د. نجيب الغضبان

- تحول السياسات السورية
- مطالب وضغوط أميركية
- العصا والجزرة الأميركية

الإعلان الرئاسي الذي أقره مجلس الأمن والذي يطالب سوريا بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1559، الداعي إلى الانسحاب السوري من لبنان، يمثل دليلا إضافيا على جدية الولايات المتحدة في الضغط على سوريا لتخليها عن نفوذها في لبنان. 
 
المسؤولون السوريون، بدورهم، حائرون من استمرار مسلسل الضغوط، منذ بداية الحرب على العراق، بالرغم من التنازلات التي قدموها. 
 
فماهي حقيقة أهداف الضغوط الأميركية على سوريا؟ وماهو سبب التخبط السوري في التعامل معها؟ وهل يتجه البلدان نحو انفراج في العلاقة بينهما، أم إلى مزيد من التصعيد؟ تحاول هذه المقالة تقديم إجابة عن هذه الأسئلة.
 
تحول السياسات السورية 
"
بمجرد سقوط النظام العراقي، أدرك النظام السوري خطورة سياسته، فبدأ يتصرف بشكل لا يتعارض مع الطلبات الأميركية المعلنة والسرية
"
يتفق المراقبون على أن بداية التدهور في العلاقات بين دمشق وواشنطن مرتبط بإدارة الرئيس بوش للحرب على الإرهاب، خاصة في تحديدها للعراق على أنها الهدف الثاني في إستراتيجية محاربة الإرهاب. 
 
المرحلة الأولى من الحرب على الإرهاب، والمتمثلة في ملاحقة تنظيم القاعدة والحرب في أفغانستان، شهدت تقديم النظام السوري لمعلومات أمنية واستخباراتية هامة. 
 
هذه المعلومات فاقت في أهميتها -حسب وصف الصحفي المخضرم سيمور هرش نقلا عن مسؤولين أميركيين- تلك التي حصلت عليها الحكومة الأميركية من السعودية عن تنظيم القاعدة. ولعل هذا هو السبب الرئيسي في عدم تضمين سوريا في "محور الشر". 
 
بدت بوادر التأزم في العلاقة عندما قررت إدارة الرئيس بوش شن حربها على العراق بأسبابها الواهية المعروفة. الموقف السوري من الحرب كان منسجما مع قرارات القمة العربية التي عقدت قبيل الحرب، وتمثلت في رفضها للحرب على العراق، إضافة إلى دعوتها الدول العربية إلى عدم تقديم مساعدة للولايات المتحدة في هذه الحرب.
 
السوريون كانوا هم الوحيدون الذين التزموا بهذه القرار، بينما قامت دول عربية بتقديم مباركتها أو مساعدتها للجهود الأميركية في الحرب على العراق.
 
معارضة الحرب بحد ذاتها لم يكن كافيا للاستهداف الأميركي لسوريا، فقد عارضت أغلبية دول العالم -شعوبا وحكومات- هذه الحرب. 
 
مصدر الانزعاج الأميركي من سوريا كان منبعه محاولة النظام السوري إنقاذ بعض مصالحه الناتجة عن تحسن العلاقة بين النظامين البعثيين في السنوات الثلاث الأخيرة من حكم صدام. 
 
ومع أن الولايات المتحدة بالغت في تقدير الخطوات التي اتخذتها دمشق، قبيل وأثناء الحرب، فإن الموقف السوري المعلن قد تم تفسيره على أنه معاد لمصالح واشنطن، وخطرا على حياة أفراد قواتها المسلحة. 
 
أكثر الخطوات إثارة للجدل كانت الضجة التي أحدثتها الحكومة السورية في فتح أراضيها وحددودها أمام "المجاهدين" العرب الذين ينوون التطوع لمحاربة الحملة العسكرية الأميركية على العراق.
 
لكن وبمجرد سقوط النظام العراقي، أدرك النظام السوري خطورة سياسته، فبد يتصرف بشكل لا يتعارض مع الطلبات الأميركية المعلنة والسرية.
 
ومن بين هذه المطالب، قيام قوات الأمن السوري بتشديد مراقبتها للحدود، وإعادة بعض المسؤولين البعثيين الذين هربوا بحياتهم إلى الأراضي السورية.
 
هذه الخطوات، من وجهة نظر واشنطن، لم تكن كافية، كما أن المعلومات الاستخبارية التي قدمتها الأجهزة الأمنية السورية لنظيرتها الأميركية عن تنظيم القاعدة لم تشفع لها.
 
