بقلم/ خالد الدخيل*
* كاتب وأكاديمي ـ جامعة الملك سعود
   الرياض ـ المملكة العربية السعودية

 

 

مقدمة
 في يقيني أن الخلل الأمني في منطقة الجزيرة العربية والخليج مسألة واضحة لكل متابع منذ زمن ليس بالقصير. لكن الغزو العراقي للكويت في صيف 1990, والتحولات التي ترتبت عليه كشف عمق هذا الخلل, وجعل منه في ظني أمرا واضحا للجميع, المتابع وغير المتابع. فحصول الغزو بحد ذاته, والسرعة التي تم بها أثبت أن دول المنطقة ليس فقط لا تملك ترتيبات أمنية في وجه التهديدات, خاصة الإقليمية منها, بل أثبت أن هذا الإنكشاف الأمني يشكل مصدر إغراء للآخرين لتهديد تلك الدول وإبتزازها, بل وشطب بعضها من الخريطة تماما تحت ذرائع ودعاو كثيرة تحفل بها الثقافة السياسية العربية. والمدهش حقا أن منطقة الخليج لاتزال بعد كل ذلك من دون ترتيبات أمنية تتماشى مع أهميتها الحيوية للإقتصاد العالمي, ومع موقعها الإستراتيجي بين الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
والأكثر مثارا للدهشة أن أربعة أحداث ضخمة غيرت وجه تاريخ المنطقة وأعادت ترتيب وضعها الإستراتيجي, لم تكن كافية, كما يبدو, لإقناع دول مجلس التعاون بالحاجة إلى ترتيبات أمنية يكون فيها لهذه الدول دورا مركزيا وفاعلا. هذا الأحداث كانت حسب تسلسلها التاريخي هي: الثورة الإيرانية عام 1979م, والحرب العراقية الإيرانية مابين 1980 و 1988م, والغزو العراقي للكويت عام 1990م, وأخيرا الغزو الأميركي للعراق عام 2003م. بل الغزو العراقي للكويت, بإعتباره كان منعطف حاسم وإختبار كشف هشاشة المعادلة الأمنية التي إعتمدت عليها دول مجلس التعاون آنذاك, مر هكذا من دون إعتبار وتأمل أو مراجعة لما إنطوى عليه من دروس. كان المفترض أن يشكل الغزو العراقي درسا للجميع بأن الترتيبات الأمنية التي إعتمدت عليها دول الخليج طوال أكثر من نصف قرن لم توفر لها الأمن المنشود, وإنما أعطتها مجرد فسحة من الزمن قبل أن يحل الخطر الماحق بإحداها في لحظة فاجأت الجميع, بما في ذلك الكويت ذاتها, المستهدفة بالغزو. كشف الغزو دون مواربة أن هناك خللا أمنيا واضحا وخطيرا تعاني منه دول مجلس التعاون, لكن الأمور بقيت كما كانت عليه قبل الغزو.

الخلل في المفهوم
يتضح جوهر الخلل الأمني أكثر ما يتضح في المفهوم الإستراتيجي الذي تعتمده دول الخليج لحماية أمنها الوطني. وهو مفهوم يستند منذ البداية على أن أمن دول المنطقة لا ينبغي له أن يعتمد بشكل رئيسي على القدرات الذاتية لهذه الدول. على العكس, يجب أن يعتمد وبشكل يكاد أن يكون حصريا على مجموعة من العوامل الخارجية التي تقع خارج سيطرة وقدرات دول المنطقة. في هذه الورقة سأحاول أن أعرض لمفهوم الأمن لدى دول مجلس التعاون وما يقوم عليه من ترتيبات أمنية, و للخلل الذي ينطوي عليه, أو ما أسميه بإشكالية الأمن بالنسبة لدول الخليج العربية.
كانت البدايات الأولى ــ وإن لم تكن السبب الحقيقي ــ لإشكالية الأمن الخليجي قد ظهرت للعيان في أعقاب إنسحاب بريطانيا من المنطقة في أوائل سبعينيات القرن الماضي. ولا أظن أنه أمر ذو علاقة, أو من المفيد الآن تناول الوضع الأمني للمنطقة قبل وأثناء مظلة الحماية البريطانية. فالظروف السياسية تجاوزت ذلك كثيرا بحيث أن المشهد السياسي, والوضع الإستراتيجي للمنطقة قد تغير بشكل كبيرمنذ أن طوت بريطانيا مظلتها الأمنية تلك.
