أ.د. عبد الجليل كاظم الوالي

أولا- تاريخية الاستبداد
ثانيا- نماذج من الطغاة
ثالثا- التحليل
رابعا- الاستبداد في الفكر الكلامي والفلسفي الإسلامي
خامسا- أشكال الاستبداد في الواقع الثقافي العربي المعاصر

تاريخية الاستبداد

كلمة المستبد (Despot) مشتقة من الكلمة اليونانية ديسبوس (Despots) التي تعني رب الأسرة، أو سيد المنزل أو السيد على عبيده، ثم خرجت من هذا النطاق الأسري إلى عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه ممثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة أو السيد على عبيده1.

لكن حقيقة الأمر أن هذا الخلط بين سلطة الأب وسلطة الحاكم على رعاياه, ما هو إلا عملية تأويل لطغيان الحاكم بتمثله كالأب بالنسبة للأسرة , لأن سلطة الأب أخلاقية ، فقراره مطاع واحترامه واجب في أسرته , لكن نقل هذه السلطة إلى السياسة واعتبار الحاكم أبا والمواطنين أطفالا أمر غير مبرر , ثم إنها تسمى السلطة السياسية وليست السلطة الأبوية.

فسلطة الأب على الأبناء ليست سلة تشريعية , وأي ابن يبلغ الثامنة عشرة من العمر تنتهي عندها سلطة الأب ويستقل الابن , لكن هذا الاستقلال لا يعني عدم احترام الأب، فاحترام الأب واجب ديني و أخلاقي ... بينما الحال مختلفة تماماً في السلطة السياسية, فهي تتحول في المجال السياسي إلى أن الحاكم الذي يمارس هذا النوع من السلطة مستبد.

ويرجع مصطلح الاستبداد إلى أرسطو الذي قارنه مع الطغيان وقال أنهما نوعان من الحكم يعاملان الرعايا على أنهم عبيد. والاستبداد يراه عند البرابرة (ويقصد أرسطو بالبرابرة البشر من غير اليونانيين ويسميهم أيضا الأغراب) فهو ذو سمة آسيوية ويعني خضوع المواطنين للحاكم بإرادتهم, لأنهم عبيد بالطبيعة، ولابد من الإشارة هنا إلى أن أرسطو يناقش فكرة العبد وهل هو عبد بالطبيعة أم أنه عبد بالطبع، ويقصد بالطبيعة أن المرء يولد وهو عبد لذا فواجب عليه الخضوع لسيده وواجب عليه الطاعة والقيام بالأعمال التي يوكلها إليه سيده، أما ما يقصده أرسطو بالطبع فهو أن العرف والتقاليد الاجتماعية هي التي تفرض على الإنسان أن يكون عبدا، وكانت المدرسة السفسطائية تميل إلى الرأي الثاني بينما أرسطو يميل إلى الرأي الأول الذي يعد العبد عبدا بالطبيعة، لذا فهو يعد الآسيويين طبيعتهم هي هكذا أي هم يخضعون لحاكمهم المستبد، فهم بالطبيعة وليس بالطبع يخضعون لحاكمهم.

عليه فإن مصطلح المستبد عند أرسطو يأخذ الأبعاد التالية:

  1. رب الأسرة.
  2. السيد على عبيده.
  3. ملك البرابرة الذي يحكم رعاياه كالعبيد.

أما أفلاطون فعلى الرغم من كونه أستاذ أرسطو إلا أن مناقشته للمستبد تحت مفهوم الطاغية وليس المستبد الذي ناقشه تلميذه أرسطو, فيستولي الطاغية حسب وجهة نظر أفلاطون على السلطة عنوة, ويسعى للتخلص من خصومه بعد استيلائه عليها, لكنه يبدأ بكسب شعبية الناس ويوزع الأراضي, ويشن الحروب لكي يبقى الشعب بحاجة إليه، وهي وسيلة احتقار الناس، ومن مصلحة الطاغية استمرار الحروب. ويلاحق الطاغية جميع الناس الذين يمتازون بالشجاعة وكبر النفس والحكمة والثروة لأنهم يشكلون خطرا عليه, يحيط به جماعة مستعبدة تتقاضى أجورا عالية لكي تحميه وتمتدحه, لذا فهو يعيش على حساب الناس الذين يرزحون تحت أسوأ العبوديات, وهؤلاء انتقلوا من الحرية إلى العبودية, أي من الديمقراطية إلى الطغيان.

