شفيق شقير

المواجهات بين التيار الصدري والقوات الأجنبية في العراق وعلى وجه الخصوص الأميركية منها، حدث متصل بدأ منذ اللحظة الأولى لسقوط بغداد. ولكن المواجهات الأخيرة اتخذت صورة حادة توحي بأن الحرب هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجمع بين الطرفين.

الحدث


توجه السيد علي السيستاني إلى لندن بداعي العلاج، كان خطوة تحضيرية لهجوم شامل على النجف

على إثر الجولة التي قام بها رئيس الوزراء المؤقت أياد علاوي على بعض الدول العربية، وبعد اقتراح السعودية إرسال قوات إسلامية إلى العراق، دعا الصدر في خطبة الجمعة (30 يوليو/تموز2004) الدول العربية والإسلامية إلى عدم إرسال قوات إلى العراق، واعتبر أن أي قوات تحضر للعراق "ستكون متعاونة مع قوات الاحتلال".

وفي اليوم التالي دهمت القوات الأميركية مكتب الصدر في مدينة كربلاء واعتقلت الشيخ مثال الحسناوي مدير المكتب، ومنذ ذلك الحين انخرط جيش المهدي من جانب والحرس الوطني العراقي والقوات الأميركية من جانب آخر، في معارك تصاعدية بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة، حاصدة عددا كبيرا من العراقيين، خاصة في مدينة النجف والعمارة ومدينة الصدر والكوت.

ومؤخرا دعت الهيئة المركزية لجيش الإمام المهدي في بغداد، جميع العراقيين إلى المشاركة في قتال من وصفتهم بالمستعمرين الغزاة في كل أنحاء العراق. كما حثت رجال الشرطة والجيش العراقي على "ألا يكونوا درعا تحتمي به قوات الاحتلال".

وكان قائد جيش المهدي في البصرة الشيخ أسعد البصري قد هدد بتفجير أنابيب نفط الجنوب إذا هاجمت القوات الأميركية مدينة النجف، مع العلم أن البصرة تعج بأنصار التيار الصدري.

فيما أصدر مجلس محافظة ذي قار جنوبي العراق بيانا انتقد فيه موقف وزيري الدفاع والداخلية العراقيين بشأن ما يجري في مدينة النجف، وهدد بانضمام المحافظة إلى محافظتي البصرة وميسان لتشكيل فيدرالية في جنوبي البلاد والانفصال عن العراق إذا لم تتوقف المعارك في النجف. كما لوح المجلس باتخاذ إجراءات أخرى لم يكشف عنها في حال استمرار الوضع في التردي.

كما هدد سلام المالكي نائب محافظ البصرة وممثل مقتدى الصدر في المدينة بانفصال محافظات البصرة والعمارة والناصرية وإقامة "إقليم الجنوب" العراقي المنفصل في حال عدم انسحاب القوات الأميركية من النجف وتقديم اعتذار رسمي للصدر وتياره وتعويض أسر القتلى والمتضررين من جيش المهدي.

وأكد المالكي أن التيار الصدري أعطى أمرا لشركة نفط الجنوب بأن توقف الصادرات النفطية العراقية حتى تتم الاستجابة لمطالبه.

وأصدر على أثر ذلك السيد مقتدى الصدر بيانا نبه فيه أتباعه في محافظات الجنوب إلى ضرورة الحذر من تقسيم العراق لأنه يفيد من وصفهم بأهل الباطل، ودعا أنصاره إلى الاستمرار في نهجهم "حتى وإن رأوه أسيرا أو شهيدا".

مؤشرات


أخطر التداعيات للحملة الأميركية على النجف في حال نجحت، هي الاقتراب من المرجعية الدينية الشيعية العراقية، وتغذية التناقض بينها وبين المرجعية الدينية في مدينة "قم الأيرانية المقدسة"

يرى المتعاطفون مع التيار الصدري أو مع المقاومة العراقية عموما، أن بعض رجال الدين قد وقعوا في شرك أطراف حكومية وغير حكومية تناصب الخط الصدري العداء، وأن ترتيب خروج بعض المراجع الشيعية من النجف، ولا سيما توجه السيد علي السيستاني إلى لندن بداعي العلاج، كان خطوة تحضيرية لهجوم شامل على النجف يهدف إلى شل جيش المهدي في المدينة وإخراج مقتدى الصدر منها، فضلا عمن يتحدث عن أن نجاح الحملة على النجف قد يشكل مقدمة لاستئصال التيار الصدري برمته، وأن واقع المدينة جاهز لمثل هذا الإجراء.

فكثيرا ما كان التجار وأصحاب الفنادق في المدينة وغيرهم، يشكون من تضرر مصالحهم وتدهور السياحة الدينية بسبب تمركز جيش المهدي في المدينة، كما أن المراجع الشيعية الكبار يشعرون بالاستياء من هيمنة أتباع مقتدى الصدر على المقام العلوي، وأنه أحرجهم في مناسبات كثيرة بسبب تصعيد لهجته ضد ما سماه "قوات الاحتلال"، في الوقت الذي كان توجه تلك المراجع العام يميل نحو التعايش مع الواقع العراقي الجديد.

تداعيات
تفاجأ بعض المراقبين من صمت الأطراف الشيعية السياسية والدينية -داخل العراق وخارجه- على ما يحدث في مدينة النجف الأشرف، المدينة المقدسة عند الشيعة.

ويعزو البعض سبب ذلك إلى اختراق الأميركيين للواقع الشيعي العراقي في العمق، حيث إن المعارضة الشيعية انخرطت في سباق طائفي منذ اللحظة الأولى لسقوط بغداد مما جعلها رهينة القوة الأميركية المسيطرة على مقاليد الأمور، الأمر الذي جعل دولة دينية شيعية مثل "إيران" ومنظمة شيعية عريقة مثل "حزب الله" اللبناني ومرجعا شيعيا مرموقا مثل "السيد محمد حسين فضل الله" يقفوا جميعا حيارى وغير قادرين على اتخاذ موقف عملي واحد للخروج من الأزمة.

والجدير ذكره أنه منذ اليوم الأول لسقوط بغداد كان بعض المهتمين بشأن المرجعية الشيعية قد حذر من تدخل الأميركيين في شؤون الحوزة الدينية في العراق، وممارسة الضغوط على منتسبيها، شأنهم في ذلك شأن ما كان يمارسه النظام السابق، خاصة وأن الأدوات التي كانت تستعمل لا تزال حاضرة.

ووفقا لهذه القراءة فإن أخطر التداعيات للحملة الأميركية على النجف في حال نجحت، هي الاقتراب من المرجعية الدينية الشيعية العراقية، وتغذية التناقض بينها وبين المرجعية الدينية في مدينة "قم الأيرانية المقدسة"، على أمل شق الصف الشيعي سياسيا ووفقا لمعايير دينية.
________________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت

المصدر : غير معروف