الأهم هنا هو ملاحظة أنه في أعقاب الإنسحاب البريطاني بقي مفهوم الأمن والدفاع لدول الخليج العربية يستند إلى نوع من المعادلة الأمنية الهشة. تقوم هذه المعادلة على نوع من التفاهم غير المكتوب بين هذه الدول, التي شكلت فيما بعد مجلس التعاون لدول الخليج العربية, وبين دول المنطقة الأخرى, بما في ذلك الدول العربية خارج منطقة الخليج. وحيث أن المعادلة لم تكن مكتوبة, فإنها لم تكن ملزمة قانونيا لأحد. لكن توازنات المصلحة والظروف السياسية السائدة في حينها فرضت الإلتزام بها من الجميع, على الأقل مؤقتا. كانت هذه المعادلة تقوم بشكل عام على أربعة عناصرأساسية: (1) عامل توازن القوة بين إيران والعراق, (2) التوازنات السياسية والعسكرية الإقليمية ـ بما في ذلك توازنات القوة وتوازنات المصلحة ـ خارج منطقة الخليج, (3) الحماية الأميركية عن بعد, و(4) المسايرة والإرضاء للدول الكبيرة في المنطقة, أو ما يعرف إنجليزيا بالـ  appeasement. وكجزء من عملية المسايرة والإرضاْء هذه يدخل برنامج الإعانات والقروض المالية التي تدفعها دول مجلس التعاون لتلك الدول, إما لتفادي ما تمثله من تهديد إذا كانت من الدول القوية عسكريا, أو لكسبها سياسيا إذا كانت من الدول الصغيرة.
 لم تستمر هذه المعادلة طويلا. فقد إنفجرت الثورة الإيرانية في أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي, معلنة بداية العد العكسي لتلك المعادلة. ترتب على الثورة الإيرانية تطوران مهمان يعكسان طبيعة الترتيبات الأمنية في المنطقة في ذلك الوقت. كان التطور الأول أن الثورة أسقطت أحد عناصر المعادلة الأمنية المذكورة, وهو نظام الشاه. التطور الثاني, مرتبط بالأول ولا يقل أهمية, وهو رد فعل المنطقة, وخاصة رد الفعل العراقي على الثورة. فمن ناحية شعر النظام العراقي أنه أول المستهدفين بالمناخ الثوري الذي تسبب به نجاح الثورة في طهران. من ناحية أخرى, رأت القيادة العراقية حينها في الفوضى التي أحدثتها الثورة فرصة يجب إغتنامها للقضاء على الثورة في مهدها على أمل أن يصبح العراق في هذه الحالة هو القوة الإقليمية التي يتمحور حولها أمن المنطقة. لكن الذي حدث أن الحرب تحولت, وعلى مدى ثمان سنوات, إلى عملية إستنزاف بطيئة لطرفيها بشكل رئيسي. في الوقت نفسه, ونتيجة للدعم الخليجي للنظام العراقي آنذاك, كانت الحرب مصدر إستنزاف سياسي ومالي لدول مجلس التعاون, خاصة السعودية والكويت, ومصدر لعدم إستقرار سياسي لا أحد كان يعرف نهايته. المهم أنه نتيجة للثورة الإيرانية, وللحرب العراقية الإيرانية التي أعقبتها, تصدعت معادلة الأمن التقليدية المشار إليها. ومن يومها لم تعرف المنطقة الإستقرار. لا تخرج من أزمة إلا لتدخل أخرى. وخلال كل ذلك لم يكد دور دول مجلس التعاون أن يتجاوز دور الممول لهذا الطرف أو ذاك بهدف شراء الأمن والإستقرار.