مطالب وضغوط أميركية
ولفهم أسباب التوتر في العلاقة بين البلدين لابد من تحليل الأسباب الحقيقية للحملة الأميركية، وكيفية استجابة الحكومة السورية لها.
 
اتضح جليا الآن أن الحرب على العراق لم تكن مرتبطة بما ادعته الإدارة الأميركية عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق، أو علاقة لنظام صدام بما يسمى "الإرهاب"، بقدر ماكانت مرتبطة بالأهداف الإستراتيجية المرتبطة برغبتها في تغيير خارطة منطقة الشرق الأوسط، حسب مصالحها وتصورات معسكر "المحافظين الجدد" داخل إدارة بوش.
 
ولا يصح ذكر المحافظين الجدد من دون ربط ذلك بمصالح إسرائيل. وأخيرا فإن وجود ثاني مخزون نفطي للعراق في المنطقة، وتاريخ وسلوك نظام صدام جعلت منه هدفا مثاليا. 

"
تريد إدارة بوش تحجيم الدور السوري على كل الجبهات، والفصل بين المسارين السوري واللبناني، وتجريد دمشق من أحد أهم أوراقها التفاوضية المتمثلة في حزب الله
"
أين تقع سوريا ضمن هذا الإطار العام للإستراتيجية الأميركية؟ 
أولاً، لم تكن الولايات المتحدة راضية عن الدور الإقليمي لسوريا، خاصة فيما تعلق الأمر بنفوذها العسكري والسياسي في لبنان وعلاقاتها مع المنظمات الفلسطينية التي لم تنخرط في "العملية السلمية". 
 
ثانيا، كانت الولايات المتحدة، وحليفتها إسرائيل، تنظران بنوع من القلق لاحتمال قيام محور إيراني-سوري، قد تنضم إليه العراق، مع التحسن الذي شهدته العلاقة بين كل من إيران وسوريا، من جانب والعراق من جانب آخر. 
 
استنادا إلى ذلك، فإن أحد أهم أهداف الحملة الأميركية على دمشق يتمثل في تحجيم دور سوريا الإقليمي. هذه هي القضايا التي تضمنها قانون "محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان"، والذي وقعه الرئيس بوش في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي.
 
القانون يطالب سوريا بوقف دعمها "للإرهاب"، وتجميد برامجها التسلحية غير التقليدية، والانسحاب من لبنان، والعودة إلى المفاوضات مع إسرائيل. وينص القانون على قائمة بعقوبات محتملة يمكن أن تطبقها واشنطن في حال عدم استجابة سوريا.
 
ثالثا، كان من الواضح أن واشنطن تريد أن تعاقب النظام السوري على موقفه من القضية العراقية. ولعل الشأن العراقي أصبح الهاجس الأكبر للإدارة الأميركية في علاقاتها بسوريا، خاصة مع تنامي المقاومة العراقية.
 
من الخطوات الأولى التي اتخذتها الإدارة الأميركية وقف تصدير النفط العراقي الذي كانت تحصل عليه دمشق بأسعار "تشجيعية" ويمثل إعادة تصديره مصدرا هاما للاقتصاد السوري المتأزم.
 
ثم قامت الإدارة الأميركية بتقديم مجموعة من المطالب، منها تسيير دوريات أميركية-سورية مشتركة لضبط الحدود بين سوريا والعراق، والاعتراف بحكومة علاوي، وحل بعض الملفات العالقة من فترة الرئيس السابق.
 
الاستجابة السورية لهذه الضغوط والمطالب تميزت بدرجة كبيرة من الارتجالية والتخبط. اعتقدت الحكومة السورية -خاطئة- أن تعاونها الأمني مع واشنطن، وموافقتها على قرار مجلس الأمن 1441، الذي استخدمته واشنطن لتبرير حربها على العراق، كافيان لتجنب غضب إدارة بوش التي حلت قواتها المسلحة على الحدود الشرقية لسوريا.
 
في الشأن الفلسطيني، قامت الحكومة السورية بإرسال عدة رسائل بأنها مستعدة لاستئناف المفاوضات مع حكومة شارون، كان آخرها عبر السفير الأميركي السابق مارتن إنديك في يوليو/ تموز من هذا العام.
 
وسبق هذا قيام المنظمات الفلسطينية المتواجدة في دمشق بإغلاق مكاتبها الإعلامية، وذلك في محاولة منها لرفع الحرج عن الحكومة السورية أمام الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
 
الرد الأميركي كان في إقرار قانون محاسبة سوريا، وهو القانون الذي استخف به المسؤولون السوريون عندما أقره الكونغرس ثم اعتمده الرئيس بوش.
 
