بقلم/ عابد شارف

اقتصرت مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة في الجزائر على التيارات التي تطالب بتغيير النظام عمليا، مؤكدة أنها ترفض المشاركة في عملية انتخابية تم التحضير لها من أجل تكريس النظام القائم. وتتمثل هذه التيارات في حزب القوى الاشتراكية الذي يتزعمه حسين آيت أحمد، والإصلاحيون في جبهة التحرير الوطني الذين يمثلهم مولود حمروش، إلى جانب شخصيات وطنية معروفة مثل الأمين العام السابق للجبهة عبدالحميد مهري. وفي قرارها بالمقاطعة اختار كل طرف طريقته الخاصة رغم الالتقاء في كثير من النقاط.

جبهة القوى الاشتراكية والمقاطعة
حمروش: الرئاسيات لن تحمل بديلا
مهري: أزمة تنتظر الحل

جبهة القوى الاشتراكية والمقاطعة

حسين آيت أحمد
كانت جبهة القوى الاشتراكية أول حزب يعلن مقاطعته الانتخابات منذ خريف 2003، حيث اقترح حزب حسين آيت أحمد خطة للخروج من الأزمة تتناقض تماما مع خطة السلطة. وطالب هذا الحزب بتأجيل الانتخابات الرئاسية والعودة إلى انتخابات تشريعية تسمح للبرلمان الجديد بأن يسن دستورا جديدا خلال مرحلة انتخابية يتم فيها تنظيم نقاش وطني شامل حول القضايا الكبرى المطروحة على الساحة.

وقد كرس بذلك حزب آيت أحمد موقفه التقليدي الذي يرى أن الشرعية في البلاد مازالت مطروحة كقضية أساسية، بما في ذلك شرعية المؤسسات. وهو يعتبر أنه لا يمكن لمؤسسات غير شرعية أن تحل أزمة البلاد، خاصة أن تلك المؤسسات قد برهنت على فشلها مع مر السنين.

ومع اقتراب المواعيد الانتخابية اتضح أن السلطة الجزائرية كانت مصممة على احترام المواعيد الانتخابية والشكليات الإدارية في تنظيم الانتخابات، دون التركيز على المحتوى السياسي. فالسلطة تهتم بعدد مكاتب الاقتراع وتمويل الحملة الانتخابية وحضور المراقبين -جزائريين كانوا أم دوليين- لكنها لا تعطي الأهمية اللازمة للهدف من تنظيم الانتخابات, مما أدى إلى اتساع الفارق بين الموقفين. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا المسار أن حزب القوى الاشتراكية اختار بصفة طبيعية عدم المشاركة، وهو يركز دائما على ضرورة تغيير النظام ويرفض التغيير داخل النظام.

حمروش: الرئاسيات لن تحمل بديلا

مولود حمروش

ويتبنى رئيس الحكومة الأسبق (1989-1991) مولود حمروش هذه الفكرة، كما يقتسم الكثير من الأفكار حول الحريات والديمقراطية مع جبهة القوى الاشتراكية. لكن حمروش اختار أن يجرب ميدانيا نية السلطة في التغيير وإمكانية إجراء انتخابات حرة وديمقراطية، خاصة بعد التصريحات المتكررة لرئيس أركان الجيش الفريق محمد العماري بأن المؤسسة العسكرية قررت الانسحاب من الساحة السياسية.

ونشر حمروش بيانا أولا في 17 ديسمبر/ كانون الأول يحدد فيه شروط مشاركته في الانتخابات الرئاسية، حيث قال إن الشرط الأساسي يتمثل في تنظيم اقتراع حر يفتح المجال لنقاش ديمقراطي يمكن من خلاله الانطلاق في عمل يهدف إلى تحرير المجتمع.

وبينما كان أنصار مولود حمروش ينظمون لجان المساندة في مختلف مناطق الوطن، انضم زعيم الإصلاحيين إلى مجموعة تتكون من عشرة أحزاب وشخصيات كانت تجتمع منذ بداية يناير/ كانون الثاني 2004 لمتابعة الوضع، منها علي بن فليس وأحمد طالب الإبراهيمي وسعيد سعدي وغيرهم. وقد أصدرت المجموعة سلسلة من البيانات تشير فيها إلى المؤشرات التي تؤكد أن الانتخابات لن تكون مفتوحة، إلى جانب مذكرة حول انتهاك الدستور من طرف رئيس الجمهورية نشرت في الصحافة ورفعت لقيادة الجيش.

