أيمن الصياد

صغارًا كنا حين جرّبنا لأول مرة الألعاب المطبوعة على ورق. وكانت أول تلك الألعاب «متاهة الطريق». وكانت فى أيامنا ـ ما قبل الـVideo Game ـ تكاد تكون ركنًا ثابتًا فى مجلات الأطفال. ولا أعرف لماذا كانت تنتابنى دائمًا مشاعر الغيظ من مصممى تلك اللعبة. وأتساءل: لماذا لا يكون «الطريق» مباشرًا؛ خطًا مستقيمًا بين النقطتين؟ متجاهلاً، عن عمد ـ أو عجز ـ أن تلك هى الحكمة من «اللعبة».

وكان أن اطلعنا بعد أسابيع من مبادرة الأمير عبدالله التى اعتمدتها قمة بيروت (مارس 2002) مبادرةً «عربيةً» للسلام (شاملةً وواضحةً ومحددة) على ما تسرب من أفكارٍ «أوروبية» لخطة سلام لحقتها على مدى أشهر ثمانية تعديلات وصياغات و«تدخلات» عديدة، قبل أن ترتدى ثوبها «الأميركي» الفضفاض وتنشر رسميا فى الرابع عشر من الشهر الماضى (يونيو) وباسمها الأميركى الموحى «خارطة الطريق». ويجرى ترويجها ـ بالصورة والكلمة ـ على أنها تجسيد لـ«رؤية» الرئيس, الذى هو فى الحقيقة ذاهب إلى انتخابات قد لا تجعل منه «الرئيس» بعد أشهر.

يومها تذكرت اللُعْبَةَ القديمة: «متاهة الطريق». وأنها هكذا لأن تلك هى الحكمة من اللعبة.
هل تذكرون كم لُعْبَةً تاه فيها الفلسطينيون؟
الملف مزدحمٌ بالاتفاقات والمعاهدات والخطط والمبادرات والخرائط والتفاهمات. والذاكرة مُرهَقَةٌ بأرقام قرارات وتوصيات وأسماء مدن وعواصم ومؤتمرات. وفى النهاية.... لا شيء.
***


لا تنفذ إسرائيل أى نوعٍ من الهجمات ضد منشآت رئيس السلطة الفلسطينية أو قوات أجهزة الأمن، الاستخبارات، الشرطة الفلسطينية، أو السجون فى الضفة الغربية وفى غزة»

هل تذكرون 181 الذى يتناساه الجميع و242 الذى أدمن التواجد فى كل تصريح ووثيقة و194 الخاص باللاجئين والذى يعتبره كوفى عنان ـ بحكم وظيفته ـ مازال سارى المفعول، فى تصريح له قبل أيام.
وهل تذكرون مدريد، أوسلو، واشنطن، كامب دافيد، بلير هاوس، شيبرز تاون، جنيف، شرم الشيخ وطابا.
وهل تذكرون توصيات ميتشيل (أبريل 2001) وتفاهمات تينيت (يونيو 2001) واتفاقات شرم الشيخ (سبتمبر 1999 وأكتوبر 2000) والقاهرة (مايو 1994) وواى ريفر (أكتوبر 1998). وهل تذكرون مسارات مدريد ولجانه متعددة الأطراف. وهل تذكرون أن اتفاقات أوسلو 1993 («سلام الشجعان» ذا الصورة الشهيرة فى حديقة البيت الأبيض) كانت تنص على مرحلة انتقالية لمدة خمس سنوات (تنتهى فى 1999) تمهد لتسوية دائمة تقوم على أساس قرارى مجلس الأمن 242 و338 وذلك بافتراض أن المفاوضات حول الوضع النهائى تكون قد بدأت وانتهت أثناء فترة السنوات الخمس الانتقالية.

