محمد عبد العاطي

كان لأوروبا وبالأخص لبريطانيا دور فاعل في القضية الفلسطينية حينما كان لها وجود عسكري مباشر على الأرض، وحينما كانت تريد لنفسها أن تلعب دورا محددا خلال فترة امتدت على مدى 31 عاما (1917-1948)، وفور أن أتمت هذا الدور الذي تمثل آنذاك في تثبيت أقدام المهاجرين اليهود، أعلنت انسحابها عام 1948 تاركة وراءها دولة جديدة أطلقت على نفسها اسم "إسرائيل"، ومخلفة كذلك دولة كان مفترضا بحكم التاريخ ومنطق الحق أن تقوم حاملة اسم "دولة فلسطين".
 
محطات الموقف الأوروبي من الدولة الفلسطينية
وبعد أفول نجم الإمبراطوريات الأوروبية ولا سيما البريطانية والفرنسية بنهاية الحرب العالمية الثانية انتقلت فعالية الدور إلى الولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت اللاعب الجديد على مسرح السياسية الدولية، وخبا الصوت الأوروبي منذ ذلك الوقت حتى كاد أن يختفي لولا بيانات وتصورات نظرية صدرت في هذه العاصمة الأوروبية أو تلك عبرت عن رؤيتها لحل الصراع العربي الإسرائيلي وكيفية إقامة الدولة الفلسطينية، وكان من ذلك على سبيل المثال:

"
كان لأوروبا دور فاعل في القضية الفلسطينية قبل عام 1948 لكن هذا الدور تحول إلى تصريحات سياسية ومساعدات مالية محدودة حينما آلت الأمور للولايات المتحدة الأمريكية
"
في عام 1976 أصدرت الدول الأوروبية بيانا سمي "بيان نوفمبر" عبرت من خلاله الدول الأوروبية عن موقف صريح من القضية الفلسطينية، فطالبت إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 تمهيدا لإقامة الدولة الفلسطينية على هذه المساحة من الأرض.

وفي عام 1980 كان إعلان المجموعة الأوروبية في مدينة البندقية بإيطاليا الذي حمل اسم "إعلان البندقية" وقد تميز بلغته الصريحة وعباراته الواضحة في مساندة الحق العربي واعترافه صراحة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وقد طالب إسرائيل بالتوقف عن بناء المستوطنات، واعتبرها غير شرعية ووصفها بأنها عقبة أمام تحقيق السلام في الشرق الأوسط.

ومع بداية عقد التسعينيات خرجت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بالإعلان عن بدء مشروع كبير يرمي إلى إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط والبحث عن طرق لحل القضية الفلسطينية والتوصل إلى تسوية لمشكلاتها العالقة مثل القدس والمستوطنات واللاجئين والمياه وغيرها كل ذلك من خلال مفاوضات ثنائية وجماعية تمهد البيئة اللازمة لإعلان قيام الدولة الفلسطينية، فكانت فكرة عقد مؤتمر جامع للسلام يعقد في إحدى العواصم الأوربية فكان مؤتمر مدريد عام 1991.

ثم عادت الدول الأوربية وعبرت من خلال بيان مشهور عرف باسم بيان فلورنسا في يونيو/ حزيران 1996 عن موقفها من الدولة الفلسطينية الذي شددت فيه على ضرورة قيامها وعبرت عن مخاطر التراجع عن العملية السلمية ووقفت مساندة وداعمة إلى جانب أي مفاوضات جادة ومثمرة تكون محصلتها النهائية دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيلية آمنة.

التصور الأوروبي للدولة الفلسطينية

"
المفاوضات الثنائية المبنية على مرجعية القرارات الدولية وبمساعدة اللجنة الرباعية وبهدي من خارطة الطريق هي السبيل إلى إقامة الدولة الفلسطينية كما تتصورها أوروبا
"

ومع نهايات القرن العشرين تشكلت صيغة جديدة كان من أحد أهدافها إقامة الدولة الفلسطينية وكان الاتحاد الأوروبي إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة أحد أركانها، وعرف هذا التحرك الجديد بـ "اللجنة الرباعية" وقد اجتهدت أوروبا من خلال عضويتها في هذه اللجنة في أن تبلور موقفا وتحدد رؤية للدولة الفلسطينية، فعبرت عن هذا التصور في نقاط التالية: 

  • السبيل إلى إقامة الدولة الفلسطينية هو المفاوضات، ولا سبيل آخر غير ذلك، ومن ثم فإن عمليات "العنف" التي تقوم بها بعض الفصائل الفلسطينية مرفوضة من وجهة النظر الأوروبية، والوصف الذي تطلقه أوروبا على مثل هذه العمليات هو "الإرهاب".
  • المبدأ الحاكم الذي تنطلق منه المفاوضات الرامية إلى إقامة هذه الدولة هو "الأرض مقابل السلام".
  • أما الإطار القانوني الذي تستند إلى مرجعيته أي مفاوضات تتم بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بغرض التوصل إلى صيغة للدولة المنشودة هو قرارات الأمم المتحدة ولا سميا القرارات أرقام (242، 338، 1379). 
  • وبالنسبة للظرف الإقليمي المهيئ لبروز هذه الدولة إلى النور فهو مبادرة الأمير عبد لله التي تبناها العرب في قمة بيروت عام 2002 والداعية إلى التطبيع الكامل بين العرب وإسرائيل ضمن إطار للتسوية النهائية للقضية الفلسطينية.


