لا يزال التردي في قطاع الخدمات وبخاصة المياه الصالحة للشرب
أحد ملامح حياة العراقيين اليومية لا سيما في المحافظات الجنوبية

علي الراوي

المراقب للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العراق بعد انقضاء عام على دخول القوات المحتلة لا يخرج بانطباع يدعوه إلى التفاؤل، فمظاهر الحرب لا تزال ماثلة للعيون، بل إن الحرب ذاتها لا تزال قائمة وهي واقعة كل يوم، موقعة خسائر بشرية ومادية واقتصادية واجتماعية بالمجتمع والمحتلين.

إن الزائر للمدن العراقية بعد أكثر من عام يشاهد وبشكل مباشر وعلى الطبيعة بقايا الحرب من آلة عسكرية وعتاد وشظايا إلى آثار جنازير الدبابات والناقلات مرورا بالتخريب الذي حصل في الطرق والجسور والمباني الحكومية والأهلية والعسكرية والمدنية، كما يشاهد الراصد لآثار الحرب في العراق تلك الآثار ماثلة على وجوه الناس، فأكثر من 100 ألف من السكان فقدوا أحد أبنائهم أو أقاربهم من الدرجة الأولى، كما أن مئات الآلاف من السكان يعانون من توقيف أبنائهم في السجون والمعتقلات الأميركية، ناهيك عن أن الأجواء العامة للحرب بكل تفاصيلها وبالصوت والصورة لا تزال تخيم على الناس في المدن والقرى، فأصوات الانفجارات وأزيز الرصاص والقنابل الصوتية ومشاهد الطائرات الحربية تملأ أجواء المدن وتملأ قلوب الأطفال بالخوف وتمنعهم من النوم لساعات طويلة، ناهيك عن هواجس الخوف من المداهمات أو القصف العشوائي أحيانا.

أما البيئة فلم تسلم هي الأخرى من آثار الاحتلال، فالدخان لا يزال يتصاعد في مناطق كثيرة والقوات المحتلة ولأسباب أمنية قامت بقطع مئات الآلاف من الأشجار ومنها النخيل المثمرة على طريق المطار مثلا، مدعية بأنها تشكل خطرا على قواتها لأنها أصبحت أفكارا للمقاومين. يتم هذا في بلد استوائي أو شبه استوائي يعاني من شح المياه ويصعب فيه تعويض الشجرة أو النخلة المحروقة.

وعلى صعيد البيئة أيضا فإن الأجواء مسممة بكل المقاييس ناشئة عن آثار الانفلاقات الجوية والطلقات والأسلحة التي لا يعرف أحد حدود آثارها على البيئة والصحة والحياة، كما أن ضعف بل انعدام الخدمات البلدية أحيانا وتراكم ملايين الأطنان من القمامة في المدن وعدم معالجتها جعل مدن ومياه وهواء وغذاء العراق غير صالح للاستعمال البشري.

إن ما يثير الاستغراب حقا هو أن الركام الناشئ عن الحرب لا يزال على حاله ولم تكلف سلطة الاحتلال ولا وزارات مجلس الحكم نفسها في إزالة هذه الصورة البشعة لآثار الحرب المادية من خلال رفع الأنقاض وإزالة المشاهد المأساوية الماثلة في الطرق والمباني المحطمة والمطبات المنتشرة في كل مكان.

إن الحديث عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لابد من أن يبتدئ من مدى الأمن الذي يحرزه الناس لأنفسهم أم تحققه السلطات الحاكمة لهم.

وفي هذا الصدد فإن أبسط مبادئ الأمن والاستقرار والتفاؤل تكاد تكون معدومة في العراق، فالاحتراب قائم بين المقاومين والمحتلين من جهة، كما أن بوادر فتنة طائفية دفينة بدأت تظهر وتعبر عن نفسها من حوادث متفرقة بصيغة اغتيالات وتصفية حسابات قديمة تغذيها مظاهر وروائح كريهة لفرز وتقسيم طائفي بغيض ومقيت وفرز ألوان على أسس قومية وإثنية خطيرة معززة بأذرع القوة من مليشيات مسلحة.

إن ضعف الواقع الأمني انعكس سلبا على نفسيات الناس وتآكل الجزء الأعظم من تفاؤلهم الذي ترعرع على خلفية استبدال النظام السابق الدكتاتوري بآخر ديمقراطي يقدم طبق الديمقراطية معززة بحزمة من وسائل الرفاه والترف والاستقلالية، وهو ما لم يتحقق ولا يبدو أنه سيتحقق في الأجل المنظور.

