كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة
أكد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أن الحوار النزيه هو السبيل الوحيد لحل الخلافات والمشاكل بين الشعوب. وقال في كلمة ألقاها أمام القمة الإسلامية التاسعة إن الشعوب المسلمة تتطلع إلى قادتها لتخليصها من الفقر والمرض. وشدد على ضرورة رفع المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

" صاحب السمو الشيخ حمد،
فخامة الرئيس خاتمي،
أصحاب الجلالة، أصحاب الفخامة،

أود أن أبدأ كلمتي بتهنئة الشيخ حمد على توليه رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي، وبالإعراب عن إعجابي بالحكمة وبعد النظر اللذين تميزت بهما رئاسة الرئيس خاتمي التي تنتهي باجتماع القمة هذا.

فخامة الرئيس خاتمي،
لقد كان التزامكم الشخصي بالانفراج والانفتاح والتسامح وسيادة القانون مشجعاً لكل من يسعى جاهداً من أجل تحقيق التقدم في هذه المنطقة وفي أنحاء العالم الإسلامي كافة.

أصحاب الفخامة،
يسعدني أن أنضم إليكم في اجتماع قمة للمؤتمر الإسلامي في مدينة الدوحة المضيافة في وقت حرج بالنسبة لأعضاء منظمتكم وللعالم.
وقد كان لي شرف حضور اجتماع القمة الأخير في طهران منذ ثلاث سنوات، وأتاح لي ذلك الفرصة لإبراز الطرق العديدة التي تعمل بها الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي كشريكين حقيقيين من أجل تعزيز السلام ودفع عجلة التنمية وحماية حقوق الإنسان.

بيد أنه لم يكن بوسع أي منا أن يتكهن بالأهمية الفائقة التي قدر لهذه الشراكة أن تكتسبها في بداية قرن جديد-قرن حافل بالوعود ولكنه أيضاً قرن يشوبه العديد من صراعات القرن الأخير وتحدياته.


لا يمكن الوفاء بوعود العصر الجديد إلا عن طريق التعاون، وعن طريق الاندمـاج في الاقتصـاد العالمـي الجديد، علـى أساس معارف يمـكن الآن تبادلها علـى نطاق أوسع بكثير وأسرع بكثيـر من أي وقت مضى.
وقد شهدنا خلال الفترة التي انقضت منذ انعقاد اجتماع قمتكم الأخير تحسنا في العلاقات بين العديد من أعضاء منظمتكم، مما أدى إلى الحد من التوترات ونمو روح الصداقة والتعاون الأخويين فثمة منازعات حدودية سويت أو هي قيد المناقشة الآن. وتجري مناقشة قضايا معلقة، كما تتزايد لقاءاتكم لمعالجة تحديات مشتركة.

ولقد فعلتم ذلك لأنكم تدركون أنه لا يمكن الوفاء بوعود العصر الجديد إلا عن طريق التعاون، وعن طريق الاندماج في الاقتصاد العالمي الجديد، على أساس معارف يمكن الآن تبادلها على نطاق أوسع بكثير وأسرع بكثير من أي وقت مضى.

إن شعوبكم تتطلع إليكم لكي توفروا لها الحماية من بعض التغيرات المربكة أحياناً التي يمكن أن يحملها في طياته هذا الاقتصاد العالمي الجديد. ولكنها تتطلع إليكم أيضاً لكي تضمنوا لها ألا تحرم من الفرص التي تتيحها العولمة، والتي تمنحها أفضل أمل في الإفلات من الفقر والمرض.

إنكم تدركون أن تحديات ا لمستقبل لا تكمن في ساحات الحرب وإنما في عقول جموع شبابكم، الذين ينبغي تزويدهم بأدوات النجاح في عصر المعلومات. وأنتم تقدرون الدور الفريد والحيوي الذي يمكن أن يؤديه التعليم في تعزيز روح التقصي، وفي فتح عقول الشباب للأفكار الجديدة والرؤى الجديدة للمستقبل.

وقد التزمتم بالسهر على تحقيق مصالح شعوبكم- وإيجاد تسوية عادلة للصراعات القائمة-بالوسائل السليمة.

وأعتقد أننا ندرك جميعاً، ونحن نجتمع اليوم، النتائج الوخيمة لعدم مواصلة السير على طريق السلام. وقد أعربتم منذ إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي قبل أكثر من ثلاثين سنة عن تأييدكم للشعب الفلسطيني وأظهرت الأسابيع الثمانية الماضية بجلاء تام لجميع الأطراف أن الإفراط في استخدام القوة، أو العنف أو الإرهاب العشوائيين لا يمكن إلا أن يضر بقضية السلام.


العنف لا يولد إلا المرارة والاستياء اللذيــن يولـدان
بدورهـما المزيد من العنـف، والعواطـف متأججة لدى الجانبين، وانعدام الثقة المتبادل متأصـل الجــذور، وهناك جراح لا تلتئم قبـل مرور جيل
فالعنف لا يولد إلا المرارة والاستياء اللذين يولدان بدورهما المزيد من العنف.
والعواطف متأججة لدى الجانبين. وانعدام الثقة المتبادل متأصل الجذور. وهناك جراح لدى الأسر والمجتمعات المعنية قد لا تلتئم قبل مرور جيل.