كل هذا.. وماذا بعد؟
لا شيء. غير فرض حقائق الواقع الاحتلالية على الأرض، تهويد القدس، ومزيد من المستعمرات/ المستوطنات (عدد المستوطنين فى أراضى 67 زاد إلى الضعف خلال الفترة الانتقالية) وآلاف الأفدنة من الأراضى المصادرة، وأشجار الزيتون المحترقة، وجدارٍ مكهرب. ومزيدٍ من طائرات الأباتشى الأميركية، وبالطبع مزيد من مشاعر الإحباط والكراهية والدماء (هنا وهناك). ومزيدٍ من الدموع والهتافات وطوابير الجنازة.

هل هذا فقط؟
لا.. فهناك أيضًا المزيد من الأوراق والخرائط والخطط التى تحمل اسم السلام أو أسماء أصحابها. بدءًا من آرثر داكهوب (1934) وإلى رؤية بوش (2002) مرورًا بالكتاب الأبيض (1939) وبرنادوت(1948) وتيتو (1963) وأبا ايبان (1968) وجون فوستر دالاس (1955) وكارتر (1977) ورونالد ريجان (1982).. وغيرهم كثير.
***
هل يختلف الأمر هذه المرة.. ربما. رغم حقيقة أن كلينتون أمضى 12 يومًا كاملة فى محاولة الوصول إلى اتفاق فى كامب دافيد. وأن بوش صاحب وعد الدولة فى 2005 قد يخرج من البيت الأبيض فى 2004. وأن شارون «رجل السلام» كما يقول بوش أعلن صراحة أنه لن يسمح بدولة فلسطينية «ذات سيادة» وأن العودة إلى حدود 1967 «غير مطروحة» ابتداء. ولكن المتفائلين يرون أن هذه المرة تختلف. فبوش يريد أن يرى «رؤيته» تتحقق.
وهو ـ يؤكدون ـ جادٌ فى حديثه عن «الدولة». وهنا لا يستطيع السامعون إلا أن يطرحوا السؤال الرئيس: «أى دولة.. وبأى ثمن؟»
يقول البروفيسور الأمريكى ناعوم تشومسكى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى إرييل شارون، بقبوله ـ المشروط ـ لخريطة الطريق الأميريكية، إنما دفع إلى الواجهة ما كان يطالب به عمليا منذ عام 1992. وهو الاقتراح الذى كان يومها مستحيلاً ومتطرفًا. ولكن الآن، بعد أن بدا لبوش أنه يحكم العالم، يظن شارون أنه الوقت الأنسب لكى يضع بقلمه «علامات الطريق» على خارطة الحل النهائى.

ويرى تشومسكى أن «خارطة الطريق» ما هى إلا صدى لـ«خطة آلون» عام 1968 والتى نصت على احتفاظ إسرائيل بـ40% على الأقل من الضفة الغربية.
هناك حديث عن دولتين. ولكن لم يقل أحد ما هى حدود هاتين الدولتين وما هى سلطاتهما (استخدمت الولايات المتحدة حق النقض عام 1976 ضد قرار لمجلس الأمن يدعو إلى قيام دولتين «فى إطار الحدود الدولية المعترف بها»!) .

ويقارن الفيلسوف الأميركى صاحب كتاب Middle East Illusion بين الأقوال والأفعال. فالأقوال مجالها التصريحات أما الأفعال فتتولاها الجرافات الإسرائيلية التى تعمل بنشاط لتغير الحقائق على الأرض. الذى نراه الآن ـ وهنا يلخص تشومسكى رأى كثيرين ـ هو شيء أكبر مما أصر باراك على الاحتفاظ به فى كامب دافيد. «ستحتفظ إسرائيل بسيطرتها الكاملة على نحو 50% من الضفة الغربية إضافة إلى جيوب استيطانية داخل الحصة الفلسطينية من الضفة تقسمها عمليا إلى ثلاثة كانتونات منفصلة عن بعضها البعض.

