سلامة أحمد سلامة

أن تلتقى فئة من المثقفين العرب سعيا وراء خطاب ثقافى عربى جديد، وأن تختلف الآراء والرؤى أو تتوافق، وتتقارب الأفكار أو تتباعد بين المثقفين.. فذلك كله من طبائع الأمور فى المجتمعات التى تتفاعل فيها الحياة الثقافية وتتحرك دون حاجة إلى دعوة يطلقها المسئولون ويلبيها المثقفون.
ولكن أن ينتهى اللقاء بسلسلة من المطالبات التى ينتظر المثقفون أن تحققها لهم الدولة من مطالبة بإلغاء الأوضاع العرفية وإطلاق الحريات العامة بما فيها حرية الرأى والفكر، أو مطالبة بتحديث الخطاب الدينى وانفتاحه على العصر، وعدم توظيف الدين فى السياسة أو السياسة فى الدين. أو حضّ على التمسك بالهوية العربية مع رفضه دعوات الانعزال والتقوقع.. وهو ما انعكس فى كثير من التوصيات التى صدرت عن المؤتمر، فإن الاعتماد على الدولة فى تحقيق هذه الأهداف معناه أن يعفى المثقفون أنفسهم من المسئولية.. تاركين للدولة أو للسلطة أياً كانت حق المنح والمنع، والإباحة والتحريم. وهذا هو فى حقيقة الأمر أس البلاء ومصدر التخلف منذ اللحظة التى ارتبط فيها المثقف بالنظام السياسى وأصبح ترسًا فى عجلاته، وأداة من أدواته.

إن الدولة قد ترعى الثقافة من بعيد ولكنها لا تنتجها، والأجهزة الحكومية قد تتولى تمويل نشاط ثقافى أو تقديم التسهيلات له، ولكنها لا تشرف عليه ولا تتحكم فى إبداعاته ونشاطاته. والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية قد تتطوع ببناء المسرح أو دار الأوبرا أو المركز الثقافى وتقدم له المنح والتبرعات، ولكنها لا تخضعه لسيطرة ولا تفرض عليه قوانينها ولوائحها، ولا تحدد طبيعة العمل الفنى الذى يقدم فيها!
ومن ثم فإن الخطاب الثقافى الجديد يجب أن يتوجه إلى المثقفين أنفسهم، ليعيدوا مناقشة أفكارهم وتوجهاتهم.. تلك التى أفضت بالأوضاع الثقافية والفكرية فى العالم العربى إلى ما انتهت إليه من ركود وجمود، فلم تعد تؤثر فى تحريك مجتمعاتها، وإلهام شبابها، وتحرير عقول النخب الثقافية والسياسية والحاكمة فيها من جمود التقليد، وإلف العادة، والأفكار الجاهزة، والقوالب السائدة.


يجب أن يتوجه الخطاب الثقافى الجديد إلى المثقفين أنفسهم، ليعيدوا مناقشة أفكارهم وتوجهاتهم.. تلك التى أفضت بالأوضاع الثقافية والفكرية فى العالم العربى إلى ما انتهت إليه من ركود وجمود
فى المجتمعات المتقدمة المعاصرة التى نعيش نحن فى ظلالها وعلى فتات موائدها الفكرية والعلمية، وإنجازاتها الاقتصادية والتكنولوجية، تنطلق الفكرة أو تذاع النظرية أو ينشر كتاب أو يظهر اكتشاف أو تثبت حقيقة علمية، فإذا الجديد يصبح موضع نقاش، وأخذ ورد، وقبول ورفض، حتى إذا تأكدت صحته.. أصبح التغيير من القديم إلى الجديد مسألة مسلمًا بها، وتحولت الأفكار والمؤسسات والسلوكيات تبعًا له.. هنا يقود المثقفون ـ بالمعنى الواسع للكلمة ـ مجتمعاتهم وليس العكس. ويغيرون حكوماتهم وليس العكس، ومهما حاولت السلطة أن تقاوم فهى مضطرة إلى الإذعان فى النهاية. فالمثقف ضمير شعبه، والأمة التى تشكو من غياب الحريات هى الأمة التى غاب مثقفوها عن القيام بدورهم وتواروا تحت جناح السلطة رغبًا أو رهبًا. وتلك هى المشكلة الحقيقية التى يصنعها المثقفون بأنفسهم، حين يضعون عربة السلطة أمام حصان الثقافة وليس العكس.

والأمر الذى لا شك فيه أن الخطاب الثقافى بمفهومه الحقيقى بات يتسع الآن لمحيط هادر من المعارف والأفكار والأنشطة والإبداعات الإنسانية. لا تقتصر على معارف العصر التى تغنى وجدان الشعوب وتشكل قيم المجتمع من الآداب والفنون بكل تعريفاتها.. ولا تكتفى بما يزخر به التراث الثقافى من فتوحات واجتهادات فى مجالات الفلسفة والأدب والفقه والمذاهب العقلية، ولكنه يتسع الآن لمعارف جديدة أخذنا بجانب منها وغابت عنا جوانب أخرى، انعكست فى الحضور الذين شهدوا لقاء المثقفين. فالمفاهيم والرؤى الاقتصادية والاجتماعية باتت تشكل جزءًا مهمًا من ثقافة عامة. كما أضحت ثورة الاتصالات والمعلومات والتكنولوجيا تفرض على المجتمعات ثقافة جديدة وقيمًا جديدة وسلوكيات جديدة.