تصدع المعادلة الأمنية
هنا ينبغي التمييز بين صورتين لتلك المعادلة الأمنية, صورة ماقبل الثورة الإيرانية, وصورة مابعد هذه الثورة. فما قبل الثورة كانت إيران الشاه هي المفوضة أميركيا بأن تكون القوة الموازية التي يقع عليها دور مواجهة العراق وحفظ التوازن معه في المنطقة. بعد الثورة, وسقوط نظام الشاه بدا أن توازنات القوة في الخليج تميل لصالح العراق, الأمر الذي أغرى القيادة العراقية, كما يبدو, بتبني خيار الحرب لمواجهة المد الثوري القادم من إيران. لكن الحرب, التي إستمرت ثمان سنوات, لم تؤدي إلا إلى إنهاك العراق وإيران معا, مما نتج عنه توازن التدمير المتبادل بينهما. ثم جاء الغزو العراقي للكويت, وبعده حرب الخليج الثانية, لتأخذ معادلة الأمن صورة ثالثة فرضها الوجود العسكري الأميركي المباشر في المنطقة الذي جاء ردا على الغزو. هذه الصورة إتخذت شكل آلية الإحتواء الأميركي المزدوج لكل من إيران والعراق. والنتيجة التي ترتبت على كل ذلك في واقع الأمر كان تصدع معادلة الأمن التقليدية المذكورة, لأن الأمن الإقليمي في منطقة الخليج أصبح عندها بشكل أساسي مسؤلية أميركية. ثم إكتملت عملية التصدع هذه بالإحتلال الأميركي للعراق, وتحييده كمصدر تهديد لتوازنات القوة في المنطقة, حتى الآن على الأقل.
تصدع المعادلة المذكورة, وتحييد العراق لا يعني تجاوز أو حل إشكالية الأمن في المنطقة, وهي إشكالية مزمنة. فالوجود العسكري الأميركي هو وجود أجنبي مرفوض, وإيران بعد تحييد العراق كقوة موازية أصبحت الآن قوة إقليمية ضاربة لا توازيها قوة أخرى, إلا الوجود العسكري الأميركي. إلى جانب ذلك بقيت دول مجلس التعاون, وخاصة السعودية, كما كانت من قبل خارج لعبة توازنات القوة في المنطقة. لكن مع ذلك تغير المشهد الإستراتيجي للمنطقة تماما. فالخليج الآن, بما في ذلك إيران, مضاف إليها منطقة الشام, محاط بحزام عسكري أميركي إستراتيجي, مما يعني أن الخليج, ومعه من الناحية العملية الشرق الأوسط, خرج من معادلة الأمن الهشة ليدخل مظلة الأمن الأميركي. وهي مظلة تعتمد بشكل أساسي على هيمنة عسكرية أميركية مباشرة, ومن دون وسطاء كما كان عليه الأمر من قبل.

تخلي دول الخليج عن دورها الأمني
خلال كل تلك التحولات لم تكن دول مجلس التعاون, وخاصة السعودية بإعتبارها أحدى الدول الكبيرة في المنطقة, جزءا مباشرا من أية صورة من الصور التي إتخذتها المعادلة الأمنية المعتمدة للمنطقة, وخاصة توازنات القوة في هذه المعادلة أثناء أشكالها الثلاث. على العكس, وفيما يتعلق بمنطقة الخليج العربي تحديدا, وحتى الغزو الأميركي للعراق, ظلت مسألة التوازن العسكري محصورة بين العراق وإيران, الأمر الذي جعل الدول الخليجية الأخرى تقع تحت رحمة التقلبات التي شهدتها عملية التوازن هذه. والسبب في ذلك يعود, كما أشير, إلى طبيعة مفهوم الأمن الإستراتيجي الذي تبنته دول مجلس التعاون. وهو مفهوم يستند إلى فرضية أن أمن وإستقرار منطقة الخليج بقدر ما أنه مصلحة إقليمية فهو مصلحة دولية أيضا. وبناء على ذلك تركت عملية مراقبة توازن القوة بين إيران والعراق, ومواجهة تقلبات هذا التوازن للولايات المتحدة الأميركية. وذلك بإعتبارها صاحبة مصلحة إستراتيجية مباشرة في إستقرار المنطقة, وبإعتبار قدراتها العسكرية كقوة عظمى مهيمنة دوليا. لكن أيضا بإعتبارها المسؤلة الأولى عن أمن المنطقة وفقا للمعادلة المذكورة. بعبارة أخرى, تخلت دول مجلس التعاون عن دورها في تطوير ترتيبات أمنية في منطقتها هي. وكل ما حصل في هذه الحالة هو أن الحماية البريطانية أستبدلت بمعادلة تعتمد هي الأخرى على نوايا ومصالح أطراف أخرى, في مقدمها الولايات المتحدة.