أما أوصاف الطاغية عند أفلاطون فهي:
كائن حيواني ينشغل بالملذات المتقلبة, نقيض الروح الخالدة, هو من أتعس العالمين ومدينته مدينة شقية, العلاقة بين الحاكم والمحكومين هي علاقة السيد بالعبد.

ويرتب أفلاطون أنظمة الحكم الذي ينتهي بأسوأ النظم وهو الطغيان:

  1. الأرستقراطي (Aristocracy)
    أفضل أنواع الحكم وهو حكم القلة الفاضلة ويتجه نحو الخير مباشرة ومن ثم فهو نظام الحكم العادل.
  2. الحكم التيمقراطي (Timocracy)
    وهو الحكم الذي يسوده طابع الطموح من محبي الشرف أو الطامحين إلى المجد الذين تكون وجهتهم السمو والتفوق والغلبة.
  3. الحكم الأوليغاركي (Oligarchy)
    وهي حكومة القلة الغنية حيث يكون للثروة مكانة رفيعة.
  4. الديمقراطية (Democracy)
    هي حكم الشعب حيث تقدر الحرية تقديراً عالياً.
  5. حكومة الطغيان (Tyranny)
    وهي حكومة الفرد الظالم أو الحاكم الجائر, حيث يسود الظلم الكامل بغير خجل.

وعند أفلاطون النظامان اللذان يمثلان الشطط في السياسة: ملكية فارس وديمقراطية أثينا: الأول الإفراط في السلطة، والثاني الغلو في الحرية 2.

وعلى الرغم من تحليل أفلاطون هذا للطغيان إلا أن فكرة أرسطو حول المستبد ظلت تسيطر على أغلب المفكرين الأوروبيين، فمكيافلي قارن بين الاستبداد والطغيان عندما قابل بين النظام الملكي في أوروبا والطغيان الشرقي في الدولة العثمانية.

مونتسكيو في كتابه روح القوانين يتخيل الاستبداد من خلال تركيا أو روسيا بأنه حكم يسوده شخص واحد بلا قوانين ولا أحكام ويسير كل شيء بإرادته ومخاتلاته. ويسير هذا الشخص إمبراطوريته بالخوف من الموت بما يوحي لرعاياه من تخويف3.

ومونتسكيو يعد الاستبداد نظاما طبيعيا بالنسبة للشرق لكنه غريب وخطر على الغرب، وهي نفس الفكرة الأرسطية التي يقسم فيها العالم إلى شرق وغرب, للشرق أنظمة سياسية خاصة لا تصلح إلا له وهي بطبيعتها استبدادية يعامل فيها الحاكم رعاياه كالحيوانات أو كالعبيد، وللغرب أنظمة سياسية خاصة تجعل تطبيق الاستبداد يهدد شريعة النظام الملكي.

هيغل وماركس أعادا فكرة أرسطو وأصبح الطغيان والاستبداد هما نظام الحكم الطبيعي للشرق لأسباب ومبررات مختلفة فيما بينهما وظهور ما يسمى نمط الإنتاج الآسيوي.

وأسباب كل هذا تعود إلى بعض السمات السيئة في الشخصية الشرقية، فمثلا شخص واحد حر هو الحاكم في الصين, فهو الأب وأمره مطاع وينظر إلى المواطنين قصرا والشعب لم يخلق إلا ليجر عربة الإمبراطور وهذا هو قدره المحتوم، صوره بشعة للرجل الشرقي كما يمثلها الصينيون القدماء في رأي هيجل 4.

نماذج من الطغاة

  • الإمبراطور الروماني كاليفولا 12- 14 ق .م.
  • الإمبراطور الروماني نيرون 37-68 م.
  • الحجاج بن يوسف الثقفي 661-714م.
  • جنكيز خان 1167-1227م.
  • هولاكو 1217-1265م.
  • تيمور لنك 1336-1405م.
  • إيفان الرهيب قيصر روسيا 1462-1505م (فترة حكمه في روسيا).
  • لويس الرابع عشر 1628-1715م فرنسا.
  • شارل الأول طاغية بريطانيا 1625-1649 فترة حكمه في بريطانيا.
  • روبسبير طاغية الثورة الفرنسية 1758-1794م أصغر طغاة التاريخ.
  • تشانج كاي شيك طاغية الصين 1886-1949م.
  • أدولف هتلر 1889-1945م.
  • هيلاسلاسي طاغية إثيوبيا 1891- 1974م.
  • باتستا طاغية كوبا 1933-1944 والثانية 1952-1959م فترتا حكمه.
  • سالا زار طاغية البرتغال 1889-1970م.
  • فرانكو – طاغية إسبانيا 1892-1975م.
  • سوموزا الأب والابن طاغيتا نيكاراغوا 1922-1979 فترة الحكم.
  • عيدي أمين طاغية أوغندا - 1979 وفاته.
  • محمد رضا بهلوي – طاغية إيران 1919-1980م 5.

