من بين بنود عديدة وردت في وثيقة "المشاركة من أجل التقدم ومستقبل مشترك مع الشرق الأوسط الموسع وشمال أفريقيا" التي أقرتها قمة مجموعة الثماني في "سي أيلاند" بولاية جورجيا الأميركية في يونيو/حزيران 2004, حظي البند الذي يؤكد على أن الإصلاح أمر داخلي ولا يجب فرضه من الخارج، بترحيب وإشادة من الحكومات العربية, بل إن هذه الحكومات اعتبرته انتصارًا لوجهة نظرها الرافضة لدور خارجي في الإصلاح.

وكان الفهم الرسمي العربي لهذا البند الذي أقرته قمة الثماني, يتمثل في أن الحكومات العربية أصبحت هي المسؤولة عن تحديد ماهية الإصلاح ووتيرته ومدى ارتباطه بظروف هذه الحكومات وشعوبها، بينما كان الفهم الغربي لهذا البند أن الكرة أصبحت في ملعب الحكومات العربية وعليها أن تنفذ تعهداتها بالإصلاح والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
 
ولكن, وكما في كل مباراة رياضية, هناك حكام يحددون مدى خضوع اللاعبين للقواعد ومن الفائز والخاسر. وفي لعبة الإصلاح العربي, وضعت الحكومات الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة, القواعد ثم أعطت لنفسها دور الحكم الذي يتابع ويراقب ويحذر وقد يعاقب.

ونتيجة اختلاف التفسيرين العربي والغربي لبند "أن الإصلاح أمر داخلي" نشأ سوء فهم من الجانبين تطور إلى خلاف مكبوت سرعان ما خرج إلى العلن من خلال تصريحات متشنجة وتأجيل لقاءات عالية المستوى أو إلغائها، وأمور أخرى كثيرة غيرت أو كادت أن تغير من طبيعة العلاقات العربية مع الغرب كما شهدتها السنوات القليلة الماضية.

وتمثل الحالة المصرية بشأن الإصلاح وتفاعلاته مع الخارج نموذجًا جيدًا للاقتراب من هذه القضية الشائكة، واختبار مدى جدية دعوات الإصلاح الصادرة عن العواصم الغربية ودوافعها وكيفية استقبال الحكومات العربية كلها.

الحالة المصرية نموذجا

"
اضطرت واشنطن للموافقة على مقولة أن الإصلاح ينبع من داخل المنطقة العربية غير أنها أكدت أن ذلك لا يعني انتظاره إلى الأبد أو تركه في أيدي حكومات تتلاعب به أو تحرفه عن مساره الذي حددته المصلحة الأميركية
"

مع تسريب بعض الدوائر الرسمية الغربية أنباء عن مبادرات وشيكة للإصلاح في العالم العربي بداية عام 2004, ثم نشر إحدى  الصحف العربية الصادرة بلندن في مارس من العام الماضي نصًا غير رسمي لما أطلق عليه "خطة إصلاح الشرق الأوسط الكبير" وتعالت بعدها الأصوات الرسمية وغير الرسمية في مصر رافضة الفكرة من الأساس، وتهكم كثيرون على مصطلح الشرق الأوسط الكبير واعتبره آخرون في عداد المؤامرة.

وكان سبب الرفض هو أن الإصلاح مسألة داخلية ترتبط بظروف وتاريخ وقيم كل دولة, ولذلك ما إن أصدرت قمة الثماني في "سي أيلاند" وثيقة المشاركة من أجل التقدم ومستقبل مشترك مع الشرق الأوسط الموسع وشمال أفريقيا متضمنة بند: أن الإصلاح أمر داخلي، حتى سارع كبار المسؤولين المصريين بتأكيد أن تدخل مصر لدى مجموعة الثماني أدى إلى اعتراف الدول الموقعة بأن دعم الإصلاح سوف يسير جنبًا إلى جنب مع دعم مجموعة الثماني لتسوية عادلة وشاملة ودائمة للصراع العربي الإسرائيلي, كما أن المجموعة سوف تدعم الإصلاحات التابعة من المنطقة وأن الإصلاح الناجح يعتمد على دول المنطقة لأن التغيير لا ينبغي فرضه من الخارج. (د. محمد شعبان مساعد وزير الخارجية المصري في مقالة لمجلة آخر ساعة في يونيو 2004).