وحتى مع افتراض وجود من بإمكانه ـ يأسًا ـ القبول بهذا المستقبل. فإن مشكلة الكثيرين مع خارطة الطريق تلك هى فى اختزال مرحلتها الأولى فيما تم تحديده «صراحة» من جانب الإسرائيليين والأميركيين بـ«ضرورة قيام السلطة الفلسطينية باجتثاث المقاومة؛ تنظيمات وأدوات وإمكانات» بل واعتبار الدعوة لمقاومة الاحتلال «تحريضًا » يمثل خروجًا عن «الطريق» الذى رسمته الخريطة. ويعطى الحق بالتالى للإسرائيليين فى التنصل من التزاماتهم اللاحقة والتى هى غامضة أصلاً. وغير محددة فى النص المنشور للمراحل الثلاث.
ما هو مقابل ما يبدو بابًا لحرب أهلية فلسطينية؟
لا شيء غير التصوير التليفزيونى لمشاهد تفكيك ما يسمونه بؤرًا استيطانية عشوائية، وهى ليست فى الواقع أكثر من علامات توضع على الأرض، وتتخذ شكل كوخ مراقبة مرتفع أو عربة سكنية متنقلة.
***


لقد مضى عام بالضبط منذ أن تحدث الرئيس بوش عن دولة فلسطينية تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل. واليوم أصبح التفاؤل أقل منه عندما تم التصريح بهذه الجملة أمام العالم
أيا ما كان رأى المتفائلين أو المتشائمين (أو المضطرين)، فالحقائق تقول أنه بحسب الجدول الزمنى لخريطة المراحل الثلاث تلك، من المفترض أن تكون المرحلة الأولى قد انتهت فى مايو/آيار (هل ترون شيئًا من ذلك؟!) لا شيء غير الدماء ومشاهد تليفزيونية لإزالة بعض الأكواخ الخشبية، وتحريك بعض المنازل المتنقلة من مكانها إلى مكان آخر فى الأرض المحتلة ذاتها، بدعوى تفكيك المستعمرات غير الشرعية (وهل هناك مستعمرات شرعية؟!).
على الورق، وصلنا إلى المحطة الأولى وبدأت ـ حسب الخطة ـ المرحلة الثانية. وعلى الأرض/ الواقع، المشاهد كثيرة ومتباينة: على شاطئ العقبة، صورة باسمة لشارون مع بوش وأبومازن. وفى شوارع غزة صورة لسيارة الرنتيسى المحترقة، وأشلاء الضحايا العابرين بالصدفة. إذن فى الواقع ـ كما الصورة الباسمة ـ تستمر الأباتشى فى اغتيالاتها، وقوافل الشهداء المزنَّرة بالمتفجرات فى طريقها إلى الجنة. وتستمر الجرَّافات فى هدمها للمنازل، وتجريفها للبيارات، وتمهيد الطرق الالتفافية مقطِّعَةً أوصال الضفة. وفى الواقع أيضًا يعلن آفى ايتام وزير الإسكان الإسرائيلى (عشية العقبة) إحياءمشروع استيطانى ضخم يشمل بناء نحو 1500 وحدة على مساحة لا تقل عن 30 ألف متر مربع من أراضى الضفة الغربية. (تفيد الأرقام بوجود 400 ألف مستوطن و152 مستوطنة فى أراضى 1967). وفى الواقع ـ أيضًا ـ وعلى شاطئ العقبة نفسه يلبى صاحب «الخريطة» رغبة مخططى «الطريق» فيعلن إسرائيل «دولة يهودية نابضة بالحياة». مصادرًا ما تنص عليه الخطة ذاتها من التفاوض غير المشروط حول تفاصيل الحل النهائى فى المرحلة الثالثة. ومدشنًا شرعية أول دولة عنصرية «رسميا» فى تاريخ ما بعد الحرب الثانية. ولا عزاء للمتفائلين، أو المراهنين على الاهتداء بعلامات طريق غطتها باكرًا رمالُ المراوغات الناعمة المتحركة.

