كثيرة تترتب على إقراره، من شأنها إضعاف البلد، وزعزعة أمنه واستقراره.
  • سادسا: مما يجب اعتقاده على كل مسلم أن التصويت أو الأخذ بأغلبية الآراء لا يكون في الأمور المنصوص عليها شرعا، لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً}.

ومن هنا، وبالنظر لما أسلفناه فإن موافقة أعضاء مجلس الوزراء على هذا القانون إجراء محرم شرعا وباطل عقدا، ويستوجب فعله هذا الخضوع للمساءلة والمحاسبة.

كما يحرم على أعضاء البرلمان الحالي التصويت أصلا على هذا القانون تحت أي ذريعة، فضلا عن إقراره، ومن يفعل ذلك فإنه يبوء بغضب الله، وجريمة التواطؤ مع العدو، في غصب الأموال العامة، مما يترتب عليه آثار الغصب، إضافة الى تلبسه إثم الخيانة لله ورسوله والمسلمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قسم الفتوى

هيئة علماء المسلمين في العراق

19 جمادى الآخرة 1428 هـ

4/7/2007 م
_______________
المصدر



الموقع الرسمي لهيئة علماء المسلمين في العراق
http://www.iraq-amsi.org/news.php?action=view&id=18055&d057f75c18e6d784b4d59a1bfc4eaaaa

شارك برأيك