وقد شهد شهر يونيو/حزيران 2004 سلسلة قمم تلت قمة "سي أيلاند" مثل قمة الاتحاد الأوروبي التي أقرت المشاركة الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي مع منطقة المتوسط والشرق الأوسط، وقمة حلف الأطلنطي في إسطنبول التي أقرت مبادرة لتعزيز التعاون مع الشرق الأوسط الموسع ومكافحة الإرهاب، وقمة الولايات المتحدة/ الاتحاد الأوروبي في أيرلندا التي رفعت من مستوى الحوار مع دول المتوسط. وكان القاسم المشترك لهذه القمم هو التأكيد على مسألة أن الإصلاح أمر داخلي ولا يجب فرضه من الخارج.

وأدى تكرار هذا التأكيد من جانب مسؤولين غربيين بارزين إلى هدوء في رد الفعل الرسمي المصري على اعتبار أن ملف الإصلاح أصبح بيد الدولة المصرية وحدها، وترافق هذا الهدوء مع تقارير نشرتها صحف مصرية وعربية عن حالة فتور تدريجي أميركي بشأن مسألة الإصلاح.
 
ونقلت هذه التقارير عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الرفض الشعبي العربي للمشروع جعل واشنطن تقترب بحذر من قضايا المنطقة وتركز أكثر على المبادرات الاقتصادية والاجتماعية. وتعزز هذا الرأي في منتدى المستقبل الذي انعقد بالرباط في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، وسارت مناقشاته بسلاسة وحميمية بين الوزراء العرب ونظرائهم الغربيين.

مفاجآت لم تكن في الحسبان

"
المتابع عن قرب لحركة "بندول" العلاقات الأميركية مع مصر يلاحظ أن واشنطن, في عهد الإدارة الجمهورية المحافظة الحالية, جعلت من مسألة الإصلاح السياسي والديمقراطي في مصر حجر الزاوية في علاقات البلدين
"

إلا أن بدايات 2005 حملت مفاجآت لم تكن في الحسبان للمسؤولين المصريين, فقد توقفت حالة "الغمز واللمز" التي كان المسؤولون الأميركيون يمارسونها مع مصر وكان رائدهم في ذلك الرئيس جورج بوش الذي ردد مرارًا العبارة الموحية: إن مصر الفخورة بنفسها والتي قادت عملية السلام عليها أن تقود مسيرة الديمقراطية في المنطقة.
 
وللأسف, فإن مسؤولين مصريين وكتابا في الصحف القومية فسروا عبارة بوش على أنها إشادة بدور مصر وريادتها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تحليل ما تحمله من مطالب مبطنة للقيادة المصرية بشأن إرساء الديمقراطية في مصر لتكون نموذجًا يحتذى به في العالم العربي.

حالة الغمز واللمز تلك تحولت إلى انتقادات مباشرة وأحيانًا فظة من جانب المسؤولين الأميركيين في أعقاب اعتقال النائب المعارض أيمن نور رئيس حزب الغد يوم 29 يناير/كانون الثاني 2005 على خلفية اتهامات بتزوير توقيعات لتأسيس الحزب.

وقد نقلت هذه المواقف الأميركية العلاقات مع مصر إلى مرحلة جديدة لم تعهدها مصر من قبل، قوامها التعليق المباشر والعلني من جانب مسؤولي الإدارة والكونغرس على أمور لا تعجبهم في مصر، ودخلت وسائل الإعلام الأميركية المضمار بصورة مكثفة وشبه يومية. وتطور الأمر إلى إلغاء مؤتمر كان مقررًا عقده في القاهرة بداية مارس/آذار 2005 بشأن خطط الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط.