من هذه الزاوية كانت الحرب على العراق, وإحتلاله من قبل القوات الأميركية إستمرار لسلسة أحداث رئيسية مترابطة, حصلت كلها في فترات زمنية متعاقبة, ومتقاربة من حيث المسافة. والمهم في هذا السياق أن دور دول مجلس التعاون في تلك الأحداث الكبيرة كان رهينة للأحداث, وللقوى التي تقف وراءها, بدل أن يكون دورا فاعلا في التأثير عليها, أو في تحديد الخيارات المتاحة لمواجهتها. هذا على الرغم من أن تلك الأحداث كانت تدور رحاها على أرض المنطقة, وفي صراع مكشوف بين قوى إقليمية ودولية على موارد المنطقة ومستقبلها السياسي. في هذا الإطار كان كل واحد من تلك الأحداث المشار إليها سببا فيما حدث بعده. فكما أشير كانت الثورة الإيرانية أواخر 1977م هي الشرارة الأولى. أعقبتها الحرب العراقية الإيرانية, أو حرب الخليج الأولى, أواخر 1980م. جاء بعد ذلك الغزو العراقي للكويت أواخر 1990م, كواحد من أهم وأخطر إفرازات تلك الحرب. الغزو بدوره فرض حرب الخليج الثانية أوائل 1991م لتحرير الكويت. ضخامة هذه الأحداث جاءت متناسبة مع ضخامة الأهمية الإستراتيجية للمنطقة.  وهاهي المنطقة تواجه نتائج ومخلفات الحرب الثالثة, أو حرب العراق في ربيع عام 2003م. وهي نتائج, عدا عن أنها لاتزال في طور التشكل, فإن دول الخليج لاتملك الكثير للتأثير عليها أو على توجهاتها. وبالمعيار التاريخي كانت هذه أحداث تاريخية ضخمة كفيلة بتغيير أشياء كثيرة. لكن مفهوم الأمن الخليجي, وبالرغم من كل ذلك, بقي كماهو, وكأن شيئا لم يحدث.
 
تنامي الدور الأميركي
خلال تلك الأحداث وما فرضته من تحولات سياسية وإستراتيجية, وفي مقابل الجمود والتهميش الطوعي لدور دول مجلس التعاون في الترتيبات الأمنية للمنطقة, كان الدور الأميركي وتأثيره على الطبيعة الإستراتيجية للمنطقة يتطور وينمو من سنة لأخرى, ومن حدث لآخر. فقد جاءت الثورة الإيرانية وحرب الخليج الأولى بالقوات الأميركية إلى مياه الخليج العربي. في البداية جاءت هذه القوات لحماية ناقلات النفط الكويتية من شرارات الحرب الدائرة. لكنها في الحقيقة جاءت لتبقى. ثم حصل الغزو العراقي للكويت, وحرب الخليج الثانية ليجعلا من الوجود العسكري الأميركي ضرورة أمنية فرضتها حقيقة أن الغزو كان رصاصة الرحمة بالنسبة للمعادلة الأمنية, ولأن دول المجلس إختارت أن تكون بدون قوة ردع كافية لمواجهة أية مخاطر تهدد أمنها مثلما حصل أثناء الغزو.
من هنا لم يكن هناك مفر من أن ينتقل الوجود العسكري الأميركي من مياه الخليج إلى ترابه, في السعودية وغيرها من دول المجلس. بل إن هذا الوجود الأميركي في مياه الخليج تطور ليتحول إلى أسطول آخر, الأسطول السابع, وينظم إلى الأسطول السادس في البحر المتوسط, والأسطول الخامس في المحيط الهادي. ثم جاءت أحداث سبتمبر ( أيلول ) 2001م لتضيف مبررا آخر ( محاربة الإرهاب) للوجود ذاته وتطويره إلى ماهو أبعد. والنتيجة أن منطقة الخليج الآن تقع ضمن حزام عسكري إستراتيجي أميركي يمتد من قاعدة غارسيا في جنوب الخليج العربي, مارا بالأسطول السابع في الخليج ذاته, فالوجود العسكري في الكويت, وفي قطر, مرورا بالعراق الذي يخضع الآن لإحتلال عسكري أميركي. ويمتد الحزام نفسه شمالا إلى قاعدة إنجيرليك في تركيا.
