شفيق شقير

أدخل سقوط بغداد الدول العربية في حيز الضغط الأميركي الفعلي للقيام بإصلاحات جذرية تطال الجانب السياسي والاقتصادي والتعليمي وغيره. وتوجهت واشنطن بمبادرة "الشرق الأوسط الكبير" ومارست ضغوطا حتى على الدول الصديقة لها بدعوى تعزيز الديمقراطية في العالم العربي، وهو ما لقي ردود فعل متفاوتة داخل دول المنطقة، وترك أثره على جامعة الدول العربية التي عجزت عن صياغة رؤية مشتركة للإصلاح المنشود بحيث تنال رضا جميع دولها، فكان أن أرجئ عقد القمة العادية في تونس والتي كانت مقررة في مارس/آذار الماضي إلى الأسبوع الأخير من الشهر الحالي.

رؤى الإصلاح


المبادرة الثلاثية خلت من أي موقف واضح من الإصلاح السياسي، والمبادرة القطرية ليست حصيلة لنقاشات اليوم الأول من الاجتماع الوزاري العربي، ولاحظت المبادرة المصرية المنفردة تعديل نظام التصويت
ساهمت عدة دول في تقديم مقترحات لتطوير الجامعة العربية في مواجهة التحديات الجديدة التي فرضت نفسها على المنطقة. ونشرت الوسائل الإعلامية العربية بعض هذه المقترحات بالنص الأساسي واكتفت بذكر مقتطفات من البعض الآخر.

ومنها المبادرتان السعودية والمصرية اللتين خلصتا إلى ورقة واحدة بعدما انضمت إليها سوريا، وجاءت في تسعة بنود كان آخرها البند المتعلق بالإصلاح إضافة إلى عدة ملاحق.

وبحسب الجزء المنشور من الورقة فقد خلت تماما من أي موقف واضح تجاه الإصلاح السياسي، واكتفت بالإشارة إليه في سياق الحديث عن تحصين التضامن العربي "باستنهاض المواطنين عن طريق توسيع المشاركة السياسية وإنجاز الإصلاحات الضرورية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإقامة الهياكل اللازمة لتنفيذ ذلك".

وعرض وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الورقة المشتركة على مجلس وزراء الخارجية العرب الذي انعقد في مارس/آذار الماضي، فكان أن تعرضت لانتقادات من الكويت وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة لتضمنها إنشاء برلمان عربي موحد يتحدد تمثيل دوله بحسب عدد السكان، وذريعة الاعتراض -بحسب البعض- أن أغلب الانتخابات العربية "تشوبها عيوب دستورية وقانونية". كما اعترضت بعض الدول على ما جاء في الورقة من فرض عقوبات على الدول التي لا تلتزم بتنفيذ مجلس قرارات الجامعة.

وتبلور خلال اليوم الأول من الاجتماع الوزاري الآنف الذكر ورقة قطرية وصفها وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني بأنها "شرح لوجهات النظر للمناقشات التي تمت في اليوم الأول لاجتماعات وزراء الخارجية العرب، ولم تكن ورقة قطرية" وأنها "ساعدت مع الأوراق الأخرى في التوصل إلى نتيجة جماعية لورقة عربية بالكامل".

ولم يكن مصير المبادرة التونسية بأفضل من غيرها، والتي طرحت قبل ساعات من القمة السابقة الملغاة وأثارت حفيظة بعض الدول العربية التي رأت فيها امتدادا للمبادرة الأميركية المسماة "الشرق الأوسط الكبير"، وأنها نسجت على منوالها بل اقتبست منها العديد من النقاط. كما حظيت المبادرة التونسية بتحفظ سوري وسعودي على وجه الخصوص، مع الإشارة إلى أنها تضمنت الحديث عن تطوير مناهج التعليم والنهوض بدور المرأة والتعاون مع المجموعة الدولية في مجال مكافحة التطرف والإرهاب.

ومن جهة أخرى احتدم الخلاف اليمني العراقي حيث إن المبادرة اليمنية تدعو إلى تشكيل لجنة ثلاثية من الأمم المتحدة والجامعة العربية وقوات الاحتلال مع ممثل عن مجلس الحكم العراقي لتتولى وضع خارطة طريق للعراق تشمل سحب قوات الاحتلال إلى خارج المدن، وتشكيل جمعية وطنية على أساس وطني وحظر الأحزاب الدينية والعرقية والطائفية وما إلى ذلك. وأثارت خارطة الطريق اليمنية غضب مجلس الحكم الانتقالي، وبعث وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري برسالة إلى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى يدعو فيها إلى عدم طرح المبادرة اليمنية على القمة.

ومن الجدير ذكره أن المبادرة اليمنية التقت مع المبادرة المصرية المنفردة في إعادة النظر في نظام التصويت بالجامعة العربية، داعية إلى أن يكون اتخاذ القرارات بالأغلبية بدل الإجماع.

الوثيقة المخرج


وثيقة العهد بين القادة العرب هي وثيقة الحد الأدنى المتفق عليه، وقد طغت عليها العموميات ولم يرافقها اتفاق على صيغة للإصلاح السياسي
نشرت جريدة الحياة اللندنية يوم 11 مارس/آذار 2004 وثيقة عهد بين قادة الدول العربية كان قد توصل إليها وزراء الخارجية العرب وذلك بحسب الصحيفة نفسها، في حين أصدرت الجامعة بيانا قالت فيه "إن ما نشر في بعض الصحف العربية بشأن وثيقة العهد بين قادة الدول العربية لا يعكس تفصيلات الوثيقة على النحو الذي أجيز في اجتماع وزراء الخارجية".