إن تقديم صورة لوضع المجتمع والاقتصاد العراقي بعد عام من الاحتلال يقضي تفكيك وتجزئة الصورة إلى مكوناتها كالآتي:

الأوضاع الاقتصادية والمعيشية
القطاع الخدمي
الوضع الاجتماعي

الأوضاع الاقتصادية والمعيشية

كان الوضع الاقتصادي قبل الاحتلال سيئ بشكل عام فالسياسات الاقتصادية الكلية ارتجالية وتجريبية وغير مستقرة والبطالة متفشية والفقر حاصل لنسبة كبيرة من المجتمع. أما بعد مرور عام على الاحتلال فقد انتفت السياسة الاقتصادية أصلا مع تحطم هياكل الدولة التي كانت تضعها أو تصممها، وسادت العشوائية في بعض ما اتخذ من قرارات على صعيد الأجور والأسعار وارتفعت نسبة البطالة بشكل مذهل وارتفعت مستويات الأسعار إلى مستويات جنونية أحيانا وزاد الفقر بصورة المطلق والنسبي وزاد عدد ونسبة من يعانون من الفقر المدقع.

البطالة
قبل الاحتلال كانت نسبة البطالة المقدرة 30% (من قبل بعض الجهات غير الرسمية)، أما البطالة التي كانت تنشرها وزارة التخطيط السابقة فكانت 18% فقط وهي نسبة غير صحيحة. أما بعد الاحتلال فقد ارتفعت نسبة البطالة إلى ما يقرب من 70% أو أنها تتراوح بين 60-70% في أحسن الأحوال (النسبة التي قدمها الجهاز المركزي للإحصاء قبل شهر هي 28%! فقط وهي نسبة غير صحيحة كما نعتقد).

طابور طويل للحصول على الغاز

إن تسريح أعداد هائلة من العاملين وحل الدولة ووزارات الدفاع والداخلية والثقافة وغيرها أدى إلى إلقاء أولئك العاملين سابقا في براثن البطالة والفقر، كما أن فصل بعض العاملين لأسباب سياسية زاد من أعداد العاطلين عن العمل ونسبتهم إلى مجموع السكان.

الفقر
إن من البديهيات الاقتصادية أن زيادة نسبة البطالة تعني زيادة نسبة الفقر خاصة في ظل غياب نظام للرعاية والضمان الاجتماعي أو شبكات الأمان الاجتماعي أو إعانات البطالة.

كما أن نظام توزيع الدخول الذي شهد تغيرا ورفعا في بعض مستويات الأجور للعاملين في القطاع العام (وشهد أيضا خفضا لبعض الدخول لبعض الشرائح الاجتماعية العاملة) لم يكن بالمستوى المعقول، حيث لم يقم على معايير عقلانية إذ قسم العاملين إلى ثلاثة مستويات دونما الالتفاف إلى مستوى العاملين أو مدة خدمتهم أو تأهيلهم العلمي أو مدى خطورة العمل الذي يمارسونه وهو يفتقر إلى أبسط المبادئ العقلانية لقوانين توزيع الدخل.


كان الوضع الاقتصادي قبل الاحتلال سيئا بشكل عام، أما بعد مرور عام على الاحتلال فقد انتفت السياسة الاقتصادية أصلا مع تحطم هياكل الدولة

إن مساواة عامل بسيط في توزيع الدخل مع عالم يحمل أعلى تأهيل علمي يعتبر مفارقة (paradox) كما نعتقد وهذا ما حصل فعلا، كما أن التعديل الذي تم إجراؤه بعد عدة أشهر على النظام القديم كان من الناحية الإجرائية أكثر مشاكل من سابقه بحيث تجد مساواة مثلا بين مدير الدائرة والسائق الذي يعمل في نفس الدائرة، إضافة إلى أن النظام اشتمل على تفاوت صارخ وغير مبرر بين دخل مدير عام مثلا ودخل مدير قسم في نفس الدائرة يصل إلى أربعة أو خمسة أضعاف، وهذا ما كان يعاب أيضا على النظام السابق!

الرواتب
إن نظام الرواتب والأجور لا يزال سيئا ومعدل الدخول النقدية منخفض بكل المقاييس فراتب أعلى أستاذ جامعي مثلا (بروفيسور مع 25 سنة خدمة) لا يتجاوز 500 دولار، وهو منخفض جدا بالمقارنة مع أقرانه في أفقر بلد وأكثره تخلفا في العالم.