ولا يسعني إلا تصور مدى الكرب الذي يشعر به الشعب الفلسطيني نتيجة الخسائر الجسيمة التي مُني بها في حوادث العنف الأخيرة. وأنا أشعر ببالغ الأسى للوفيات والإصابات التي شملت عدد كبيراً جداً من الشباب. وأنا أضم صوتي إليكم في تقديم تعازي الحارة لكل أسرة فقيد.

والسؤال المطروح على الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وعلى هذا الاجتماع، وعلى العالم، هو كيف يمكن وضع نهاية لأعمال العنف والقتل، وكيف يمكن احترام قداسة كل روح بشرية، من الفلسطينيين والإسرائيليين، صغاراً أو كباراً.

والسؤال هو كيف يمكن الاستجابة لتطلعات الفلسطينيين المشروعة إلى الكرامة الشخصية والاستقلال الوطني وكذلك لمطالب الإسرائيليين المشروعة بأن ينالوا الاعتراف بهم وبأن ينعموا بالأمن، وكيف يمكن مساعدة الجانبين على التوصل إلى سلام عادل، سلام يدر ثمارا حقيقية ومغانم حقيقية لكل فلسطيني ولكل إسرائيلي.

وكلا الجانبين في حاجة إلى المساعدة في التوصل إلى اتفاق عادل ودائم، اتفاق بين شعبين متساويين في الحقوق والمسؤوليات، اتفاق يمثل ما أسماه كل من رئيس الوزراء الراحل رابين والرئيس عرفات "سلام الشجعان".

هل نحقق ذلك السلام بتشجيع العنف، والحض على الكراهية وإدامة عدم الثقة، أم بتشجيع التعاون والحوار؟

هل نفعل ذلك بنكران حق جانب أو آخر في العيش في كنف السلالم والكرامة كأمة ذات سيادة، أم بقبول الحق الأساسي لشعبين متساويين في العيش في ظل السلام جنبا إلى جنب؟

هل نفعل ذلك بتعليم اطفالنا كره الجانب الآخر وحرمانهم من كرامتهم كبشر، أم بتوجيههم نحو مستقبل يمكنهم فيه أن يعملوا ويحققوا الرخاء معاً؟

أعتقد أن المنظمة المؤتمر الإسلامي دوراً حاسما عليها أن تؤديه في الإجابة على هذه الأسئلة وفي تأمين قدرة الشعب الفلسطيني، بعد هذه السنوات العديدة من المعاناة، على تحقيق حلمه بإقامة دولة مستقلة. وأعتقد أنه لا يمكن تأمين تسوية من هذا القبيل إلا عندما تكلل بالنجاح عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط بأكملها وعندما يتمتع السوريون واللبنانيون والإسرائيليون وكذلك الفلسطينيون، أخيرا بسلام عادل وشامل يقوم على الأساس المحدد منذ وقت طويل في قراري مجلس الأمين التابع للأمم المتحدة 242و 338.

أصحاب الفخامة،
اسمحوا لي الآن أنتقل إلى عدد من القضايا الأخرى التي تشغل بال هذه المنظمة كثيرا. إن الحالة في افغانستان ما زالت تشكل مصدر قلق بالغ بالنسبة للمجتمع الدولي. فعشب هذا البلد الأبي الشديد التثبت باستقلاله ما زال يعاني من آثار حرب تستمر بلا لزم منذ سنوات عديدة.

وستواصل الأمم المتحدة بذل كل ما في وسعها من أجل إيجاد حل سلمي عن طريق التفاوض بين الأطراف المتحاربة في أفغانستان. ويسرني القول إن جهود منظمة المؤتمر الإسلامي، وخاصة لجنتها المعنية بأفغانستان، ظلت تدعم وتكمل مساعي بعثة الأمم المتحدة الخاصة إلى أفغانستان طيلة السنوات القليلة الماضية.

ومما يؤكد أهمية هذا التعاون أنه لا يمكن أن يحدونا أمل النجاح في تحقيق السلام في أفغانستان بدون دعم من البلدان المجاورة وغيرها من البلدان المعنية. وفي هذا الصدد، أود أن أبرز الجهود الدبلوماسية الهامة التي تبذلها مجموعة "الستة زائد اثنان" التي ما انفكت تدعم جهود الأمم المتحد في أفغانستان. وخمسة من الدول المجاورة لأفغانستان أعضاء أيضاً في منظمة المؤتمر الإسلامي وفي مجموعة "الستة زائد اثنان".

وأنا ممتن لمساهمتها وأناشدها، وخاصة جمهورتي إيران وباكستان الإسلاميتين، أن تعملا معاً، بشكل أوثق من ذي قبل من أجل بلوغ الهدف النبيل المتمثل في تحقيق السلام في أفغانستان. فبعد كل هذه السنوات من القتال الأخرق، من حق هذا البلد المكلوم أن يتحقق له وقف دائم لإطلاق النار وإقامة حكومة عريضة القاعدة تمثل الجميع.