بعبارة أخرى, دخلت المنطقة أخيرا مظلة الأمن الأميركي بطريقة مشابهة لما حدث في مناطق أخرى. فالحرب العالمية الثانية فرضت الوجود العسكري الأميركي الدائم كعنصر حيوي في أمن أوروبا الغربية. الحرب ذاتها فرضت التواجد العسكري الأميركي في اليابان. والحرب الكورية عام 1953م جاءت بالقوات الأميركية إلى الحدود الفاصلة بين الكوريتين, الجنوبية والشمالية. وعلى إثرسقوط الإتحاد السوفييتي إمتد الوجود العسكري الأميركي إلى أوروبا الشرقية. وبالمثل جاءت أحداث 11 سبتمبر ( أيلول ) وحرب أفغانستان بالقواعد الأميركية إلى وسط آسيا.
ربما تنظر الأدارة الأميركية في هذه الحالة إلى موقف بعض دول المنطقة المؤيد للحرب, والبعض الآخر غير المعارض أو غير القادر على المعارضة مؤشر على الضعف, وعلى عدم الإنسجام, وغياب رؤية إستراتيجية مستقلة وواضحة. وكل ذلك يعكس عجزا في التعاطي مع القضايا السياسية والأمنية الملحة في المنطقة. والأمن مسألة حيوية بالنسبة لدولة بحجم الولايات المتحدة, وفي منطقة حيوية مثل الخليج العربي والمنطقة العربية. نعم يبقى النفط هو الأولوية في الإستراتيجية الأميركية. لكن النفط كمصدر للطاقة, وكعملية إقتصادية متشابكة, يتحرك ضمن أطر وقنوات سياسية وإقتصادية, إقليمية ودولية. وهذه تحكمها عوامل مؤثرة في العلاقات الإقليمية والدولية, وأبرزها عوامل التوازن, والإستقرار, والأمن. وقد فشلت دول المنطقة في التعامل مع هذه المسألة بشكل مباشر, وإنطلاقا من مرئياتها وإمكانياتها. بدلا من ذلك ركنت إلى معادلة أمنية هشة غير مكتوبة, ولا تملك الكثير لفرض الإلتزام بها من قبل الآخرين. هذا لايعني أن الولايات المتحدة كانت تفضل أن تتولى دول المنطقة أمنها بنفسها. على العكس. لكن تصدع معادلة الأمن التقليدية بالشكل الذي حصل سمح للولايات المتحدة أن تتقدم وتجعل أمن المنطقة تحت مظلتها المباشرة.
من هذه الزاوية لايكفي القول أن طبيعة النظام العراقي, وسياساته التي إنتهت به إلى الإصطدام بالإستراتيجية الأميركية كانت السبب الوحيد الذي أغرى إدارة بوش الإبن بتبني خيار الحرب وإحتلال العراق لترسيخ الهيمنة الأميركية على مصادر النفط في المنطقة. بل إلى جانب ذلك, وبدرجة لا تقل أهمية, فإن تخلي دول المجلس عن مسؤلياتها في تطوير ترتيبات أمنية إقليمية جعل المنطقة قابلة لأن تعاني من فراغ أمني خطير, في منطقة تعاني من عدم الإستقرار السياسي منذ وقت طويل, وتظهر فيها أنظمة وقيادات سياسية على شاكلة النظام العراقي السابق. ولاشك أن مثل هذا الفراغ كان أحد المعطيات التي أغرت الإدارة الأميركية في الإقدام على مغامرة إحتلال العراق, وإخضاع المنطقة لإستراتيجيتها السياسية والأمنية بشكل مباشر. ومن ثم فإن حرب العراق كانت خطوة كبيرة لتثبيت الوجود العسكري الأميركي في المنطقة وجعله وجودا دائما. مما يمنح الولايات المتحدة ثقلا وحرية في الحركة لم يكونا متوفرين لها من قبل. صورة المشهد الآن تبدو واضحة. ماهو غير واضح يتعلق بما تنوي دول المنطقة فعله أمام هذا الواقع المستجد.