كما أن عدد العاطلين في القطاع العام العراقي الذين شملوا بنظام تعديل الرواتب والأجور لا يزيد عن 600 ألف عامل وموظف في أحسن الأحوال وهم يشكلون نسبة منخفضة من اصل مجموع قوة العمل الكلية حيث لا يزال الدخل في القطاع الخاص (الأجور) منخفض جدا بسبب المنافسة الشديدة وشدة البطالة بين العاملين من جهة وظاهرة الركود والكساد الاقتصادي الذي يعاني من القطاع الخاص في ظل الانفتاح وغياب الأمن وارتفاع التكاليف وعدم استقرار المناخ السياسي والاقتصادي.

ثم إن دخل العاملين في القطاع الزراعي وهو قطاع خاص بالكامل متدن جدا بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي وعدم توفر المدخلات الإنتاجية بشكل مناسب لدخولهم، إضافة إلى منافسة المنتجات الزراعية المستوردة لمنتجاتهم وهذا ينطبق على العاملين في القطاع الخاص الصناعي والخدمي وإن كان بدرجات متفاوتة.

الدخل الحقيقي للأفراد
أما عن الدخل الحقيقي للأفراد فهو منخفض وينخفض باستمرار بسبب الموجات التضخمية المتلاحقة التي حلت بالمستوى العام للأسعار حيث ارتفعت عموم الأسعار لعموم السلع والخدمات في العراق بشكل غير مسبوق وصلت على سبيل المثال إلى 2000% مثلا خلال نصف عام للوقود والمحروقات، كما ارتفعت أسعار الخضار واللحوم والخبز والخدمات الأصلية والإيجارات والأراضي والعقارات بنسب مقاربة 100-150%.

أما ما تحقق من انخفاض في بعض السلع المستوردة فجاء بسبب إيقاف العمل بالنظام الجمركي والضريبي بشكل مؤقت، إضافة إلى أن نوعية السلع المستوردة متدنية وهي من مناشئ مشبوهة أحيانا وغير صالحة للاستعمال البشري في أحيان أخرى.

جملة القول إن الوضع الاقتصادي قد تردى وازداد سوءا على الصعيد المحلي ممثلا بظاهرة الركود التضخمي حيث التضخم في الأسعار والركود في الإنتاج مع شيوع البطالة والفقر.

أما على الصعيد الخارجي فهناك حزمة سياسات لم تنفذ بعد بعضها يحمل أخطارا حقيقية على الاقتصاد والمجتمع العراقي (خصخصة، استثمارات أجنبية، اتفاقيات بعيدة المدى، سلخ العراق من المحيط الإقليمي، تعميق الروابط مع الاقتصاد الغربي في ظل ظروف غير متكافئة، السكوت عن أمور مثل المديونية والتعويضات..إلخ).

القطاع الخدمي


بعد الاحتلال ومنذ عام انهارت مكونات القطاع الخدمي بشكل شبه كامل لأشهر عديدة، وبدأت وببطء شديد تقدم بعض خدماتها بصعوبة بالغة

كان القطاع الخدمي على أهميته البالغة يعاني من التخلف الشديد في ظل النظام السابق وعلى كل الأصعدة وفي كل الميادين. ربما الاستثناء هو الخدمات الأمنية إذ كانت مستتبة نسبيا، فالتخلف الفني والتقني ومحدودية الخدمات ورداءة نوعيتها والرشوة والفساد الإداري والمحسوبية كانت من المظاهر العامة لهذا القطاع، ولولا التقدم الذي أحرز في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي (تعليم، صحة، مبان، بنى تحتية...إلخ) لكان هذا القطاع قد انهار بالكامل منذ مطلع التسعينات، إلا أنه ظل معتمدا على تلك الهياكل مع ترد متواصل في نوعية تلك الخدمات.