أشعر ببالـغ الأسف لاستمـرار معانـاة الشـعب العراقـي وأشـاطر جميـع الحاضريـن هنـا آمالـهم فـي أن يتسنـى رفــع الجــــزاءات المفروضـة علـى العراق وليس آجـلاً.
وأود الآن أن أنتقل إلى الحديث عن الحالة في العراق. فأنا أشعر ببالغ الأسف لاستمرار معاناة الشعب العراقي وأشاطر جميع الحاضرين هنا آمالهم في أن يتسنى رفع الجزاءات المفروضة على العراق وليس آجلاً.

وإني أدرك تماما الإحساس القائم لدى الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها بوجود مكيالين عندما يتعلق الأمر بتنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كما أعتقد، مثلما ذكرت في مجلس الأمن، أن الحالة الإنسانية في العراق تمثل معضلة أخلاقية بالنسبة للأمم، التي وقفت دائماً إلى جانب المستضعفين وسعت إلى التخفيف من آلامهم.

واسمحوا لي أن أقول أيضاً إنني أعتقد أن القيادة العراقية ستحقق مكاسب عن طريق التعاون مع المجتمع الدولي، بما في ذلك جيرانها، أكثر مما تحققه عن طريق المجابهة.

ومن واجبي بصفتي الأمين العام أن أذكر كل عضو في الأمم المتحدة بالتزاماته بموجب الميثاق وبواجب الامتثال لقرارات مجلس الأمن. وأناشد القيادة العراقية أن تعيد النظر في موقفها بغية التعاون مع المجتمع الدولي.

وأود، انطلاقا من هذه الروح، أن أهيب بجميع الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي أن تتذكر أن ألد العداوات بين الأمم لا تدوم إلى الأبد وهذا درس استخلصه العديد منكم طيلة تاريخه، ودرس استخلصه العديد من المناطق الأخرى والديانات الأخرى، من أوروبا إلى آسيا إلى أمريكا اللآتينية.

لذلك من واجب كل منا أن ينظر إلى ما هو أبعد من أزمة اليوم وأن يفكر، على المدى الأبعد، في وضع ترتيبات إقليمية أو دون إقليمية أوسع نطاقاً. وقد يتثمل أحد أهدف تلك الترتيبات في العمل على جعل منقطة الشرق الأوسط خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن العمل على تحقيق عالمية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

أصحاب الفخامة،
إن لديكم كمنظمة دول يجمعها العقيدة، قدرة فريدة من نوعها للإعتماد على جميع العناصر في مجتمعاتكم من أجل تعزيز السلام داخل مجتمعاتكم وبينها والعالم ككل كما أنكم تتحملون بصفتكم زعماء وطنين ودينين، مسؤولية خاصة عن تشجيع روح التسامح والتعايش وقبول وتعزيز تلك الروح.

وإني أؤمن إيماناً بأن أساس السلام والتقدم في أراضيكم- وفي العالم كله- يجب أن يتمثل في حوار نزيه وبناء قائم على الاحترام.


إنـي أؤمن إيماناً بأن أساس السلام والتقدم فـي أراضيكم، وفـي العالـم كلـه يجب أن يتمثل في حوار نزيه وبنـاء قائـم على الاحتـــرام.
وينبغي أن يدور هذا الحوار في إطار الأوسع بين الحضارات الذي كرست له الجمعية العامة السنة القادمة، بناء على اقتراح رئيسكم الموقر خاتمي. ويجب أن يكون حوار يدور داخل المجتمعات وكذلك فيما بينها. كما  يجب أن يكون حواراً قائما على الاحترام المتبادل.

والهدف ليس القضاء على الفوارق بين البشر، وإنما الحفاظ عليها بل وتمحيدها كمصدر للسعادة والقوة تلك هي الأخلاق العالمية التي نحتاج إليها: إطار من القيم المشتركة يمكن أن تتعايش داخله تقاليد مختلفة.

ويجب أن يتمكن البشر من اتباع تقاليدهم دون أن يتحاربوا. ويجب أن ينعموا بقدر كاف من الحرية لتبادل الأفكار. ويجب أن يكونوا قادرين على التعلم من بعضهم البعض.
وكما جاء في القرآن الكريم
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"
[السورة 49، الآية 13].
هناك تداخل بين جميع الأديان الكبرى والتقاليد فيما يتعلق بالمبادئ الأساسية لسلوك البشر، وهي: الإحسان والعدل والرحمة والاحترام المتبادل، وتساوي البشر أمام الله.

ذلك هو ما جعل دولا في جميع أنحاء العالم، تمثل العديد من التقاليد الدينية والثقافية المختلفة، تناصر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من الاتفاقات النابعة عنه. ويمكن لمنظمتكم أن تساعد في تأمين استخدام الحوار الديني والثقافي كأساس للمصالحة السياسية، حتى في أخطر الصراعات، وحتى بين ألد الأعداء.

وإني لعلي ثقة من أنكم ستواصلون حسب التقاليد العظيمة لعقيدتكم، السعي من أجل العدل والسلام بين شعوبكم وفي أرجاء العالم. وأتمنى لكم كل النجاح في مداولاتكم.
وشكراً."