ورغم ضغوطات أنصاره من أجل دخوله الانتخابات رفض حمروش المغامرة، إلى غاية منتصف فبراير/ شباط 2004 حيث أعلن رفضه الدخول في معركة انتخابية "مزيفة"، وقال إن الرئاسيات المقبلة "لن تحمل بديلا ولا مؤشر للخروج من الأزمة" لأنها تخضع "لنفس ميكانيزمات التزوير" التي سادت في انتخابات 1999، مضيفا أن "العصابات التي تحكم البلاد لا تريد اقتراعا حرا".


الشرعية في البلاد مازالت مطروحة كقضية أساسية، بما في ذلك شرعية المؤسسات

وانتقد حمروش السلطة بشدة حيث قال إن هناك "أقلية في أعلى الهرم الاجتماعي استولت على ثروة البلاد وتركت الملايين من الجزائريين محرومين من كل شيء". وأدى ذلك في رأيه إلى "وضع الدولة خارج القانون"، وإلى "انهيار أخلاقي وسياسي والعمل بالغش والاحتيال على حساب المصلحة الوطنية"، وقال إن هذا الوضع "أصبح يهدد الانسجام الوطني".

وفي أحاديث صحفية لاحقة تكلم حمروش عن "الانتخابات المغلقة" التي توحي -في رأيه- أن الاقتراع حر، لكنه يؤدي بالبلاد إلى الدوران في حلقة مفرغة. ويرى أن النظام أصبح "يتمتع بخبرة كبرى في التزوير" حيث يستطيع أن يقدم عدة مترشحين يتنافسون شكليا على الرئاسة لكنهم يعملون كلهم للإبقاء على الوضع القائم. ودون أن يذكر المرشح علي بن فليس، قال حمروش إنه لن يساند أي مرشح من المعارضة لأنهم وإن كانون يعملون لتغيير الشخص الذي سيكون رئيسا للجمهورية، لكنهم سيحافظون على نظام الحكم الحالي.

وفي نظر حمروش فإن "بناء بديل لا يمكن أن يتم إلا بقطيعة مع أساليب النظام الحالي المتمثلة في الهمجية والعصابات"، كما أن الانتخابات لا تشكل وحدها السبيل للخروج من الأزمة، بل يجب أن تكون مرحلة في عملية كبرى لمشاركة دائمة من طرف المواطنين في تسيير البلاد".

وقد اختار عدد من أنصار حمروش الانضمام إلى لجان مساندة علي بن فليس في حين انضم عدد قليل منهم إلى بوتفليقة. وحاول كل طرف أن يقول إن حمروش دعا أنصاره لمساندة مرشحه، مما دفع زعيم الإصلاحيين إلى القول إنه لا يمكن أن يطلب من أنصاره أن يساندوا أحد المرشحين بما أنه لا يؤمن بجدية هذه الانتخابات.

مهري: أزمة تنظر الحل

عبد الحميد مهري
أما عبد الحميد مهري فقد رفض الضلوع في الرئاسيات، كما رفض منذ البداية أن يساند أحد الطرفين اللذين يتنازعان حول قيادة جبهة التحرير الوطني. واكتفى مهري بنشر نصين أحدهما يتعلق بجبهة التحرير والثاني على شكل مذكرة وجهها يوم الخامس من مارس/ آذار الجاري إلى رئيس الجمهورية يقترح فيها طريقة للخروج من الأزمة.

وفي تحليله للوضع الحالي يتقاسم مهري العديد من المواقف مع مولود حمروش، حيث إن نظرتهم متطابقة. وكتب مهري في مذكرته "إن الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ 15 سنة ما زالت تنتظر الحل، بل إنها أصبحت تلد الأزمات وتغذيها، كما هو واقع في منطقة القبائل، وكامن في مناطق عديدة أخرى. ولم يعد من المقبول أن تستمر هذه الأزمة طويلا دون أن تعرض مصير البلاد للخطر".

ويضيف مهري أنه لا يريد الشروع في جدال جديد "حول السياسة التي اعتمدت سنة 1992، وهل كان إلغاء الانتخابات إيقافا للمسار الديمقراطي كله، أم هو مجرد إيقاف مؤقت لمسار انتخابي بعينه. إن الحاضر هو الذي يجيب على هذا السؤال. لكن المهم هو الانطلاق من واقع اليوم الذي مازالت تميزه -مع الأسف- مظاهر العنف والصراعات العقيمة، وتطغى عليه الذرائع التي تبرر سياسة الإقصاء والتهميش".