غياب البديل الأمني
لابد من ملاحظة الفرق بين الوجود العسكري الأميركي في الخليج, وبين الوجود نفسه في المناطق الأخرى. فالوجود الأميركي في أوروبا يشكل الركيزة لترتيبات أمنية تشترك فيها دول الإتحاد الأوروبي, والكبيرة منها بشكل خاص, بدور مباشر وفاعل في هذه الترتيبات. فالدول الأوروبية الكبيرة, مثل فرنسا والمانيا وبريطانيا وإيطاليا, بل وحتى إسبانيا, تملك ثقلا إقتصاديا, وإستقرارا سياسيا, إلى جانب قدراتها العسكرية, بما يسمح لها بأن تكون شريكا فاعلا في منظومة الأمن الأوروبي. والوجود الأميركي في شرق آسيا, وفي اليابان تحديدا, هو أولا لمنع هذه الأخيرة من العودة إلى طبيعتها العسكرية التي كانت عليها إلى ما قبل نهاية الحرب العالمية الثانية, وثانيا لحماية اليابان والدول الأخرى من خلال تحقيق نوع من التوازن مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية. هذا مع ملاحظة أن دول شرق آسيا المستفيدة من مظلة الأمن الأميركي, مثل كوريا الجنوبية واليابان, تملك هي الأخرى من الإستقرار السياسي, والثقل الإقتصادي, إلى جانب قدرات عسكرية تسمح لها أيضا أن تكون شريكا فاعلا في منظومة الأمن لتلك المنطقة مع الولايات المتحدة الأميركية. ولعله من نافل القول أن الوجود العسكري في كلتا الحالتين هو لخدمة المصالح الإقتصادية والإستراتيجية لأميركا.
أمام الوجود الأميركي في الخليج, وبإعتماد دول مجلس التعاون في حماية أمنها الوطني على عوامل خارجية, خاصة على الولايات المتحدة, كانت ولا زالت مسألة الأمن الوطني لهذه الدول مرتهنة لحسابات ومعادلات إقليمية ودولية لا تملك إمكانية التأثير فيها, أو السيطرة على تحولاتها. وهو ما كشفته الأحداث الكبيرة التي بدأت مع الغزو ولم تستقر حتى الآن. بل تفاقمت بعد سقوط النظام العراقي على يد قوات الغزو الأميركية في التاسع من إبريل عام 2003م. ولعل فيما قاله السفير الكويتي لدى الولايات المتحدة, ناصر الصباح, بعد تحرير الكويت ما يؤكد مدى العجز الذي كانت تعاني منه دول المجلس في تلك اللحظة المصيرية الممتدة مابين الغزو والتحرير. يقول السفير إنه أمضى اليومين الأولين بعد الغزو يصلي في بيته في واشنطن بأن لا تواصل القوات العراقية زحفها نحو السعودية. لماذا؟ لأن إحتلال السعودية, حسب السفير, كان سيجعل من إحتلال الكويت قضية ثانوية. بمعنى أن تحرير السعودية في هذه الحالة سيكون هو الهدف الأول للعالم, وللولايات المتحدة بشكل خاص. كان السفير يخشى, وهو على حق في ذلك, أن تتحول الكويت فيما لو أحتلت السعودية إلى مجرد ورقة تفاوضية مع النظام العراقي حينها.
كان هذا واقع دول المجلس أثناء الغزو.  وبعد ذلك بأكثر من عشر سنوات, وبعد سقوط النظام العراقي والإحتلال الأميركي للعراق, لاتزال دول مجلس التعاون تفتقد إلى مفهوم أمني بديل لذلك المفهوم الذي تصدع تحت وطأة الأحداث الجسيمة وفشله في مواجهتها. بل إن هذه الدول لا تزال تعاني من حالة العجز ذاتها التي كانت عليها إبان الغزو. وليس أدل على ذلك أنه بالرغم من الخطورة التي يمثلها الوضع غير المستقر في العراق تحت الإحتلال على دول مجلس التعاون, بحكم أنها من الدول المجاورة, إلا أن هذه الدول تبدو من أقل الدول تأثيرا على المسار الذي قد تأخذه الأحداث في هذا البلد العربي والمجاور. وتبرز خطورة هذا العجز بشكل خاص في ضؤ أن الوضع في العراق لا يبدو أنه يتجه نحو حالة من الإستقرار. بل إن هذا الوضع معرض لأن ينزلق إلى حرب أهلية دامية بعد إنتقال السلطة إلى العراقيين.