التحليل

  1. كان الشرق هو منبع أو أصل فكرة كون الحاكم إلها, في مصر وفارس والهند والصين, وينظر إلى الملوك والأباطرة باعتبارهم آلهة، عليه اكتسى لبس الاستبداد في تراثنا زياً دينيا إلى أن انتهى بالعهد الحديث إلى تأليه الحاكم, ولدى الشعب الاستعداد للركوع إلى هذا الحاكم, وطلب الإسكندر الأكبر من اليونانيين تقليد الشرقيين وانتهوا معه إلى اتفاق (أن تقتصر هذه العادة الآسيوية على الآسيويين فقط) أي عادة السجود والركوع للحاكم 6. ولم يفكر الإسكندر في تأليه نفسه إلا في الشرق, فهو موطن تأليه الحكام وآسيا هي المنبع والأصل للاستبداد.
  2. الملك في مصر, شخصية إلهية مقدسة تتمتع بعلم إلهي, يجب أن ينفذ كل ما يقوله, لا حاجة للقوانين لأنها كلها مجسدة في شخصيته, فكان فرعون هو المشرع والمنفذ.
  3. بلاد ما بين النهرين الملك هو الكاهن الأعظم, نائب الآلهة ومندوبها, الملك وكيل آلهة المدينة.
  4. يطلقون في بلاد فارس ملك الملوك على الإمبراطور وهو صاحب السلطة المطلقة في كل البلاد والناس يسجدون له ويؤلهونه.
  5. يستمد الإمبراطور في الصين سلطته من السماء, والشعب خلق ليجر مركبة الإمبراطور وهو قدره المحتوم وفقاً لرأي هيجل.
  6. يتفق أفلاطون وأرسطو في أن الطغيان ينبثق من الصراع بين الأغنياء والفقراء في ظل الديمقراطية.
  7. إن مصير الفكر والسياسة طول التاريخ الإسلامي يرتبط بالقوة والقهر, مثلما يرى ابن خلدون.

الاستبداد في الفكر الكلامي والفلسفي الإسلامي

أولا- الاستبداد في الفكر الكلامي
يعجب من يسمع أو يقرأ أن هناك استبدادا في الفكر الكلامي, إذ المفروض ألا يكون هناك استبداد في الفكر، خصوصاً إذا كان الفكر يقيم ركائزه على الدين, لكن واقع الحال عكس ذلك تماماَ، فعندما نقرأ فكر الفرق الكلامية: كالمعتزلة والأشاعرة والشيعة والخوارج والماتريدية، نجد أن الاستبداد قد مورس بشكل واضح وجلي, ووصل الأمر بأن يكفر بعضهم البعض الآخر, وفي اعتقادي الشخصي, فإن حكاية ظهور المعتزلة كفرقة كلامية تمثل الاستبداد بذاته, إذ أن الأعرابي الذي دخل مسجد البصرة وسأل عن حكم مرتكب الكبيرة, انبرى له واصل بن عطاء وأجاب بأن مرتكب الكبيرة في رأيي لا هو مؤمن مطلق ولا كافر مطلق بل هو في منزلة بين المنزلتين, لا مؤمن ولا كافر.

ثم اعتزل إلى إحدى اسطوانات المسجد, ألم يكن واصل مستبداً في رأيه؟ فالسؤال لم يكن موجهاً له, بل لأستاذه الحسن البصري, ولم يقل الحسن البصري سوى (اعتزلنا واصل ) لذلك سمي واصل ومن تبعه بالمعتزلة.

هي حكاية وفيها آراء متعددة حول صحتها, أو من قالها، وفي أي موضع, لكنها في رأيي تعني الاستبداد في الفكر، وكأن الرأي الذي يطرحه الشخص لا جدال فيه ويمثل الحقيقة.