بعد الاحتلال ومنذ عام انهارت مكونات القطاع الخدمي بشكل شبه كامل لأشهر عديدة وبدأت وببطء شديد تقدم البعض من تلك الخدمات ولكن بصعوبة بالغة، فالبنى التحتية كانت هدفا محوريا من الأهداف العسكرية للاحتلال الذي انصب معظم جهده الحربي على هذا القطاع وأحاله إلى قطاع مدمر تقريبا، فقطعت الجسور ودمرت طرق المواصلات البرية وحطمت الموانئ على قلتها في العراق وحطمت محطات توليد الطاقة الكهربائية ومراكز الاتصالات السلكية واللاسلكية ومحطات الإذاعة والتلفزيون وحتى محطات تحلية المياه لم تسلم من التدمير أحيانا وكذلك بعض السدود، ناهيك عن المباني الحكومية للمؤسسات والوزارات التي دمرت بالكامل فلم تسلم أي بناية حكومية لأي وزارة سوى وزارة النفط! ولأمر ما.

الكهرباء
كما أن ما لم تدمره الآلة العسكرية دمره اللصوص والعصابات وقاموا بحرقه بعد نهب محتوياته وعلى مرآى من جنود الاحتلال. واقع القطاع الخدمي الآن على أسوأ ما يكون وهو متخلف بكل المقاييس (الاستفتاء العالمي يقول إن أسوأ مدينة للعيش هي بغداد!) فالطاقة الكهربائية لا تغطي الآن إلا نسبة 50% من الحاجة الفعلية، وفي موسم الذروة لا تغطي سوى 20-30% من حاجة الناس، هذا في ظل ركود النشاط الاقتصادي المستخدم للطاقة الكهربائية كمدخل إنتاجي، ولو كان النشاط عاليا لانخفضت نسبة التغطية ربما إلى 15% فقط بعد عام من الاحتلال، كما أن البنى التحتية في هذا القطاع متدهورة جدا وقد تخرج بعض المحطات في أية لحظة من الخدمة (محطة الناصرية، محطة بيجي، محطة الدورة..).

المياه والمجاري


الأوضاع الاجتماعية الحالية على وجه الإجمال لا تطمئن الحريصين على وحدة العراق أرضا وشعبا ولا على هويته العربية ومستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أضحى في مهب الريح إن لم تتداركه أيد وطنية مخلصة
أما خدمات تجهيز المياه فهي أحسن حالا من سابقاتها الآن إلا أن نوعية المياه رديئة بحكم التلوث الذي تعاني منه الأنهار وقدم محطات المعالجة.

وفيما يتعلق بالخدمات البلدية (المجاري ولبلديات) فهي متدنية جدا وتعاني من الاختناق ولنقص الشديد في الآليات والتمويل.

الخدمات الصحية
وتعاني الخدمات الصحية من نقص في المعروض وقلة في وسائل العلاج والرعاية والمكافحة والمستلزمات الطبية ووسائل الوقاية والمباني ومحدودية عرض تلك الخدمات خاصة في القرى والأرياف حيث غابت مديرية الصحة الريفية من أروقة وزارة الصحة.

التعليم
أما خدمات التعليم بمستوياته المختلفة فهي الأخرى متخلفة بكل المعايير (المباني، لوسائل، الأساتذة) حيث المباني القديمة والمستلزمات التي تعرضت للنهب إضافة إلى ظاهرة هجرة أعضاء الأسرة التعليمية إلى الخارج لأسباب اقتصادية وأمنية أيضا، وهذا ما فعله بعض العاملين في القطاع الصحي (أطباء، صيادلة، مهنيين) والقطاع الهندسي أيضا (مهندسو بنايات وميكانيك وبرمجيات وحواسيب).

خدمات النقل الحكومي
أما خدمات النقل الحكومي المجاني وشبه المجاني فقد اختفت بشكل شبه كامل بعد سرقة أسطول نقل الركاب داخل المدن وتهريبها إلى الخارج أو استيلاء البعض على الناقلات وتشغيلها لصالحه أمام أنظار السلطات، فيما تتردى خدمات النقل العام في الدوائر الحكومية عموما وتزدحم طرق المواصلات ازدحاما شديدا بسبب كثرة نقاط التفتيش وحواجز الكونكريت الموضوعة وسط الطرقات أو قطع بعض الشرايين المهمة من طرق المواصلات لأسباب أمنية أو بسبب عدم صلاحيتها للاستخدام بسبب التدمير وغياب برامج الصيانة أو الإصلاح، هذا بالإضافة إلى فتح السوق لاستيراد أعداد هائلة من السيارات الخاصة من قبل المواطنين مستغلين غياب الإجراءات الجمركية ولحاجتهم الماسة إليها وبكم يفيض عن الطاقة الاستيعابية للطرق وعدم إخراج سيارات قديمة من الخدمة رغم تقادمها الشديد وآثارها السلبية على البيئة.