لماذا تخلت دول المجلس عن مسؤليتها؟
تخلي دول مجلس التعاون عن دور مركزي وفاعل لها في الترتيبات الأمنية لمنطقتها كان خيار إتخذته هذه الدول بشكل طوعي. ربما قيل ويقال أن دول مجلس التعاون دول صغيرة قليلة السكان, ولاتملك من الكوادر ما يمكنها من أن يكون لها دورا فاعلا في أية ترتيبات أمنية في منطقة حيوية ومستهدفة إقليميا ودوليا. وبالتالي فليس أمام هذه الدول إلا أن تترك مسألة الترتيبات الأمنية الإقليمية هذه للدول الكبيرة التي تتوفر لها القدرات والإمكانيات البشرية والعسكرية للإضطلاع بما تتطلبه مثل هذه الترتيبات. ومثل هذا الطرح يتسم بنبرة تبريرية أكثر منه محاولة للتفسير. وربما جاز القول أن مثل هذا الطرح هوتعبير آخر عن الإستهداف الذي تتعرض له المنطقة بسبب من مواردها وموقعها الإستراتيجي, لأنه يبرر لتخلي دول المنطقة عن مسؤلياتها وعن مصالحها من أجل مصالح الآخرين. وإلا فليس المطلوب من هذه الدول أن تتحول إلى دول كبرى, ولا أن تنفرد بأية ترتيبات أمنية لمنطقة هي مشتركة لدول أخرى, إما بوجودها في هذه المنطقة, أو لأن لها مصالح حيوية فيها. لكن المطلوب بإلحاح هو أن تتحمل دول مجلس التعاون مسؤلياتها في أية ترتيبات أمنية بشكل مباشر وفاعل, وبما يعكس حجم مصالحها, ووزنها في المنطقة, لا أن تجعل من أمنها الوطني رهينة لمصالح الآخرين, أو لموازين قوة لاتملك إزاءها الكثير.
إستكمالا للطرح نفسه, هناك من يقول بأن دول المجلس لا تملك القوة البشرية التي تؤهلها لأن يكون لها مثل هذا الدور. وهذا رأي غير صحيح, بل ويتناقض مع الواقع الديموغرافي, وهو بطبيعته واقع متحرك وغير ثابت, إلى جانب القدرات البشرية لدول المجلس, وهي قدرات تطورت كثيرا بفعل عملية التحديث التي مرت بها دول المجلس خلال العقود الثلاثة الماضية. ثم هناك بطبيعة الحال الموارد المالية المتوفرة لهذه الدول من خلال صادراتها النفطية. وبالتالي فالرأي القائل بضعف القوة البشرية كسبب قسري يمنع دول مجلس التعاون من بناء قدراتها العسكرية يتم تسويقه كمجرد تبرير يروج له أطراف لها مصلحة في إستمرار الوضع على ماهو عليه.
والحقيقة أن الخيار الأمني الذي إختارته دول مجلس التعاون يعود إلى عوامل غير ذلك. وهي عوامل عدة, منها ما يتعلق بالظروف الداخلية لكل دولة, وتحديدا الطبيعة السياسية والإجتماعية لهذه الدولة, ( أنظر ورقة محمد غباش عن طبيعة السلطة في دول مجلس التعاون وعلاقتها بالمجتمع ). فتخلي الدولة عن دورها المحوري في حماية الأمن الوطني, وترك ذلك لقوى خارجية, ولتوازنات قوة وتوازنات مصلحة لدول أخرى, هو بطبيعته قرار سياسي. وبالتالي لا يمكن إلا أن يكون قرارا أتخذ بناء على إستراتيجية سياسية أمنية تم التواضع عليها. وإذا كان الأمر كذلك, فإنه يستدعي دراسة مستفيضة عن الأسباب والدوافع السياسة والإجتماعية وراء قرار بهذه الخطورة.