ووصل الأمر بهذا الاستبداد أن تؤسس فرقة كلامية, وتفعل مثلما فعلت الفرق الأخرى بقراءة كتاب الله والسنة النبوية لتفسر نصوصا دينية وفقاً لما هي تؤمن به لكي يسود فكرها وتصبح آراؤها الأفضل والأسلم والأدوم والأصح، واستغلت العقل كسلطة بحيث رجح على الدين.

ولم تكن المعتزلة هي الفرقة الوحيدة المستبدة, بل إن الفرق الأخرى مارست الدور نفسه, ولو دققنا بطبيعة المشكلات التي ناقشتها تلك الفرق الكلامية نجدها تتمثل في:

  1. مشكلة الإمامة.
  2. مشكلة الذات والصفات.
  3. مشكلة الجبر والاختيار.
  4. مشكلة السماع والعقل.

وتعد مشكلة الإمامة المشكلة التي ارتبطت كلياً بالسياسة واحتاجت كل الفرق إلى أدلة من الدين للدفاع عن آرائها, فهي دخلت في مبحث العقائد, إذ أن الشيعة اعتبروها من أصول العقائد على الرغم من عدم موافقة الفرق الأخرى على ذلك, وكان رد الفرق الأخرى يعتمد هو الآخر على الدين, تأويل نصوص دينية لدعم أفكارهم، عليه يمكن القول إن الخلافات السياسية التي حدثت في صدر الإسلام ارتبطت بالدين وعقائده, واتخذت من الدين قاعدة للدفاع عن أفكارها الكلامية.

هذه الفرق الكلامية بتقديري أشبه ما تكون في تكوينها الأولي أو نشأتها الأولى أحزاب سياسية ثم تحولت إلى فرق كلامية دينية, فأصبحت أمورها تتعلق بالدين والاعتقاد.

فسيطرة قبيلة قريش على القبائل العربية الأخرى نوع من أنواع الاستبداد, الذي أدى بالقبائل فيما بعد إلى أن يستنكفوا من هذه السيطرة والتمرد عليها والخروج من شرنقتها، ذلك لأن هذه القبائل قدمت إلى الإسلام أشياء كثيرة, وبدؤوا يعتزون بأنسابهم مثل قبائل ابن وائل وربيعة و الأزد من اليمن وتميم وقيس من مصر, لكن هذا التمرد هو الآخر نوع من أنواع الاستبداد, نعم إنه خروج عن استبداد قريش لكنه في نفس الوقت استبداد قبلي يكرس عقلية التسلط.

واتخذت الفرق بعد عصر الترجمة المنطق والإلهيات والطبيعيات والأخلاق وسائل لكي تقوى نفسها وحججها.

ويعد تعريف الإنسان عند أغلب الفرق الكلامية نموذجا لشكل الاستبداد، لأننا يمكن من خلال تعريف الإنسان أن نتعرف على طبيعة المذهب الفلسفي الذي يكمن خلفه التعريف، فأرسطو عندما يهتم بالماهية فإنه يعرف الإنسان على أنه حيوان عاقل، فالعقل هو ماهية الإنسان، وكذلك عندما يهتم كارل ماركس بالناحية الاقتصادية فإنه يعرف الإنسان على أنه حيوان صانع الإله، لأن الجانب الاقتصادي هو العنصر الأساسي عند ماركس، والإنسان في الشريعة الإسلامية لا ينظر إليه على أنه صاحب حق بل متحمل للمسؤولية وملزم بأداء واجب, وهو مكلف.

لذا فروح الشريعة الإسلامية تتكلم عن واجبات للإنسان وليس حقوقا، فمالك الحقوق هو الله سبحانه وتعالى. والإنسان ملزم مكلف بالمحافظة على هذه النعم والانتفاع بها بحدود، فكان تعريف الإنسان عند المعتزلة (كائنا مكلفا) فأبو الهزيل يعرف الإنسان (الشخص الظاهر المرئي الذي له يدان ورجلان، ولا ينسب فعل إلى عضو من أعضاء الإنسان وإنما الفعل هو للإنسان ككل، فلا يفعل عضو له على انفراد) 7. هذا التعريف يحدد فعل الإنسان وليس ماهيته.

