رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري (يمين) والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أثناء زيارة الأول طهران (الفرنسية-أرشيف)

شفيق شقير

عندما تسلمت الثورة الإسلامية زمام الحكم في إيران كان لبنان غارقا في الحرب الأهلية، وقوبلت باهتمام من قبل كل طرف لبناني بحسب مصالحه وأهدافه، وكان احتفاء القادة المسلمين بها حارا بخلاف القادة المسيحيين الذين أظهروا تخوفا من تعاظم الدور الإيراني في لبنان ضد مصالحهم، حتى وصل الأمر عام 1982 إلى أن قامت  إحدى المجموعات المسيحية المسلحة (القوات اللبنانية) باختطاف أربعة دبلوماسيين إيرانيين(1) كانوا متوجهين من دمشق إلى بيروت عبر الطريق الساحلي الذي يربط بيروت بشمال لبنان، ومذاك الحين انقطعت أخبارهم ولم يعثر لهم على أثر.

علاقات برعاية سورية
ولكن في بداية التسعينيات وبعد اتفاق الطائف تعززت العلاقة اللبنانية الإيرانية وشهدت في فترات محدودة بعض التقلبات السلبية وخاصة عام 1988، وذلك تبعا للتقلبات التي كانت تطرأ على العلاقات السورية اللبنانية، حيث نشأ صراع حينها بين سوريا وإيران على النفوذ، وأصبح الدور الإيراني في لبنان مستهدفا حتى من بعض أبناء الطائفة الشيعية نفسها، فقد نشبت ما سميت بحرب الأشقاء الشيعة، بين حركة أمل المؤيدة من سوريا وحزب الله المؤيد من إيران.

وتعززت العلاقات اللبنانية الإيرانية بعد أن تعزز دور "المقاومة الإسلامية" لحزب الله في الحياة السياسية اللبنانية، وذلك برعاية سورية وبلغت الذروة في عهد الرئيس السوري بشار الأسد، ولكنها بلغت الحضيض بين البلدين مع تأزم الأوضاع ما بين لبنان وسوريا وانسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، على خلفية اتهام قوى لبنانية دمشق بالتورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وظهر في الواقع السياسي ما سمي المحور الإيراني السوري.

"
في ظل الصيغة اللبنانية مهما تأزم الوضع ما بين بعض الفئات اللبنانية وإيران، فإن العلاقات الجيدة ستبقى الحاكم الأوحد، لأن لبنان الرسمي يعبر عن كل مكوناته والشيعة من أهمها

"

وترى قوى 14 آذار -الأكثرية الحاكمة- في لبنان أن إيران تشاطر سوريا في جهدها لعرقلة إقامة محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، وأنها تستعمل حزب الله كذراع عسكري لتعزيز هيمنتها على المنطقة العربية كقوة إقليمية جديدة، وكذلك لتحقيق طموحاتها النووية على المستوى الدولي، وأن خطف الجنود الإسرائيليين وما نتج عنه من حرب يوليو/تموز الأخيرة، كان في توقيته رسالة إيرانية للمجتمع الدولي أنها تملك ورقة عسكرية لحماية نفسها من أي تعرض بسوء من الغرب وبوجه خاص لمفاعلها النووي.

علاقات ورعاية
لبنان مركب من عدة طوائف إسلامية ومسيحية، ويقوم النظام برمته على فكرة التقاسم الطائفي للسلطة والثروة والنفوذ، وفي العادة -وخاصة بعد اتفاق الطائف- توزع العلاقات الخارجية اللبنانية وفقا للتقسيم المذهبي في لبنان، وبعض هذه العلاقات تتجاوز العلاقات المعهودة بين الدول.

فهناك مجموعة من الدول راعية لأوضاع مكونات الشعب اللبناني بسبب الترابط التاريخي أو الديني، وإيران من هذه الدول، وذلك بسبب العلاقة المميزة التي تربط شيعة لبنان بشيعة إيران، ولسبب آخر لا يقل أهمية عن ما سبق أن حزب الله اللبناني الذي يؤمن بولاية الفقيه والأكثر ارتباطا بالثورة الإسلامية في إيران، يحظى بشعبية كبيرة في صفوف الشيعة اللبنانيين، الأمر الذي يجعل من الصعب أن تقاس العلاقات بين البلدين ببعدها الدبلوماسي فقط، بعيدا عن الامتداد الطائفي والأيديولوجي الذي يجمع بين فئة لبنانية كبيرة بإيران.

ومن أكبر المظاهر على الرعاية الإيرانية لشيعة لبنان هو إعلان أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله أن التعويضات التي دفعها حزب الله للمتضررين من مواجهات حرب يوليو/تموز هي من "مرشد الثورة السيد علي خامنئي"(2) ووصف هذا المال بالنظيف في مقابل المساعدات الأخرى التي وصلت للحكومة اللبنانية التي يترأسها السنيورة، مع الإشارة إلى أن طريقة تعامل الحكومة اللبنانية وإقرارها السريع للمحكمة ذات الطابع الدولي، كانت أحد الأسباب المعلنة لانسحاب الوزراء الشيعة الممثلين لحزب الله ولحركة أمل التي يترأسها رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

وفي ظل هذه الصيغة اللبنانية مهما تأزم الوضع بين بعض الفئات اللبنانية وإيران، فإن العلاقات الجيدة ستبقى الحاكم الأوحد، لأن لبنان الرسمي يعبر عن كل مكوناته والشيعة من أهمها، وفي العادة لا تتغير هذه المعادلة إلا بتغيير إقليمي أو دولي كبير. 
________________
الجزيرة نت

1-الدبلوماسيون الأربعة الإيرانيون المخطوفون هم، القائم بالأعمال محسن الموسوي، والملحق العسكري أحمد متوسليان، ومصور ومراسل حربي كاظم إخوان، وسائق السفارة تقي رستكار مقدم. وتعتقد إيران أنهم ما زالوا أحياء وأن مليشيا القوات اللبنانية سلمتهم إلى إسرائيل.
انظر صحيفة الوفاق الإيرانية 26/7/2005
http://www.al-vefagh.com/1384/840504/html/akhbar.htm
2- قدم مرشد الثورة علي خامنئي ثلاثمائة مليون دولار لحزب الله كي يتولي دفعها كتعويضات للمتضررين، ويتوقع أن تصل إلى ستمائة مليون، انظر على سبيل المثال تصريحات حزب الله بهذا الصدد في صحيفة المستقبل اللبنانية 12/2/2007. http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=209641