ومن العوامل ما هو مرتبط بطبيعة العلاقات التي تربط بين دول مجلس التعاون, وهي علاقات يشوبها التنافس المشوب بالكثير من عدم الثقة فيما بينها. ومما يشير إلى ذلك أن حل الخلافات الحدودية بين هذه الدول بدا في بعض الأحيان صعبا, وأخذ وقتا طويلا, أكثر من ثلاثة عقود. ولاتزال بقايا هذه المشكلة معلقة من دون حل. كذلك البطئ الشديد الذي لازالت تعاني منه مسيرة مجلس التعاون, وبعد أكثر من عشرين سنة على إنشائه خير مؤشر على طبيعة هذه العلاقات. يضاف إلى ذلك أن إعتماد كل دول المجلس على قوى أجنبية لحماية أمنها الوطني يخلق نوعا من التنافس بين هذه الدول لكسب ود وثقة هذا الأجنبي, بدلا من من الإنخراط في تعميق العلاقة بين هذه الدول كهدف إستراتيجي يلتقي حوله الجميع. كل ذلك يؤكد أن الحديث عن ضعف الكثافة السكانية كسبب هنا ليس له ما يبرره أو يسنده من أرض الواقع السياسي والإجتماعي في المنطقة. وأن هذا الواقع يقول بأن تخلي دول مجلس التعاون عن دورها بتحمل مسؤلية الأمن الوطني, وترك هذه المسؤلية لدول أخرى, ولتوازنات إقليمية ودولية لاتملك السيطرة عليها, هو قرار طوعي أملته منطلقات ومصالح سياسية وإستراتيجية أمنية تخص حكومات هذه الدول, ولا تخص الدول ذاتها بمجتمعاتها وشعوبها.

خاتمة
إذا ما تمعنا في إشكالية الأمن في دول مجلس التعاون, كما تم عرضها بإقتضاب, نجد أنها نشأت نتيجة لثلاثة عوامل: الأول طبيعة الدولة في الخليج والجزيرة العربية, وطبيعة علاقتها بمجتمعها. بسبب هذا تخشى حكومات الخليج من بناء قدرة عسكرية قد تشكل في المستقبل مصدر تهديد لها. وما أشار إليه محمد غباش في ورقته من أن إعتماد حكومات الخليج في أمنها على مصادر خارجية يوفر لها إستقلالا أمنيا في الداخل, يتفق مع المسار الذي إتخذته الإشكالية الأمنية في المنطقة, وهو أمر يستحق التأمل. والعامل الثاني هو طبيعة التركيبة السياسية لمنطقة الخليج. فكل دول الخليج تحكمها نخب, على رغم ما بينها من إختلافات, إلا أنها تتفق في شيئ واحد هو إلغاء المسافة بين الحكومة والدولة, وإختزال الإخيرة في الأولى, ثم إختزال الحكومة في النخبة الحاكمة.
النخبة في دول مجلس التعاون هي عائلات حاكمة تنتمي إلى المذهب السني, والنخبة في إيران هي طبقة رجال الدين, وتنتمي إلى المذهب الشيعي, وفي العراق تتكون النخبة من خليط بين العشيرة والحزب مدعومة بمؤسسة عسكرية كبيرة. أثبت التاريخ أن الإتفاق والتنسيق بين هذه النخب صعب, إن لم يكن مستحيلا على المدى البعيد. يضاف إلى ذلك غنى المنطقة بمصادر النفط, مما زاد, كما يبدو, من دوافع الإختلاف. العامل الثالث, وهو الأغرب ما أشير إليه من إنعدام الثقة بين دول مجلس التعاون ذاتها, على الرغم من التشابه فيما بينها سياسيا وإجتماعيا. أما العامل الرابع فهو الأهمية الإستراتيجية الذي تمثله المنطقة بالنسبة للإقتصاد العالمي, وبالتالي عدم إمكانية تفادي أنها هدف للمنافسة والصراع, خاصة بين الدول الكبرى. وهذا العامل سمح لهذه الدول الكبرى أن تتحمل هي مسؤلية حماية الدول الخليجية, لأنها ترى في ذلك حماية لمصالحها هي في المنطقة.
بناء على ذلك, فإن تجاوز إشكالية الأمن الخليجي يتطلب أن تبدأ عملية إصلاح الخلل هنا من دراسة هذه العوامل بشكل مستفيض, وذلك كمنطلق لعملية الإصلاح هذه.

* كاتب وأكاديمي ـــ جامعة الملك سعود
   الرياض ـــ المملكة العربية السعودية