إعداد: شفيق شقير

لم تكن الهدنة التي أعلنها الجانب الفلسطيني يوم 29/6/2003 هي الأولى وقد لا تكون الأخيرة، وقد جاءت في ظل مناخ دولي ضاغط على الطرف العربي برمته لا على الطرف الفلسطيني وحده، حتى أن العمق السياسي لحركات المقاومة الفلسطينية في سوريا ولبنان نفسه قد تعرض لاهتزازات بسقوط العراق ومجاورة الجيش الأميركي للحدود السورية.

إسماعيل أبو شنب

واللافت في الهدنة أنها كانت -بحسب الإدعاء الإسرائيلي- من جانب واحد أي الجانب الفلسطيني، وبدا المشهد أحيانا كأنه ليس بيد الفلسطينيين إلا إحصاء الخروقات الإسرائيلية للهدنة وإخلاء مسرح العمليات العسكرية للجانب الإسرائيلي، إلى أن جاءت محاولة الرد الجزئي من حماس بعملية فدائية استهدفت على ما يبدو إقرار معادلة جديدة تقضي بمواجهة الخرق بالخرق مع المحافظة على الهدنة، إلا أنه كان من نتائجها أن توجت إسرائيل خروقاتها للهدنة باغتيال القيادي البارز في حماس إسماعيل أبو شنب يوم 21/8/2003، مما دفع حماس إلى إعلان تحللها من الهدنة وفتح صفحة جديدة من المواجهات.

وقد استطاع الفلسطينيون بإعلانهم الهدنة المذكورة أن يظهروا قدرا من الموقف الموحد لم يعهد في تاريخ المقاومة الفلسطينية بحسب قول البعض، وأعطت الحكومة التي يرأسها محمود عباس فرصة لالتقاط الأنفاس في محاولة جدية لإصلاح المؤسسات وإحداث تغييرات مهمة فيها.

كما أن إعلان الهدنة علق إجراءات إدراج الجناح السياسي لحماس على اللائحة الأوروبية لما يسمى المنظمات الإرهابية، وهو ما لم يستمر طويلا حيث عاد الاتحاد الأوروبي إلى موقفه مباشرة بعد إعلان حماس سقوط الهدنة ردا على اغتيال أبو شنب. مع الإشارة إلى أن الجناح العسكري لحماس أدرج على اللائحة السابقة الذكر نهاية عام 2001.

ولكن على الطرف الآخر لم تول إسرائيل أي اهتمام بالهدنة واعتبرتها شأنا فلسطينيا وأن أطرافها فلسطينيون، وتمسكت بتفسيرها لخارطة الطريق وأنها تنص على تفكيك البنى التحتية لما تسميها المنظمات الإرهابية أي حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى، لا عقد هدنة معها.

السلطة الفلسطينية: إغلاق أنفاق تهريب الأسلحة
وشجعها على هذا الموقف الأميركي المتصلب من حركات المقاومة وإصراره على وصفها بالإرهاب، حتى أن الرئيس الأميركي جورج بوش نفسه دعا أكثر من مرة إلى محاصرة حماس وسواها من حركات المقاومة وقطع مصادر تمويلها، ووصفها بالإرهابية، وهو ما أعطى لإسرائيل المبرر الأخلاقي لتواصل سياسة الاغتيال لقادة حماس السياسيين في محاكاة للبطش الأميركي بالعناصر المتهمة بالانتماء للقاعدة، وكان من بينها محاولة اغتيال مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين.

فجهود عباس في التوصل إلى إعلان هدنة فلسطينية لم تقابل بأي مكافأة أميركية بل زاد في رغبتها لتحقيق قدر أكبر من التنازل الفلسطيني، حيث استمرت واشنطن في موقفها الرافض للاعتراف بعرفات كرئيس للسلطة الفلسطينية أو كقائد للشعب الفلسطيني وبالتالي الاستمرار في مقاطعته بل وإهانته كلما دعت المناسبة، فضلا عن انحيازها المستمر للجانب الإسرائيلي وتبني رؤيته للسلام المنشود.

أما إسرائيل فقد بدت وكأنها تتعمد إفشال عباس من خلال عدم مقابلتها لإعلان الهدنة الفلسطيني بإعلان مماثل، فواصلت عمليات الاغتيال والاجتياح للمناطق الفلسطينية، وراوغت في تطبيق بنود خارطة الطريق ولم تفرج إلا عن بعض الأسرى الفلسطينيين فيما قامت في نفس الوقت بعمليات دهم واعتقال واسعة.

ويرى البعض أن الهدنة أضرت بالطرف الفلسطيني وكادت تشق الصفوف، لأن حكومة عباس وقعت تحت وطأة الضغوط الأميركية الإسرائيلية لجمع السلاح وإغلاق الأنفاق في غزة التي تستعمل لتهريب الأسلحة من مصر، واعتقال المسؤولين عن عمليات المقاومة، أي بعبارة أخرى تفكيك المقاومة الفلسطينية خطوة خطوة. إلا أن اغتيال أبو شنب شكل صدمة للشارع الفلسطيني وعاد بالوضع إلى ما قبل الهدنة، بل إلى أجواء الثأر والانتقام.

ومن الظواهر التي عادت وتفشت في مناخ الهدنة عودة المخبرين الذين يعملون لصالح إسرائيل حتى بات الكثير من تحركات قادة المقاومة الفلسطينية وعناصرها مكشوفا للجيش الإسرائيلي، وهو ما يفسر كثافة محاولات الاغتيال التي استهدفت قادة حماس مؤخراً.

كما أن الهدنة تركت مساحة من الفراغ العسكري أظهرته عمليات الرد البطيئة على الاجتياحات ومحاولات الاغتيال التي استهدفت قادة حماس، وظهرت إسرائيل كأنها تملك زمام المبادرة، فيما لا يزال هناك من يؤكد أن المقاومة تمر بظروف سياسية وميدانية صعبة، وأنها مرت سابقا بظروف أصعب واستطاعت تجاوزها.
ــــــــــــــــ
قسم البحوث والدراسات، الجزيرة نت