وقد ذكرت تقارير عديدة أن الإلغاء جاء بسبب رفض وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الحضور طالما ظل أيمن نور في الحبس.

ورغم حالة من الحراك السياسي شهدتها القاهرة عقب ذلك من بينها:
  • اقتراح الرئيس مبارك تعديل المادة 76 من الدستور المصري لاختيار رئيس الجمهورية بطريقة الاقتراع الحر المباشر بين متنافسين بدلاً من الاستفتاء.
  • ثم الإفراج عن أيمن نور.
  • وصدور العديد من الصحف الخاصة.
  • وخروج المظاهرات بشكل مكثف من جانب الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) وجماعة الإخوان المسلمين.

إلا أن المتابع عن قرب لحركة "بندول" العلاقات الأميركية مع مصر يلاحظ أن واشنطن, في عهد الإدارة الجمهورية المحافظة, جعلت من مسألة الإصلاح السياسي والديمقراطي في مصر حجز الزاوية في علاقات البلدين، ولذلك فإن محاولات كثيرة جرت من قبل الحكومة لفتح آفاق جديدة للتخفيف من حدة الضغوط الأميركية بشأن مسألة الإصلاح هذه مثل:

  • القيام بدور نشط في التسوية  الفلسطينية الإسرائيلية.
  • عودة السفير المصري إلى تل أبيب.
  • والتوقيع على اتفاق الكويز أي بروتوكول "المناطق الصناعية المؤهلة" بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة.


لكن يبدو أن كل ذلك لم يكن له تأثير كبير.

هل واشنطن معنية بالإصلاح في مصر؟
لماذا وصلت الأمور إلى هذا المنعطف؟ وهل واشنطن معنية بقضية الإصلاح في مصر لدرجة تحييد كل العناصر الأخرى من أجلها؟

"
مواجهة ضغوط فرض الإصلاح من الخارج لا تتأتى إلا بتنفيذ أجندة إصلاحية حقيقية وجادة اتفقت الأحزاب ومعظم مؤسسات المجتمع المدني المصري على خطوطها العامة
"

للإجابة عن هذين التساؤلين، هناك شقان الأول مرتبط برؤية واشنطن للشرق الأوسط في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 والنظرية التي صاغتها الإدارة لتفسير أسباب وقوع هذه الأحداث، وأهم من ذلك معرفة لماذا ينبع الإرهاب من البلاد العربية والإسلامية على وجه الخصوص؟
 
أما الشق الآخر فيتعلق بدور مصر في هذه الرؤية، وهل مصر بنظامها الحالي جزء من الحل أم جزء من المشكلة؟

بالنسبة للشق الأول, فقد صاغت الإدارة الأميركية نظرية بسيطة وصفها المفكر المصري سيد ياسين بأنها ساذجة نظرًا لاختزالها حقائق بالغة التعقيد في مقولات تبسيطية, فالإرهاب نتاج فكر متطرف سائد لم يكن لينمو ويسود لولا انسداد أفق التغيير السياسي أمام ملايين الشباب وتقييد المشاركة السياسية مما أدى إلى ظاهرة الاغتراب السياسي التي تعني إحساس هؤلاء الشباب بعدم السيطرة على مصيرهم وعدم التحكم في مستقبلهم, مما أدى لانضمام بعضهم إلى الجماعات الإرهابية التي قامت أولاً بالانقلاب على نظم دولها السياسية قبل أن تنتقل إلى الإرهاب العالمي.
 
وتأسيسًا على هذه النظرية نشأ المشروع الأميركي في الإصلاح السياسي بالمنطقة.
 
بهذا المعنى أصبح مشروع الإصلاح الأميركي للمنطقة مسألة أمن قومي وأولوية للسياسة الخارجية الأميركية, ولذلك فإن المصلحة الذاتية الأميركية هي التي تحركه من البداية للنهاية.
 