فنحن إذن بإزاء أوضاع ثقافية ومعرفية مستجدة على مجتمعاتنا، تتطلب معالجات ثقافية وفكرية مختلفة، وخطابًا ثقافيا يعيد ترتيب الأولويات.. وهو ما يحتم علينا إدخال مفاهيم جديدة فى حياتنا الثقافية والفكرية والإبداعية. ولابد أن تكون هذه المفاهيم من العمق والتأصيل والقوة، بما يهز الأوضاع الجامدة التى صرنا إليها، ويهز من الأعماق حالة الخنوع والاستسلام التى رانت على الأمة العربية وتسببت فى تخلفها.
هذه المفاهيم الجديدة لا نطالب بها الحكومات والنظم بقدر ما نطالب بها المثقفين والمفكرين بالدرجة الأولي.. لكى تكون هى اللحمة والسداة فى نسيج إنتاجهم العقلى وإبداعهم الفنى ونشاطهم الفكري. ولو أردنا أن نوجز أهم هذه المفاهيم، لحصرناها فى النقاط التالية:

>> التنوع فى مقابل الواحدية، والشراكة فى مقابل الاستئثار، وثقافة التفوق فى مقابل ثقافة القطيع التى تقتل روح التميز والعبقرية.

>> التغير والصيرورة فى مقابل الجمود فى المكان والزمان، على أساس أن الإيمان بهذا المفهوم يؤدى إلى الامتلاك التدريجى للعقلانية التى ينبغى أن تصبغ أسلوب حياتنا، دون خوف من فقدان الهوية، وتحت مظلة الإيمان بعالمية المبادئ الإنسانية.


مسئولية المثقف ليست فى أن يكون مجرد وعاء لنقل العلم وإنتاج الفن والأدب والفكر، ولكن أن يكون ضمير مجتمعه وعصره ويتحمل مسئولية الانحياز للحقيقة أياً كانت وأينما كانت، ليواجه ثقافة اليأس والعنف والانحلال
>> ثقافة الحرية والحق فى الخلاف والاختلاف، مقابل مبدأ الإذعان والطاعة لولى الأمر فى السراء والضراء.. بكل ما ينطوى عليه هذا المفهوم من الحق فى المعرفة والتعلم والإعلام. وما يستتبعه من ثقافة الحوار ونبذ الأحكام النهائية القاطعة.

>> ترويج ثقافة الديمقراطية وإشاعة مفاهيمها وممارساتها، وما يقتضيه ذلك من احترام الحريات الدينية والمدنية والحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى هى حق للجميع بدون حجب أو استثناء.

>> النظر إلى التراث الحضارى باعتباره تراثًا إنسانيا مشتركًا، يستوعب كافة العناصر والتيارات. ولا يتجاهل عنصرًا فى سبيل تغليب عنصر على آخر لأسباب دينية أو عرقية أو سياسية.

>> إمعان النظر والإلحاح على مفهوم «الحكم الصالح» القائم على المشاركة واقتسام المسئولية، ومنع الفساد، وعدم الانفراد بالحكم أو الوقوع فى الخديعة الكبرى لمقولة «المستبد العادل»، فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة ولا أحد معصوم من الفساد، وكل شعب يستحق حكامه.

>> فك العزلة النفسية والعقلية عن المرأة، وعن الثقافات الشعبية للمجتمع والسعى لربطه بالتيارات والحركات الحداثية والمشاركة فى معاركها وفحص قيمها دون أحكام مسبقة.

>> استعادة الثقافة لدورها الاجتماعي.. فلا يكون الإبداع ضربًا من السباحة فى الوهم والفراغ والغرائبية بشرط ألا يكون ذلك سبيلاً لفرض قيود على الإبداع والتجريب فى الفن والعلم والتكنولوجيا، سعيا إلى ارتياد آفاق جديدة.

>> مسئولية المثقف ليست فى أن يكون مجرد وعاء لنقل العلم وإنتاج الفن والأدب والفكر، ولكن أن يكون ضمير مجتمعه وعصره ويتحمل مسئولية الانحياز للحقيقة أياً كانت وأينما كانت، ليواجه ثقافة اليأس والعنف والانحلال.

وأخيرًا فلابد أن نعترف بأن العلاقة التبادلية بين القمع والإرهاب، بين فرض الرأى الواحد والعنف، بين عبادة الفرد والاستبداد، بين التعصب الدينى والسياسى والديكتاتورية، بين إهدار الكرامة الإنسانية وإهدار الحريات.. هى التى تخنق روح الإبداع وتحكم على الشعوب العربية بالجمود والتخلف. ويوم ينجح المثقفون فى ابتداع الخطاب الثقافى الذى يقضى على هذه الظواهر، فسوف تكون هى البداية لمشهد ثقافى جديد يتناسب مع القرن الواحد والعشرين. ومن هذا المنظور يأتى مؤتمر المثقفين، بمثابة إضافة واعية فى عملية تنوير واسعة نحن فى أشد الحاجة إليها، وهى تقع على كاهل المثقفين بالكامل، وكل لقاء من هذا المستوى سوف يضع لبنة فى بناء نحلم باكتماله يومًا ما.