ثانيا- الاستبداد في الفكر الفلسفي
يعد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة نموذج الاستبداد في الفكر الفلسفي الإسلامي، إذ كان غرضه صريحاً وواضحاً من تأليفه لهذا الكتاب, وهو أن يهدم الفلسفة ويبين بطلانها, فترتد الناس عنها, ويصبح العمل في الفلسفة غير ذي قيمة أو فائدة, ويتخذ من الإسلام وسيلة في الرد على الفلاسفة, وعلى أساس أن هؤلاء الفلاسفة الذين يرد عليهم استحقروا شعائر الدين, كوظائف الصلوات والتوقي عن المحظورات, ويشبههم باليهود والنصارى ويعتقد أن مصدر كفرهم هو سماعهم لآراء سقراط و أبوقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس, ويعترف بدقة علومهم كالهندسة والمنطق والطبيعة والإلهيات, وعلى الرغم من أن هؤلاء الفلاسفة اليونانيين يتمتعون برزانة العقل وغزارة الفضل, إلا أنهم منكرون للشرائع والنحل, وجاحدون لتفاصيل الأديان والملل, وهي في نظرهم نواميس مؤلفة وحيل مزخرفة.

لذا فالفلاسفة المسلمون حسب ما يعتقد الغزالي تجملوا باعتقاد الكفر تحيزاً إلى غمار الفضلاء وانخراطا في سلكهم وترفعا عن مسايرة الجماهير واستنكافا من القناعة بأديان الآباء, ظنا منهم أنها الجمال (وغفلة منهم عن أن الانتقال إلى تقليد عن تقليد, خرف وخيال, فأية رتبة في عالم الله أخس رتبة ممن يتجمل بترك الحق المعتقد تقليداً بالتسارع إلى قبول الباطل تصديقاً دون أن يقبله خيراً وتحقيقاً ) 8 .

ويصفهم بالحماقة ويسميهم الأغبياء والملاحدة الشرذمة, أصحاب العقول المنكوسة والآراء المعكوسة, زمرة الشياطين الأشرار, الأغبياء والأغمار (الغمر كقفل الذي لم يجرب الأمور, وغمار الناس بضم الغين وفتحها, زحمتهم) أصحاب التخابيل والأباطيل.
رد الغزالي هو رد أيديولوجي فهو من الأشاعرة ولكن الأشاعرة لم تهتم بكتابه تهافت الفلاسفة, بل إنها استخدمت الفلسفة في تدعيم علم الكلام الأشعري.

أما بشأن رأي الغزالي في الإمام المطاع وهل يجوز خلعه أو الثورة عليه, يرفض الغزالي خلع الإمام إلا إذا تم ذلك دون فتنة شعبية أو حرب أهلية تصبح الإمامة أفضل من الحروب الأهلية فهو يقول:
(فأي حاكم, مهما كان مصدر سلطته, خير من الفوضى. نعم, على الإمام أن يحاول إقامة العدل الطبيعي بحيث لا يخالف الشريعة, ولكن حتى لو لم يعدل, فلا يجوز خلعه إذا كان في منازعته إثارة الفتن, أو خوفا من اضطراب الأمور ) 9.

لذا فإنه في ظل الظلم والاستبداد يصبح الإلزام السياسي:

  • إن الحاكم هو ظل الله على الأرض.
  • إن ظلمه على سوئه, يبقى أقل شراً من انهيار المجتمع.

وهذا هو تبرير الإلزام السياسي الذي تقل فيه قيمة الحقوق الطبيعية 10. ويقول الغزالي في إحياء علوم الدين إن السلطة الآن إنما تتبع القوة. (ص 87).

وشارك ابن تيمية الغزالي في هذه الفكرة إذ جعل الأول قوة الإكراه جوهر الحكم, وهي ضرورة لكي يعيش البشر معا, وهي التي تحول دون تفكك المجتمع. والحاكم عليه أن يفرض الطاعة على رعاياه, فظلم الحاكم خير من فتنة المجتمع (أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم ) 11.

تهافت التهافت لابن رشد
أوضح ابن رشد غرضه من كتابه هو (أن نبين مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت لأبي حامد في التصديق والإقناع, وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان ) 12.

فهو يريد فحص آراء الغزالي ورده على الفلاسفة وكيف فسر الغزالي نصوص الفلاسفة وهل أن التفسير أو رد الغزالي مقنع بالاستناد إلى المنطق، ويصف ابن رشد بعض أقاويل الغزالي بأنها أقاويل سفسطائية, الهدف منها التغليط والتضليل وتقديم الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، والحقيقة أن رأي ابن رشد هذا رأي أرسطي, إذ أن أرسطو الذي فسر معنى السفسطائية بهذه الطريقة, حكمة مموهة, حكمة ترى لا التي هي موجودة، وهذا مأخذ على ابن رشد.