الاتصالات
أما ما يتعلق بقطاع الاتصالات فلا تزال الخدمات الهاتفية تعمل بنصف طاقتها أو أقل من ذلك بسبب التدمير الشامل الذي لحق بمراكز الاتصالات والقواطع كونه من أول الأهداف العسكرية، إضافة إلى أن خدمة الهاتف النقال الذي دخل قريبا لم تكن موفقة، بل رديئة جدا وغالية الثمن بالقياس إلى الدخل الصافي للمواطن العراقي وسوء الإدارة وقلة الخبرة في هذا المجال، سيما وأنها أحيلت بشكل متسرع إلى شركات يبدو أنها غير قادرة على تشغيلها في الظرف الحالي.

وإجمالا يمكن القول إن وضع قطاع الخدمات في العراق الآن مزرٍ جدا وهو يفتقر إلى أبسط أنواع الخدمة العصرية في ظل قطاع البنى التحتية المحطم الذي لم تشمله حملات الإعمار إلا في الصحف!

الوضع الاجتماعي

هناك علاقة جدلية بين الأوضاع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في أي مجتمع إذ لا يمكن الفصل بين هذه الأوضاع، وإذا كان الوضع السياسي معروفا للقاصي والداني والوضع الاقتصادي كما عرضنا له آنفا، فإن الوضع الاجتماعي دالة له بالضرورة لأن المشاكل الاجتماعية وليدة الأوضاع السياسية والاقتصادية في الغالب.

أهم سمات الوضع الاجتماعي في الوقت الراهن هي حالة الإحباط الكبير الذي أصيب بها المجتمع. فبعد مرور عام على الاحتلال تزداد الجريمة ويزيد الهاجس الأمني خطورة ويزداد الفقر وترتفع نسبة البطالة ويزداد التغريب والتهميش وتنتشر المظاهر اللانضباطية في الشارع ويغيب القانون ويحصل التجاوز على أبسط الحقوق من قبل قوات الاحتلال وأفراد العصابات، فلا يحترم القانون ولا يمتثل لرجال القانون وأدواته ويساء إلى مقدمي الخدمة العامة (شرطة المرور على سبيل المثال)، وتحاصر القضية الحقوقية ويساء إلى الأخلاق العامة وتنتشر مظاهر الجريمة والانحراف (بيع أسلحة في الشارع مع العتاد، بيع مخدرات في الشوارع، بيع حبوب الهلوسة والمشروبات الروحية على الأرصفة،.. وغير ذلك).

أما مظاهر الفساد الإداري في الجهاز الحكومي ودوائر الدولة (وهي تركة النظام السابق للأمانة) فقد ازداد انتشارا ونسبة وكلفة.

الأهم من كل ذلك هو التهديد الذي يمثله التقسيم الطائفي والعرقي الذي صارت تتم وفقه معايير الوطنية والولاءات والدعوات غير الوطنية بل الشعوبية والشوفينية لتقسم المجتمع تقسيما عرقيا، ويعبر ذلك عن نفسه على أرض الواقع ودونما عناء شديد ليرصده المراقبون.

لأن التعاطي مع الأوضاع الجديدة بمعايير عصرية ووطنية أصبح صعبا جدا مما يهدد النسيج الاجتماعي بالتهتك وينذر بزيادة احتمالات الاحتراب وتفشي العنف وزيادة الجريمة، وقد يؤول الأمر إلى تقسيم البلاد إلى دويلات صغيرة مع سلخها عن محيطها العربي والإسلامي وفق اعتبارات مشروع جديد يطل على المنطقة بأسرها.
إن ما يقلق النخبة الوطنية المخلصة الحريصة على وحدة العراق وهويته الإسلامية والعربية هي أن تسود قيم ومعايير واعتبارات تحول إلى بنود في الدستور القادم قسرا تكرس أوضاعا غريبة عن المجتمع العراقي المعروف بأصالته العربية وتمساك القوى الوطنية والنسيج الاجتماعي فيه.

إن الأوضاع الاجتماعية الحالية على وجه الإجمال لا تطمئن الحريصين على وحدة العراق أرضا وشعبا ولا على هويته العربية ومستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أضحى في كف عفريت إن لم تتداركه أيد مخلصة مؤمنة نظيفة وطنية لتوقف تدحرجه نحو الهاوية لا قدر الله.
_____________________
رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بغداد