  • وأخيرا فإن الآليات المعتمدة والتي من شأنها أن تسهل تنفيذ تلك الرؤية فهي خارطة الطريق واللجنة الرباعية.

الموقف الأوروبي من المنظمة والسلطة

"
أوروبا باتت تعتقد بأن حماس رقم لا يمكن تجاهله في طريق التمهيد لإقامة الدولة الفلسطينية فتواصلت معها بالرغم من إدراجها من قبل على رأس قائمتها للمنظمات الإرهابية

"

في ظلال هذه الرؤية رسمت أوروبا ملامح تعاملها من منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بها ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني ومن السلطة الفلسطينية، خاصة بعد أن اعترفت الأخيرة بحق إسرائيل في الوجود من خلال موافقتها على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 224.

ومن هذا المنطلق رفضت أوروبا المساعي الإسرائيلية بعزل رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات، واعترضت على التهديدات الإسرائيلية بقتله، وألقت باللائمة على إسرائيل حينما اتخذت سياسة هدم البنية التحتية لمناطق السلطة الفلسطينية واعتبر المنسق الأعلى للسياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا أن ما تقوم به إسرائيل من تدمير للبنية التحتية في الضفة والقطاع هو "هدر للمساعدات الأوروبية، وإعاقة عن التوصل إلى فرص لإحلال السلام، وإضاعة لمساعي يمكن أن تسفر عن إقامة دولة فلسطينية في نهاية المطاف".

التواصل الأوروبي مع حماس
ثم تقدمت الدول الأوروبية خطوة للأمام في عام 2005 فاجأت بها الرأي العام العالمي حينما أعلنت عن تكثيف اتصالاتها مع حركة المقاومة الإسلامية حماس رغم أنها قد وضعتها في سبتمبر/ أيلول عام 2003 على رأس قائمة المنظمات الإرهابية، وقد فسر الاتحاد الأوروبي هذا التواصل الجديد بأنه "لازم، خاصة بعد الانتخابات البلدية التي حققت فيها الحركة فوزا كبيرا، وبعد أن اقتنع الأوربيون أن سلاما في الشرق الأوسط وحلا للقضية الفلسطينية ومسعىً لإقامة الدولة لا يمكن له أن يتم دون التفاوض مع حماس".

الآليات الأوروبية لتحقيق الدولة الفلسطينية
ولم تنس الدول الأوروبية وهي تسعى لبلورة موقف بشأن الدولة الفلسطينية أن تضع مسألة المساعدات ضمن هذا الإطار وذلك من خلال برامج محددة حملت عناوين إصلاح السلطة ومؤسساتها، وكانت أكثر تحديدا بتقديم مشروعات لإصلاح مرافق بعينها في السلطة الفلسطينية مثل منظومة القضاء، والمؤسسات المالية، والأجهزة الأمنية..إلخ.


وعبرت صراحة وكما جاء على لسان منسق سياساتها الخارجية خافيير سولانا أثناء زيارته للقدس في الثاني عشر من يوليو/ تموز 2005 في إطار مساعي الاتحاد لتشجيع إسرائيل على إتمام خطتها الهادفة إلى الانسحاب من غزة بأن الاتحاد الأوروبي "يريد أن يساعد على المستوى الاقتصادي والسياسي والأمني" معتبرة ذلك خطوة مهمة على طريق دولة فلسطينية طال انتظارها، إذا ما تحققت جنت أوروبا من



ورائه استقرارا في الشرق الأوسط مطلوبا أمنيا واستراتيجيا.
____________
الجزيرة نت.

المصادر:
1- نصوص بيانات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بفلسطين والسلام في الشرق الأوسط.
2- اللجنة الرباعية، وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث البريطانية.
2- نصوص قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية ولا سيما تلك المتعلقة بالدولة. 1937 ، 224 ، 338.
3- نص تصريح سامي أبو زهرى ومحمد غزال المسؤولين في حماس في يونيو/ حزيران 2005.
4- نص تصريحات المنسق الأعلى للسياسات الخارجية الأوروبية خافيير سولانا في المؤتمر الصحفي مع وزير الخارجية الإسرائيلية سيلفام شالوم أثناء زيارته للقدس 12/7/2005.
5- الاتحاد الأوروبي وقضية فلسطين.. تراجع مريب وانفصام سياسي، حسن أبو طالب، صحيفة الوطن السعودية 17/2/2004.
6- أوروبا وفلسطين من الحروب الصليبية حتى اليوم، بشارة خضر، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، سنة 2003.