الرد الإسرائيلي كان أكثر إحراجا، إذ قامت إسرائيل بعدوان سافر على معسكر سابق، قرب دمشق، كان يقطنه فلسطينيون معارضون لعرفات. ومع استمرار الضغوط الأميركية، اتبعت الحكومة السورية نهج التنازل في قضية العراق والتشدد في حقها بالبقاء في لبنان.
 
وفي هذه الإطار، ارتكبت الحكومة السورية حماقة جديدة في إصرارها على التمديد لثلاث سنوات إضافية للرئيس إميل لحود، الأمر الذي كان يستلزم تعديلا دستوريا، استخدمت فيه دمشق كل نفوذها بما في ذلك إرسال تهديدات مبطنة ومعلنة للنواب اللبنانيين.
 
الرد الأميركي كان جاهزا هذه المرة، وجاء مدعوما من فرنسا التي كانت تصنف كدولة صديقة، وتمثل في قرار مجلس الأمن 1559 الذي طالب سوريا بالانسحاب من لبنان، ودعا إلى حل المليشيات المسلحة (في إشارة إلى حزب الله).

وهكذا فقد بدا واضحا، أن إدارة الرئيس بوش تريد تحجيم الدور السوري على كل الجبهات، والفصل بين المسارين السوري واللبناني، وتجريد دمشق من أحد أهم أوراقها التفاوضية المتمثلة في حزب الله.
 
وبالطبع فإن أغلب هذه القضايا تخدم إسرائيل أكثر من الولايات المتحدة نفسها، لكن الأمر الهام أن الدولتين تنسقان معا للتضييق على سوريا من الشرق والجنوب.
 
النقطة الثانية التي لم يدركها المسؤولون السوريون أن أسلوب التفاوض الذي كانت تتبعه سوريا في السابق لم يعد مقبولا في عالم مابعد 11 سبتمبر/ أيلول واحتلال العراق.
 
النموذج الذي تريده إدارة بوش هو النموذج "القذافي" في التنازلات: أن تنفذ الحكومة السورية كل ما هو مطلوب منها عن يد وهي صاغرة.
 
في هذا النموذج لا توجد مساحة لإعلان نصر يمكن أن تستغله الحكومة للاستهلاك المحلي وإلهاء الشعب عن التحديات الحقيقية المتمثلة في الإصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية الموضوعة قيد التجميد.
 
العصا والجزرة الأميركية
"
أميركا ماضية في ضغوطاتها، وقد بدأت بالفعل بالتلويح في استخدام ورقة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي نقطة الضعف الأساسية للنظام السوري
"
ومع أن البعض لا يرى في هذه الطريقة في التعامل إلا العصا الأميركية واليد الإسرائيلية الطولى، فالحقيقة أن الجزرة -كما هو الحال في الشأن الليبي- تتمثل في أن واشنطن لا تسعى إلى تغيير هذه الأنظمة، بل إلى إخضاعها.

هل نتوقع تغيرا بعد الانتخابات الأميركية؟ على الأغلب ألا يحصل تغيير يذكر سواء فاز بوش أو كيري، فتصريحات الأخير تنبئ عن خط متشدد تجاه سوريا، وكأنه مقتبس بشكل كامل من قاموس المحافظين الجدد. 
 
الولايات المتحدة ماضية في ضغوطاتها، وقد بدأت بالفعل بالتلويح في استخدام ورقة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي نقطة الضعف الأساسية للنظام السوري، وهذا ما تكشف في إقرار مجلس النواب الأميركي لمشروع قانون يتنقد انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا قبل فترة وجيزة. 
 
هل هذا يعني أن النظام السوري لا حول له ولا قوة؟ بالطبع لا. بداية تقف المقاومة العراقية في خط المواجهة الأول أمام خطط المحافظين الجدد. 
 
ثانيا، لسوريا رصيد جيد في لبنان مع حلفائها وأصدقائها، لكن المطلوب هو تصليح العلاقة بين البلدين، والتركيز على العلاقات الإستراتيجية، مع عدم التدخل في الشأن الداخلي اللبناني. 
 
لكن من المشكوك فيه أن تنجح الحكومة السورية في الاستفادة من هذه الأوراق وغيرها، مالم تصلح بيتها من الداخل، وتمتن الوحدة الوطنية، من خلال إصلاح سياسي حقيقي وجذري، وهو التنازل الوحيد المستحق من النظام البعثي لشعبه والبديل لمسلسل التنازلات والخنوع المتبع حاليا.
ــــــــــــــــ
أستاذ العلوم السياسية بجامعة آركنسا، الولايات المتحدة

المصدر : الجزيرة