عندما يعلن رئيس شعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية أهارون زئيفى أن واشنطن أعطت الضوء الأخضر لمواصلة إسرائيل اغتيال كوادر «حماس» وعندما لا يكذِّب جورج دبليو بوش، ولا أركان إدارته (باول و رايس) ذلك، بل يؤكدون جميعًا حتمية «اجتثاث» أبومازن لحماس والجهاد وكتائب شهداء الأقصى، لا مجرد إيقاف عملياتها (كخطوة أولى على الطريق/ الخارطة) فإن ذلك يعنى عمليا إجهاض الخطة كلها. فلا أبومازن بقادرٍ، ولا براغبٍ (عكس ما قد يقوله البعض). ولا الفلسطينيون على استعدادٍ للدخول فى حربٍ أهلية (كما يأمل آخرون). ويبقى أمام الجميع حقيقة أن علامة الطريق/ الشرط تلك على الخارطة الأميركية (اجتثاث منظمات المقاومة) إنما هى علامة تشيرُ إلى «الطريق الإسرائيلي» للتسوية كما يريدها شارون.
***
يعتبر المفكر الفلسطيني/ الأميركى إدوارد سعيد ـ وعلى رأيه دلائل كثيرة ـ أن خارطة الطريق «ليست خطة للسلام بمقدار ما هى خطةٌ للتهدئة»، وأنه «لولا حقيقة رفض الفلسطينيين العنيد القبول بأنهم شعبٌ مهزوم كما وصفهم أخيرًا رئيس الأركان الإسرائيلى، ما كانت هناك خطة سلام». الكثير منها مأخوذٌ من خطط سابقة. وما كان وافق الإسرائيليون (بغض النظر عن حقيقة أنهم بدأوا يعملون فعلاً على إفراغ موافقتهم من مضمونها). وأنه لولا احتياج بوش إلى صورة انتخابية وإلى غطاء عربى ـ إسرائيلى لما يحدث فى العراق ولمغامراته العسكرية فى أماكن أخرى لما شاهدنا خارطةً ولا سمعنا عن طريق.

علينا إذن أن نضع الخارطة وأوهامها فى مكانها الطبيعى. بعيدًا عن أحلام الحل النهائى والسلام الدائم وغير ذلك من كلام جميل. سواء عنى هذا الحل خلاصًا للبعض أو اعتبره سواهم تهديدًا لنضالهم ودماء شهدائهم. فهو ـ فى الواقع ـ ليس هذا ولا ذاك. بل لحظة من لحظات الصراع، ونقطة على الطريق الطويل ـ لا طريق الخارطة ـ لابد من التعامل معها. واعين بالتمسك بثوابت الحق الفلسطينى. وبالذهاب ـ مرونةً ـ مع «الكاذب حتى باب الدار». فالطريق الحقيقى خارج الخارطة. والطريق الحقيقى مازال طويلاً.
***
تعالوا لنصف الموقف على الأرض. ببساطة: يشكو الفلسطينيون من الاحتلال. ويشكو الإسرائيليون من المقاومة/ الإرهاب. والثابت أنه إذا زال الاحتلال توقفت المقاومة. فلماذا «متاهة الطريق»؟ ولماذا لا نصل خطًا مستقيمًا بين النقطتين؟!
قد لا يحتاج المرء إلى قراءة ما بين السطور ليدرك أن العيب الرئيس فى «خارطة الطريق» فضلاً عن طابعها الإنشائى وعموميتها المفرطة، وافتقارها إلى الوضوح والتحديد والآلية، إنما يكمن فى أنها قائمة على فكرة أن: «المشكلة تتمثل فى ضراوة المقاومة الفلسطينية.. وليس الاحتلال الذى تسبب فى نشوئها» وسيبقى الجالسون فى منعطفات المتاهة المتشابكة المعقدة يكومون إلى جانبهم أوراق الاتفاقات والمعاهدات والقرارات الدولية.. وخرائط الطرق. ويتحسسون شعر لحاهم الأبيض، ومفاتيح قديمة علاها الصدأ لبيوت ربما لم يبق من أحجارها غير صورٍ فى الذاكرة. يهرمون مكانهم.. يحلمون بـ«هبة الضراغمة».. وينتظرون «العدل».