غير أنها لم تنف الوثيقة برمتها والتي تعكس الحد الأدنى المتفق عليه بين الدول العربية في شأن الإصلاح السياسي الداخلي وإعادة هيكلة الجامعة العربية وعملية السلام.

وقد طغت على الوثيقة العموميات وخلت من أي إشارة إلى تشكيل مجلس أمني وبرلمان ومحكمة عدل عربية ومنتدى للأمن القومي، وهو ما كانت تناولته بالتفصيل المبادرة المصرية المنفردة، وهي من المسائل التي لا تزال محل نزاع بين الدول العربية.

وتعهدت الوثيقة بعزم القادة العرب على تحصين التضامن العربي "عن طريق تعزيز روح المواطنة والمساواة وتوسيع مجال المشاركة، ودعم سبل حرية التعبير المسؤول، ورعاية حقوق الإنسان وفقاً للميثاق العربي لحقوق الإنسان، والعمل على زيادة مشاركة المرأة العربية في بناء المجتمع".

ولضمان تنفيذها قالت وثيقة العهد إنه ستُتخذ "الخطوات العملية المطلوبة بما في ذلك إدخال التعديلات اللازمة على ميثاق الجامعة وملاحقه وفقاً للمادة 19 منه"، وإن الأمين العام للجامعة سيقدم التعديلات في صيغتها النهائية إلى الدورة العادية (17) لمجلس الجامعة على مستوى القمة المقبلة في مارس/آذار 2005 التي سترأسها الجزائر بهدف إقرارها.

فبحسب هذه الوثيقة فإن الإصلاحات لجامعة الدول العربية سترحل إلى قمة الجزائر وهو ما أكدته مصادر دبلوماسية من أن وزراء الخارجية العرب اتفقوا على "وثيقة العهد" التي تتضمن الخطوط العريضة لتطوير الجامعة وأن قمة تونس ستقرها، على أن تقوم لجان خاصة بدراستها تمهيدا لطرحها على قمة الجزائر 2005.

وأكد وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم أن وزراء الخارجية العرب قد توصلوا إلى توافق حول صياغة نهائية لمشروع البيان حول "الإصلاح السياسي" وأنه سيقر في هذه القمة، وهو ما يضعه البعض موضع الشك لأن عدم الاتفاق النهائي على صيغة تطوير نهائية لجامعة الدول العربية سيعود بالضرر وعدم الجدية على كل مشاريع الإصلاح السياسي، خاصة إذا صح ما رشح من بعض المصادر من أن كل إصلاح أو تعديل سيراعي ترك التفاصيل لكل دولة على حدة وفقا لظروفها الداخلية وثقافتها المحلية، وهو ما يهدد ببقاء الحال على ما هو عليه بدون حدوث تغييرات حقيقية في القمة المقبلة.

رؤى بلا رؤية
ويأخذ المراقبون على رؤى الإصلاح عموما أنها تفتقر إلى الجدية والرؤية الشاملة لمواضع الخلل في البنيان العربي، فكل مبادرة أخذت من الجانب الإصلاحي ما يحتمله بنيانها أو ما يستطيع الالتفاف عليها، فبعضها يرى في استنهاض المرأة ولو ادعاء يشكل خطرا على نظامه الاجتماعي وسيترك انعكاسات لا يستطيع تجاوزها كما هو شأن السعودية، والبعض يرى في التعلق شكليا بالمجتمع المدني والحريات ملاذا له في مواجهة انتقادات الجمعيات الحقوقية الدولية كالنموذج التونسي، وبعضها رأى في حل الأزمتين العراقية والفلسطينية شرطا للإصلاح، وهو ما تعبر عنه الورقة اليمنية وما يعبر عنه الصمت السوري.

والجامع بين بين كل هذه المبادرات -حسب بعض المراقبين- أنها أكثرت الحديث عما لا تستطيع أن تطبقه ولا ترغب في تطبيقه -مثل اقتراح "محكمة عدل عربية"- لأنه سيعود بالضرر على النظام العربي الحاكم برمته، كما أنها خلت جميعا من الحديث عن تداول السلطة وحرية اختيار الحاكم لأن ذلك يشكل خطرا على مناصب الحكام جميعا.

هذه الصورة المستعصية على التغيير تعيد إلى الشعوب العربية صورة تماثيل الرئيس العراقي صدام حسين وهي تتهاوى بالمعول الأميركي، ولكن هناك من يؤكد أنه لن تسقط المزيد من التماثيل في العالم العربي لأن المعادلة المقبلة هي مقايضة القيم العربية والإسلامية بتماثيل الزعماء العرب، حيث ستبقى الأخيرة منتصبة فيما تتهاوى الأولى أمام المد الأميركي، فهل هذا ما سيحصل حقا؟
_______________________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت

المصادر
1- صحيفة دنيا الوطن الإلكترونية، نص الوثيقة التونسية
2- Syrian law، ورقة الإصلاح المصرية السعودية السورية
3- الوحدوي نت، جزء من نص المبادرة اليمنية
4- سفارة مصر في الأردن، نص المبادرة المصرية

المصدر : غير معروف