ويلاحظ الأمين العام الأسبق لجبهة التحرير أن "العنف المسلح مازال هو أبرز مظاهر الأزمة، بالرغم من انخفاض عدد ضحاياه". ويضيف أن "الخريطة السياسية للمجتمع الجزائري لم تتغير -جوهريا- عما كانت عليه في بداية الأزمة"، كما يشير إلى "أن اللجوء للممنوعات لمعالجة الظواهر السياسية والاجتماعية اختيار عقيم"، في حين أن "بناء الحكم الديمقراطي المنتظر -وهو البديل الوحيد الكفيل بوضع حد للظلم والتطرف- لم يتحقق". فهذا "البناء المزيج من جوهر الحزب الواحد، والتعددية الحزبية المظهرية، لم يبرهن على فعالية كبيرة في تسيير شؤون الدولة".

ويلاحظ عبد الحميد مهري أن "استمرار الأزمة أضعف موقف الجزائر تجاه القوى العظمى"، وينتقد الدبلوماسية الجزائرية التي "تبذل مساعي حثيثة لربط الأزمة الجزائرية بشبح الإرهاب العالمي. ومازال بعض المسؤولين الجزائريين يدغدغون الأمل في أن وجودنا في خندق واحد مع أميركا سيحول إخفاقنا في معالجة الأزمة إلى انتصار". وهذا التوجه -حسب مهري- قد "يجر السلطة إلى مقايضة مواقف الجزائر من بعض القضايا أو السكوت في بعض الحالات. وفي هذا السياق فإن السؤال مطروح عما يمكن أن تجنيه الجزائر من التعاون مع الحلف الأطلسي". ويؤكد أن "حرصنا على تطوير علاقات المصلحة والصداقة مع الولايات المتحدة الأميركية يجب أن لا يجرنا إلى تغطية السياسة الخارجية الأميركية الحالية -بالموافقة أو السكوت- تجاه القضايا العربية والإسلامية".


الأزمة التي تعصف بالبلاد، منذ خمسة عشرة سنة، ما زالت تنتظر الحل، بل إنها أصبحت تلد الأزمات وتغذيها، كما هو واقع في منطقة القبائل
ويتكلم بالخصوص عن القضية الفلسطينية التي يبقى من الشخصيات القليلة التي تتابعها، حيث يؤكد أن "ما يجري الآن في الساحة الفلسطينية لا يمثل مسعى حقيقيا لتسوية عادلة سلمية، ولكنه حشد لكل وسائل القوة لترويض الشعب الفلسطيني على قبول ما يراد فرضه عليه، وحمل الحكومات العربية على تزكية هذا الفرض". ويعتبر أن "الاعتراف بمثل هذا الحل المفروض (...) يكون تواطؤا مع أعدائه. والتعهد -منذ الآن- بالاعتراف بما تسفر عنه هذه المناورات، هو تنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني".

ومن هذا التحليل يرى عبد الحميد مهري أن "الشعب أصبح يعتبر الانتخابات في جميع مستوياتها، مجرد تلويح بالأمل"، كما يطعن في حرية الانتخابات قائلا إن "النزاهة المطلوبة في الانتخابات تبنيها الممارسة الديمقراطية الحقيقية طيلة السنوات التي تسبقها". ويقترح خطة للخروج من الأزمة تشبه في جوهرها اقتراحات جبهة القوى الاشتراكية، مع التركيز على "الحل السياسي الذي لا يعني على الإطلاق توافقا أيدولوجيا بين مختلف الأطراف، فهذا التوافق غير ممكن وغير مطلوب، ولكنه يعني الحل الديمقراطي الذي يستبعد -على السواء- العنف والإقصاء".

ويبقى مهري من القلائل الذي يدعون إلى إشراك الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة حيث يرى أن "هذا الحل يقتضي منطقيا، مشاركة جميع الأطراف بما فيها الأطراف التي تحمّلها أطراف أخرى مسؤولية الأزمة". ويوضح أنه "لا يمكن اعتبار هذه المشاركة ردا للاعتبار لأي طرف، بل هي تثمين للديمقراطية إذا رضي الجميع بالحل الديمقراطي للأزمة".

ومن الجانب العملي يقترح مهري "عقد مؤتمر وطني" من أجل "الدعوة لوقف أعمال العنف في أقرب وقت"، و"الاتفاق على الخطوط الكبرى لاستكمال البناء الديمقراطي"، و"الإجراءات والتدابير التي تحرر العمل السياسي والإعلامي". يلي ذلك في نظره "تنظيم انتخابات تشريعية" تسمح للبرلمان الجديد "بإجراء تعديلات أساسية على الدستور" و"مراجعة القوانين التي أملتها الأزمة والتي تحد من الحريات العامة". كما يقترح "إنشاء محكمة عليا خاصة بالنظر في تظلمات جميع المواطنين الذين تضرروا بسبب الأزمة" و"إنشاء لجنة وطنية لإيجاد الحلول الناجعة لقضية المفقودين".
_______________
صحفي جزائري

المصدر : غير معروف