وإذا كانت واشنطن قد اضطرت للموافقة على أهمية أن ينبع الإصلاح من الداخل، إلا أن ذلك لا يعني من وجهة نظرها انتظاره إلى الأبد أو تركه في أيدي حكومات تتلاعب به أو تحرفه عن مساره الذي حددته المصلحة الأميركية.
 
إضافة إلى ذلك فإن واشنطن تدرك أن التطور السياسي والتاريخي لدول المنطقة المعنية بالإصلاح مختلف، ثم إن تجربة غزو العراق أثبتت للإدارة الأميركية أنها حتى لو طبقت الإصلاح بنفسها فإن النجاح ليس مضمونًا على الإطلاق بسبب اختلاف المجتمعات ومدى تقبلها للإصلاح، وبمعنى أكثر تحديدًا قدرتها على استيعابه والمضي قدمًا في تطبيقه.

هنا تأتي مصر التي أشار مسؤولون أميركيون إليها على أنها "الجائزة" التي يمكن أن تحصل عليها الإدارة الأميركية، فيما لو تبنت القاهرة مشروع الإصلاح على طريقة الإدارة الأميركية.
 
ولذلك ليس مفاجئًا أنه كلما تعثر المشروع الأميركي العسكري في العراق, زادت الضغوط على مصر المهيأة حسب هذه الإدارة للمضي قدمًا وبثقة في طريقة الإصلاح، ومن دون وقوع خضات أو هزات لو أرادت السلطات المصرية ذلك.
 
أضف إلى هذا أن مصر أكثر الدول المستفيدة من المساعدات الخارجية الأميركية، مما يعني أن بالإمكان استخدام هذه الورقة للضغط من أجل الإصلاح.

وقد كان لقضية المساعدات الأميركية لمصر تأثير كبير على العلاقات بين البلدين، منذ إقرار الكونغرس لها نهاية سبعينيات القرن العشرين.
 
وفي بداية الأمر كان المطلوب من مصر الاستمرار في عملية السلام مع إسرائيل، والعمل على خلق مناخ عربي موات للتسوية السلمية العربية معها, لكن هذه المساعدات أصبحت في السنوات الأخيرة عامل ضغط مؤثر على صانع القرار المصري، فيما يتعلق بالشؤون الداخلية لمصر سواء بشأن الإصلاح أو الديمقراطية أو التعامل مع منظمات المجتمع المدني.

الموقف الأميركي تجاه مصر لم يكن نتيجة العوامل السابقة فقط, بل أيضًا انعكاسًا لحالة التعثر التي شهدها المشروع العسكري الأميركي في العراق عقب الغزو في مارس/آذار 2003, وبالتالي فإن الفهم الرسمي المصري الذي ساد مع انتهاء قمة "سي أيلاند" كان قراءة خاطئة للرؤية الأميركية التي لم تشر واشنطن إلى أنها بصدد التخلي عنها. بل إن الشواهد تشير إلى أن الإدارة الأميركية مصممة على المضي بها إلى نهاية الشوط دون مراعاة لأية اعتبارات.



إن هذا الإصرار الأميركي على تنفيذ مصر لهذه الأجندة النابعة من المصلحة الذاتية الأميركية قبل كل شيء يقابله رفض شعبي ونخبوي ورسمي لفرض الإصلاحات من الخارج, لكن لسوء الحظ فإن هذا الرفض وحده لا يكفي لمواجهة الضغوط الأميركية والخارجية, فالمطلوب أجندة داخلية للإصلاح والديمقراطية, وهي لحسن الحظ موجودة، اتفقت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني على الخطوط العريضة لها، ويبقى أن تتبناها الحكومة بدون أن تفرغها من مضمونها. وحدها هذه الأجندة هي الكفيلة بمواجهة الأجندة الأميركية.
_______________