ثم إن خلاصة رأي ابن رشد في كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي هو أن أقاويل الأخير ظنون غير صادقة وغير برهانية, وأن الغزالي كان يستنطق الفلاسفة ويرد عليهم والحقيقة أن هذه الأقاويل التي يذكرها عن الفلاسفة لم يقلها الفلاسفة, لذا فهو يشوش فكرهم, ثم إن الغزالي يعتمد على فلسفة الفارابي وابن سينا, وما فهماه من فلسفة أفلاطون وأرسطو.

ويقول الغزالي إن هذا لأفلاطون وأرسطو، والحقيقة لم يقل أفلاطون وأرسطو هكذا بل إن الفارابي وابن سينا قالا بهذا القول, لذا فالغزالي أيضا في النصوص الأرسطية والأفلاطونية كان مشوشاً ولم تكن هذه النصوص لأفلاطون وأرسطو.

ولابد من ذكر أن الفلسفة التي نقدها الغزالي هي تحديداً فلسفة الفارابي وابن سينا وما نقلاه عن الفلسفة اليونانية، ولم يتعرض الغزالي لفلسفة الكندي والرازي.

أشكال الاستبداد في الواقع الثقافي العربي المعاصر

تبين لنا من التحليل السابق أن الاستبداد لم يكن ظاهرة جديدة في الثقافة العربية أو الواقع العربي المعاصر, بل إنه متأصل ويمتد في جذوره إلى عمق وجود الإنسان العربي, بحيث أصبح التسلط جزءا من الشخصية العربية, ولا أعني بالتسلط هنا, السلطة بمفهوم الدولة, بل التسلط كمكون من مكونات الشخصية العربية, وللتسلط في ثقافتنا أشكال أو صور يمكن أن ألخصها بما يلي:

  1. تسلط الموتى على الأحياء, سيطرة التراث.
  2. سلطة الأب والشرطي والموظف والمعلم.
  3. سلطة الحزن والخوف.
  4. الدين المزيف, كافة الدخل. لدين المزيف.
  5. الفقر أو قلة مستوى الدخل.
  6. تضخيم شعارات الأحزاب والفرق والمذاهب وجعل ألفاظها تفكر لنا بدلاً من أن نفكر بها.
  7. المتحدث في الندوات أو المؤتمرات أو المحاضرات يتبوأ مقعده من الاستبداد, ويزعم دائماً أن الرأي الذي يطرحه أو النص الذي يستشهد به أو محاضراته هي غاية الوضوح والدقة.

وأخيرا يمكن القول إن الطغيان ما هو إلا تدمير للقيم الأخلاقية للإنسان، والطاغية في عرف الجميع، أسوأ ما يوجد على الأرض سواء أكان فردا أم جماعة، ولكل شعب الحق في مقاومة الطاغية، ولنرفض فكرة كون أمراء العالم آلهة والشعب تابعا ذليلا، فلم تقل الأديان هكذا، ولا يمثل الحاكم الله على الأرض، ولندع القلق ونبني شخصية مستقرة.
__________________
جامعة الإمارات–قسم الفلسفة

الهوامش والمصادر:

(1) إمام، عبد الفتاح إمام: الطاغية، عالم المعرفة، العدد 183، 1994، ص 52.

(2) خضر خنافر: في الطغيان والاستبداد و الديكتاتورية, دار المنتخب العربي, 1995، ص 58.

(3) المصدر السابق، ص 140.

(4) إمام، الطاغية، ص 57-59.

(5) طغاة التاريخ: د. محمد متولي, مكتبة نهضة الشرق, القاهرة, بدون سنة طبع.

(6) إمام، الطاغية، ص 27-28.

(7) صبحي، د. أحمد محمود: في علم الكلام، المعتزلة، مؤسسة الثقافة الجامعية، 1982، ص 198.

(8) الغزالي، أبو حامد: تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، الطبعة السادسة، دار المعارف، ص 74.

(9) الغزالي, الاقتصاد في الاعتقاد ص 28.

(10) ملحم ص 84.

(11) ابن تيمية: السياسة الشرعية، ص 29, ملحم, ص 85.

(12) ابن رشد: تهافت التهافت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، ص 105.

المصدر : غير معروف